الفصل العاشر :
في تلك اللحظة القاتلة، صدح رنين هاتف
رعد بحدة. سحب الهاتف وفتح الخط، ليأتيه صوت شقيقته "مها" مذعوراً، باكياً، ومتقطع الأنفاس:
— رعد! أرجوك تعال إلي فوراً! أنا بحاجة ماسة إليك.. أنقذني!
انقلبت معالم وجه رعد إلى رعب شديد، وصرخ في الهاتف:
— مها؟! ما بكِ؟ ما الذي يحدث؟!
قالت مها بنشيج مصطنع:
— مارينا.. مارينا تريد الانتحار! إنها تقف على الحافة! تعال بسرعة وساعدني لإيقافها قبل أن ترمي بنفسها!
سأله والده بوجل فور إغلاقه الهاتف:
— ما بها مها؟ ما الذي حدث؟
أجاب رعد وعيناه تشعان بالقلق:
— ليست مها يا أبي، بل مارينا.. تريد الانتحار!
قال كلماته الأخيرة وانطلق كالسهم، يركض بسرعة جنونية مختفياً عن ناظري والده. وقف جاسر مكانه، وهز رأسه بسخرية ممتزجة بالضيق وتمتم:
— آه منكِ يا مارينا.. ما الذي يدفعكِ لعمل مثل هذه السخافات الدرامية؟ أرجو فقط أن يكون الأمر يستحق كل هذا الضجيج.
وصل رعد إلى الموقع، وكان منطقة جبلية شاهقة تطل على منحدر سحيق مرعب. صعد الجبل بصعوبة بالغة وبتنفس لاهث حتى وصل إليهما. كانت مارينا تقف قريباً من الحافة، تتقن دور الضحية ببراعة فائقة، بينما مها تغطي خلفها تلك المسرحية الهزلية، وتصرخ ما إن رأته:
— أنقذها يا رعد! أرجوك.. سوف تدفع بنفسها إلى الهاوية!
تقدم رعد بخطوات حذرة ومدروسة، باسطاً يديه لتهدئتها:
— مارينا! توقفي ولا تتهوري! أنتِ فتاة شابة في عمر الزهور، وأنا واثق أن أي مشكلة حدثت لا تستحق منكِ أن تزهقي روحكِ لأجلها!
التفتت إليه مارينا، والدموع المصطنعة تملأ وجهها، وقالت بنبرة باكية:
— أنت لا تعلم شيئاً يا رعد! لا تعلم ما الذي حدث لي.. من الأفضل أن تعود من حيث أتيت وتتركني لشأني!
رد رعد محاولاً استمالتها عاطفياً:
— لا يهم ما حدث، المهم أن روحكِ غالية على الكثيرين. هل نسيتِ والدكِ؟ كم يحبكِ العم جاك؟
أكملت مارينا الحيلة بسيل من الدموع المتقاطرة:
— أبي يحبني، نعم.. ولكنني لا أدري ما الذي دهاه! يريد تزويجي رغماً عني برجل مافيا قذر وسيئ السمعة، رجل يتاجر بالأطفال ويدمر العائلات!
اتسعت عينا رعد بعدم تصديق:
— ماذا؟! مستحيل! العم جاك مستحيل أن يفعل هذا! ما الذي يورطه مع هذا النوع القذر من البشر؟
أجابت بميوعة ممزوجة بالبكاء:
— لا أعلم ما الكارثة التي تورط بها أبي معه حتى يضحي بي ويتخلى عني.. ولكنني أفضل الموت والارتماء في هذه الهاوية على أن أكون زوجة لذلك الرجل!
قال رعد بحسم وقوة:
— لن أدعكِ تتزوجين به، صدقيني! سأعمل المستحيل لمنع هذا.. حتى وإن تطلب الأمر أن أذهب إلى العم جاك بنفسي وأخبره بإنني سأتدخل لحل مشكلته مع هذا الرجل!
في تلك اللحظة، صرخت مارينا ومها معاً بهلع حقيقي:
— لا! انتبه.. إياك أن تفعل هذا!
نظر رعد إلى شقيقته مها بغرابة وريبة؛ لِـماذا كل هذا الخوف من تدخل طالما أنها تريد إنقاذ صديقتها؟ لكن مها استدركت الموقف بسرعة وقالت مبررة:
— لقد.. لقد قلتُ لها هذا الحل أيضاً يا رعد! أخبرتها بأننا سنذهب معاً إلى والدها ونحل المشكلة، لكن العم جاك حذرني بشدة؛ إنه لا يريد أن يعلم مخلوق بهذا الموضوع، والرجل المتورط معه يراقبه، وإذا شعر بأي تدخل خارجي فسيقضي على أبيها تماماً! هناك أمور أخرى يضغطون عليه من خلالها.. إذا تهرونا، سنؤذي العم جاك ونقتله!
تقدمت مارينا خطوة أخرى نحو الحافة السحيقة، وتلاعبت بالرياح التي تحرك خصلات شعرها:
— يجب أن أموت.. لا أتحمل رؤية أبي يسحق أمامي، ولا أتحمل أن أُزف إلى رجل لا أريده!
هنا، حانت اللحظة المقررة في الخطة، فصرخت مها مستغلة الموقف ببراعة درامية:
— لن تُزفي إلى رجل لا تريدينه يا مارينا! بل لرعد.. ستُزفين لرعد! هو من سيحميكِ! رعد سيتزوجكِ!
تراجع رعد خطوة إلى الوراء، ونظر إلى شقيقته بصدمة وذهول:
— ما الذي تهسترين به يا مها؟! هل جننتِ؟!
أمسكت مها بيده وتوسلت بدموع تملأ عينيها:
— هذا هو الحل الوحيد المتاح أمامنا يا رعد! أرجوك ساعد مارينا وأنقذ حياتها!
