الفصل الثاني.

1327 Words
لكل إنسان نصيب من اسمه ، ولقد أسميتك صادق فاجعل نصيبك الأكبر من اسمك في الصدق، فهو رأس مال لا يفنى وإن فنيت الأجساد وقبضت الأرواح، تظل السيرة الحسنة ما دامت السماوات والأرض" . _كانت هذه نصائح والد صادق الذي لا يكف يوماً عن إعطائها له قبل أن يترك له أراضي واسعة وبيوت شامخة البنيان، يعرفه جميع من بالقرية نظراً لثرائه الفاحش وذكائه الصارخ، نشأ صادق وتربى في النعيم الذي تركه له والده، بعد أن قسم التركة عليه وعلى إخوته قبل وفاته ، كان رغم كبر سنه إلا أنه يتمتع بصحة جيدة، بخيل للناظر إليه أنه في الأربعين من عمره وليس في الثالثة والخمسين. _تمكن من شراء نصيب أختيه كما تمكن من شراء العديد من البيوت والأراضي حتى صارت البلدة يطلق عليها"قرية صادق " ولم لا وقد أصبح يمتلك ما يزيد عن نصفها ، إلى جانب امتلاكه العديد من مزارع الماشية ، فكان المص*ر الأول للحوم في محافظة قنا، لا يغمض له جفن حتى يمتلك أرضاً جديدة يضمها لحيزته. _يقع بالجوار منه أرض يمتلكها ورثة الشيخ عمران الذي كان إمام المسجد و يعلم اطفال القرية القراءة والكتابة، حاول صادق مرارا وتكرارا امتلاك هذه البقعة التي تقع في الناحية الشرقية للبلدة والتي بامتلاكها تصبح الناحية الشرقية ملكاً له، إلا أن عروضه رغم اغرائها قوبلت جميعها بالرفض التام . _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. _نهض صادق واقفاً ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة: عليكم السلام ومد يده مصافحاً بترحاب شديد تفضل يا جاري العزيز، ثم ضغط على زر صغير يعتلي مكتبه الخشبي فسرعان ما دخل العامل فالتفت صادق نحو الرجل قائلاً: هل تود أن نتناول الفطور أولاً؟ أم نتناول القهوة؟ _قضب الرجل حاجبيه وتحدث بصرامة ، لم آت إلى هنا لتناول الطعام والشراب أنت تدرك جيداً السبب الرئيسي في وجودي هنا. _ابتسم صادق ابتسامة ماكرة قبل أن يشير إلى العامل، أحضر كوبين من القهوة الخاصة بي ولا تسمح لأحد بالدخول. _أغلق باب الحجرة فنظر صادق إلى الرجل بدهاء: ما الأمر يا أستاذ أسعد ؟نحن جيران ولا يليق بنا أن نتعامل هكذا. _أخذ الرجل شهيقا طويلاً قبل أن يقول لا داعي لقلب الطاولة في الحديث ، لو انك تراعي الجار حقه لما سمحت لأغنامك التي يشرف على رعايتها خمسة رجال، أن تفسد زرعنا وليست المرة الأولى أن يحدث ذلك، متى تنتهي تلك اللعبة السخيفة؟ _نظر صادق باشمئزاز : أتعلم يا استاذ أسعد؟ لا يجرؤ أحد على التحدث معي هكذا لكنني ألتمس لك العذر. _قهقه بصوت يوحي بالسخرية: هل تظن نفسك قوياً لهذه الدرجة؟ يا عزيزي أنا أشفق عليك من نفسك الأمارة بالسوء ، فالإنسان منا ما هو إلا بضع أوعية دماء قد تراق بين لحظة وضحاها فيجد المرء نفسه قد هَوى إلى حيث اللاعودة أبدأ. _ارتشف رشفة من كوب القهوة وتطلع إليه بهدوء: لقد عرضت عليك كثيرا أن أبتاعها منك بأغلى الأثمان وأنت تعي جيدا أنني أقدر على أخذها غصبا ، لكنني لا أريد ذلك إكراماً لجثمان الشيخ عمران في لحده. _ليس بالجديد عليك أن تفعل ذلك، كما لفقت تهمة زور ل " ناصر الجبالي " واغتصبت أرضه دون وجه حق، لم تكترث لوالده المسن وعياله وهم يشردون أمامه ، في حين أشفق عليه أحد الغرباء من القرية المجاورة وأسكنه بيته، وأنت تتظاهر بالشهامة والمروءة بأنك من أخرجته من السجن، وتخفي في نفسك ما تبديه من وجه ملائكي ، كم نفس ظلمت إلى الآن، ألم تر أخوتك وأبنائهم الأطباء والمهندسين وأخلاقهم. _اهتزت الحجرة بتصفيق صادق قبل أن يقول ساخراً: يا إلهي لقد انتابني القشعريرة، هذه الكلمات تلقيها لتلاميذك في المدرسة، أما أنا فالكلمة العليا عندي هي المال ، المال يا عزيزي يمحو الشرف والفضيلة وكل هذا الهراء الذي تقوله، أما عن أرضك سآخذها حتماً، وأولادي الذين تقارنهم بأبناء إخوتي هم الآن في المرحلة الثانوية عما قريب سيحصلون على شهادة البكالوريوس بجامعة الطب لكنها ستكون من جامعة نيويورك، سيكونون أفضل من بالقرية، سيرثون الجاه والمال كابرا عن كابر. _ حدق بعينيه : لقد أعمى المال الحرام عينيك ، لقد لطخت المال الحلال الذي ورثته بمالٕ حرام ، أما عن أرضي فأنا أؤثر الموت على تركها ولن تطأ قدمك شبراً منها ما دمت حياً. _جن جنون صادق وأمسك بياقة أسعد وصرخ في الأمن بغضب استدعوا رجال الشرطة فوراً وقيدوا ذلك المجرم بإحكام وأمسك بمزهرية الورد من أمامه وض*ب رجل الأمن في رأسه فسالت الدماء من جبهته وأخرج صرة من النقود ودسها في معطف أسعد ، حضر رجال الشرطة على الفور ليجدوا الرجل ينزف بالدماء من رأسه وصادق يصيح بهم ألقوا بالقبض على هذا الو*د الذي سرق نقودي وعندما حاول رجال الأمن القيام بعملهم قام بالاعتداء عليهم دون شفقة ، حرروا الواقعة ، سرقة بالإكراه وتعدي على موظف أثناء تأدية عمله. تماسك أسعد وهو يردد حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم رد مظالمنا حسرة وخيبة يراهما في أبنائه نصب عينيه. _انتشر الخبر في أنحاء البلدة ، كيف للاستاذ أسعد المعلم الفاضل ابن الشيخ عمران إمام المسجد أن يرتكب جرما كهذا ؟ أسرعت زوجة أسعد وأخوته يرجون صادق أن يعفو عنه، وأسعد يرفض بيع الأرض وهو يقول لهم لقد فصلت عن العمل وهذه الأرض هي كل ما تبقى لنا ولن أفرط في شبر واحد منها . _لكن صادق تحايل عليهم وساومهم على شراء الأرض بثمن بخس مقابل إطلاق سراح أسعد الذي تفاجأ بخروجه من السجن قبل أن يمضي أسبوع واحد من ثلاث سنوات عقوبة كان من المفترض أن يقضيها ، كاد أن يقتل زوجته وأخوته عندما علم بالأمر ، لكن ما كان له من حيلة وقد حدث ما حدث. _اشترى منزلاً صغيراً يحويهم جميعاً بالكاد ، وكلما مر على أرضه يشعر بغصة في حلقة.