رد رعد بحدة:
— لا أستطيع! أنتِ تعلمين أنني متزوج بالفعل!
قالت مها بخبث:
— أعلم، ولكن القانون لا يمنعك من الجمع بين زوجتين!
قال رعد بنبرة حاسمة:
— ولكنكِ تعلمين جيداً يا مها، أنني أرى مارينا تماماً كما أراكِ أنتِ.. مارينا بمثابة أخت لي، لا أكثر!
نظرت مارينا إليهما بحزن مصطنع وقالت وهي تلتفت للمنحدر:
— مها.. دعيه وشأنه، لا أريد شفقة أو عطفاً من أحد. سأموت هنا وينتهي كل شيء.
صاح رعد بذعر:
— انتظري! لا تفعلي!
تابعت مها بكاءها المصطنع:
— أرجوك يا رعد.. تزوجها ولو لشهر واحد فقط، زواجاً صورياً لإنقاذها، وبعد أن تنتهي أزمة والدها طلقها!
بدأ التردد يغزو ملامح رعد، فالموقف يبدو حقيقياً ومصيرياً، لكنه قال محاولاً البحث عن ثغرة:
— ولكن الأمر ليس بهذه السهولة.. إذا فرضنا وذهبت للعم جاك لطلب يدها، ماذا سيقول؟ هل سيوافق وهو يعلم ظروفي؟
أحست مها بال
***ة، ورأت علامات النصر تقترب، فقالت بلهفة:
— اترك هذا الأمر لي، أنا من سيتحدث معه وأقنعه!
تابع رعد بتوجس:
— ولكن، ماذا لو علم ذلك الرجل المتورط مع والدها؟ هل سيتوقف؟ بل قد يؤذي العم جاك بشكل أكبر إن علم بوجود منافس!
رسمت مارينا ملامح الحيرة الممزوجة باليأس وقالت:
— آه.. الأمر معقد حقاً ومسدود من كل الجهات. سواء تزوجتُ أو رفضتُ، يبدو أن الخيار الأفضل والأسلم للجميع هو انتحاري الآن، كي لا أورط أحداً معي في هذه المصيبة.
صرخت مها بقوة:
— لا تفعلي! لقد وجدتُ حلاً لهذه المعضلة أيضاً! سنخبر ذلك الرجل والجميع بأنكِ على علاقة برعد منذ فترة طويلة، وأنكما متزوجان سراً في ا لسر منذ مدة! وأنت معروف بقوتك وجبروتك وسطوتك يا رعد، والجميع يخشى اسمك.. حينها سيتراجع ذلك الرجل خوفاً من مواجهتك!
بدت الحيلة محكمة، وكاد رعد أن يلفظ كلمات الموافقة تحت وطأة هذا الضغط الدرامي والتهديد بالموت.. ولكن، في تلك اللحظة الحرجة بالذات، ومضت في عقله صورة غريبة..
ظهرت صورة ذلك الملاك الشرس الصامد.. صورة "ربى". تذكر عينيها المتحديتين، كبرياءها العالي الذي يرفض الانحناء، ووقوفها أمامه كصخرة لا تلين. فجأة، تحولت صورة ربى في عقله إلى حاجز فولاذي منيع يقف بينه وبين جميع نساء الأرض. شعر بغصّة في حلقه؛ كيف له أن يدخل امرأة أخرى إلى حياته وبيته وهو لم يستطع بعد ترويض تلك اللبوة الشرسة التي تملك عقله وتفكيره؟
تصلب جسد رعد، وضاعت علامات التردد من وجهه، ليعود إلى بروده الصلب وجبروته المعتاد، وهو يحدق بمارينا ومها بنظرة اخترقت "كاد رعد أن يكشف خيوط لعبتهما، لولا أن مارينا كانت أسرع من خطاه؛ تلافت الموقف بذكاءٍ حاد، وغلّفت صوتها بنبرة حزنٍ تفيض بالان**ار وهي تقرأ ملامحه: «يبدو أنك لا تؤيد مساعدتي يا رعد.. لكنني لا أملك سوى رجاءٍ أخير قبل رحيلي؛ أرجوك، قف إلى جانب أبي بعد موتي».
ولم تنتظر منه جواباً، بل تراجعت بخطواتٍ متسارعة نحو حافة الهاوية.
اخترق الفضاء صوت رعد المجلجل، مرعوباً وهادراً: «توقفي.. توقفي يا مارينا! أنا…....
...........
بماذا سينطق رعد؟ هل سيتراجع تحت الضغط ويقول "أنا موافق"، أم أن كبرياءه وصورة "ربى" ستجعله يصرخ "أنا كشفتُ لعبتكنّ"؟ ما هي كلمته الأخيرة برايكم؟
هل تعتقدون أن مارينا تمتلك الشجاعة فعلاً لترمِ نفسها إذا رفض رعد، أم أن رعبها سيكشف اللعبة في اللحظة الأخيرة؟
إذا وافق رعد على هذا الزواج الصوري، كيف ستكون ردة فعل "ربى" الشرسة عندما تعلم بالأمر؟ هل ستثور أم ستنسحب؟
******
أصدقائي المبدعين، خيوط الرواية بدأت تتعقد، ومصير رعد، مارينا، وربى بات بين أيد*كم! تفاعلكم، تعليقاتكم، ومشاركتكم (Share/Like) لهذا الجزء هي الوقود الذي يجعلني أكتب الفصل القادم بحماس أكبر وأحداث أكثر تشويقاً.
دعمكم لي بكلمة أو مشاركة يعني لي الكثير ويساعد هذه القصة لتصل إلى كل عشاق الدراما والغموض. أروني توقعاتكم في التعليقات!"