، ويتمتم بدعوات بينه وبين الله. _اعتاد صادق اقتناء عصاه الثمينة من الخرزان الإيطالي المزينة من الأعلي ببعض الأحجار الكريمة ويختتم أسفلها بالجلد، كما اعتاد ارتداء ثوبه الصعيدي الكامل من جلباب واسع من أفخر أنواع الأقمشة، تعلوه عباءة مفتوحة مطرزة الحواف، بينما يغطي رأسه عمامة بيضاء زاهية كتيجان الملوك، مما يجعل كل من يراه يهابه ويحسب له ألف حساب، وتمر السنوات وصادق يزداد ثراء بحق وغير حق ، لا يلقي بالا سوى امتلاك شيئاً جديداً . _بعد مرور عامين على تلك الحادثة، للمرة الأولى يدخل المسجد الذي قد أنشأه والده فبالرغم من مرور تلك السنوات وبناء المسجد على أرضه وأنه لم يبخل عليه قط من تزين وإمداده كل ما يحتاجه من فرش وغيره، كما أوصاه والده إلا أنه للمرة الأولى يدخله ،" من المؤسف أن تكون محاطاً بكم لا بأس به من نعيم لكنك لا تستخدمه في الهدف الذي خلق له " _ للمرة الأولى يرى نفسه ضعيفاً ، أسند رأسه إلى الحائط ، كأنه ينفض عن ذاكرته غبار الألم وجلس بجوار أسعد الذي يقرأ القرآن ولا يلتفت إليه كأنه ليس موجودا، سقطت الهيبة أرضاً ،تبعثرت القوة المزعومة و*دت أشلاء ، وجهه العبوس ينبئ عن جسد أثقلته ندبات الحياة، ألقى بعصاته جانباً والتفت إلى أسعد قائلا والدموع تملؤ عينيه فقط يمنعها محاولاً الحفاظ على ما تبقى من هيبته: بإمكانك استرداد أرضك وبيتك الآن وأعوضك كل ما افتقدته بسببي ، كي تسامحني . _رفع حاجبيه بدهشة : ماذا؟ أنت تمزح أليس كذلك؟ _أغمض عينيه بأسف: كنت أظن أن القوة في جمع المال فحسب ، لكنني أدركت أني كنت في غيبوبة وان القوة الحقيقية في حب الناس وعمل الخير، لقد سافر ولداي للتعلم في جامعة نيويورك لكنني اكتشفت بعد مرور عامين أنهما لم يدخلا الجامعة، وما هما إلا مجرد عربيدين يدمنان الكحوليات، فضلاً عن أنهما كانا ي**عاني بشهادات نجاح زائفة. _قبل أسعد المصحف قبل أن يضعه جانباً ثم قال: ها أنت الآن فهمت أن المال الحرام يهدم كل ما بني منه ، لقد زيفت أوراق الأراضي والعقارات، وكم شردت من بيوت بطمعك ، ليس لأولادك جرما في ما حدث فلقد صارا على خطواتك تماماً، قد كنت تخوض في الوحل وتجاهد كي تصنع لهما المستقبل ونسيت أنه ليس عليك سوى اقتناء خطواتك لأن الأبناء يخطون آثار أقدام أبنائهم وأن المستقبل بيد الله، أتعلم؟ سأسامحك لأنه ليس من الإنسانية أن ترد م**وراً ويكفي ما أنت به من شعور بالذنب، يكفي انتقام الأقدار منك ، لكن إذا أردت أن تتوب صدقا فرد لكل ذي مظلمة مظلمته . _اغرورقت عينيه بالدموع سأفعل ذلك لكن أولادي كيف أصلحهم ؟ _أصلح نفسك يتكفل الله بإصلاح أهلك واعلم أن الله لا يرد قلباً لجأ إليه لكن حقوق العباد لا بد أن يستردوها أولاً، وأشهد الله اني قد عفوت وسأذهب معك من الغد لنرد الحقوق لأصحابها. _عانقه صادق باكيا: بل أردها الآن هيا بنا، لقد تعلمت درساً لا ينسى ، أنه يجب على الآباء اقتناء خطواتهم بعناية لأن الأبناء حتماً سيسيرون على خطواتهم.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD