الفصل الأول: الهروب من الواقع المرير
بين الواقع والهروب منه، كانت "رُبى" تركض في جوف الشارع حافية القدمين، بينما الليل يبتلع أنفاسها المتسارعة.
عقارب الساعة كانت تلتهم الثانية الساعة العاشرة ليلاً، وهي تلتفت يمنة ويسرة كفريسة ذعرتها مخالب المطاردة؛ فسرى الرعب البارد في جسدها، مخترقاً إياها من أخمص قدميها حتى أطراف شعرها.
تذكرت تلك اللحظة القاسية التي اقتحم فيها والدها غرفتها كالسوط اللاهب، وانتشلها من بين إخوتها وهي غارقة في نومها، يهزها بعنف صارخاً:
— لقد زوجتكِ! قومي.. اذهبي مع زوجكِ، إنه ينتظركِ في السيارة!
ظنت رُبى في وهلتها الأولى أن أباها يمزح، لكن عندما اشتدت قبضته الغليظة وعلا صوته الهادر، أدركت أن المزاح قد مات في ذلك البيت. تمنت لو أنها هربت من هذه الجدران الخانقة سابقاً، لكن ليس بهذه الطريقة المهينة، وليس لرجل لم تختره هي.. لكن القدر شاء أن تُساق سوقاً إلى عرين أكبر زعيم مافيا.
تعالت الصرخات، واستيقظت "علا" و"سماء" والخوف ينبض في عروقهما؛ فما حدث مع رُبى سينال منهما عاجلاً أم آجلاً، لكن متى؟ لا تعلمانه.. حتى الصدمة لم تمنحهما رفاهية الاستيعاب.
بعد عراك مرير ونزاع مستميت بين الأب وابنته، انتزعت رُبى نفسها بصعوبة من بين قبضتيه الحديديتين، وفرت خارج المنزل تركض بهستيرية، والدموع تمزق ملامح وجهها الشاحب.
أما هو، فكان يقبع في سيارته الفارهة، والحراس يطوقون الممر بسياراتهم السوداء الداكنة. رآها تندفع خارجة من البيت، فلم يحتج لأكثر من إشارة خفيفة بيده.. انطلقت سياراته خلفها بهدوء مفترس، تاركاً لها بضع دقائق تلهث فيها خلف وهم النجاة، ثم بحركة مباغتة واحدة، سُحبت إلى داخل السيارة!
حاولت المقاومة والتمرد بكل ما أوتيت من قوة، وعلا صراخها الذي أيقظ النيام، وبث الرعب في أزقة الحي، لكن أحداً لم يتجرأ على التدخل.. فهي ابنة رجل لا يعرف قلبه الرحمة، حتى مع فلذات كبده، فكيف بعامة الناس؟ سيسحقهم جميعاً دون أدنى تردد.
كانت تتخبط بين يديه العريضتين وهو يمسكها ببرود مستفز وقاتل، ثم دنا من أذنها وهمس بكلمتين جعلتا الدماء تتجمد في عروقها فسكنت مكرهة.
رفع يده ببطء، وتأمل ملامحها بسخرية لاذعة، ثم نطق بصوته الأجش والثقيل:
— إما أن تسير الأمور كما اتفقنا.. وإما أن أنفذ ما حذرتكِ منه!
نظرت إليه رُبى، والشرر يتطاير من عينيها المتحديتين، وهمست بنبرة واثقة:
— أقسم بأني سأجعلك تندم على هذه الخطوة الجريئة!
خيّم الصمت على رداء السيارة عقب همساته الأخيرة.
كانت رُبى تلتصق بالنافذة، تختزل معالم الطريق بعينيها علّها ترسم خطة للفرار. لكن حين ابتلعهم طريقٌ يغصّ بالأشجار العملاقة والمنعطفات الملتوية، أدركت أن النجاة وهم. لم تدرِ... أتُقيم مأتمها من الآن، أم تظل تصارع حتى الرمق الأخير؟
توقفت السيارة، فارتجف صدى أنفاسها المذعورة حتى تناهى إلى مسامعه. ألقى أمره حازماً كحد السيف: "انزلي".
رمقته رُبى بنظرة تحدٍّ شاخصة: "لن أنزل، وأرني ما أنت صانع".
افترّ ثغره عن ابتسامة غامضة تشي بالخطر: "أتتحدينني؟"
ورغم أن قلبها كان هشّاً كالزجاج، خرج صوتها صلباً مجرداً من الخوف: "نعم، ولا تحسبنّ أن وعيدك أرعبني؛ بل كان هدنة منحتُها لنفسي لألتقط أنفاسي".
ترجّل من السيارة ودار حولها حتى بلغ بابها، ثم انتزعها بعنف، فتشبّثت بالمقعد بكل ما أوتيت من قوة. قاومت بضراوة، وجابهها بصلابة. وحين خذلتها عزيمتها، لم يجد بُدّاً من أن يهوي على يديها الناعمتين بضربة قاسية حتى ارتخت أصابعها، وتهاوت فوق الأسفلت.
لم يمهلها لحظة لتستردّ وعيها، بل جرّها من معصمها خلفه. كلما حاولت النهوض تعثرت، وكلما قاومت نزفت يداها وركبتاها بقسوة. اقتحم بها ردهات القصر، وصدى صراخها يرتدّ على الجدران، شاهداً على أن ثمة ضحية جديدة تُقبر هنا.
رمقها الخدم بنظرات استعطاف عاجزة، ثم ركل الباب ودفعها إلى الداخل فخرّت صريعة الأرض. شعرت وكأن أضلعها تصدّعت واحدة تلو الأخرى... لكن جذوة المقاومة لم تنطفئ فيها.
بحركة خاطفة، انتشلت المفتاح من يده، وأوصدت الباب في وجهه قبل أن يستفيق من صدمته. انهال على الباب بقبضته كجمل هائج: "أقسم إن لم تفتحي سأحطّمه فوق رأسك!".
لم تعره اهتماماً، بل شرعت تحطّم كل ما تقع عليه يداها بجنون. صرخ من خلف الباب مستشيطاً: "هناك مزهرية أثرية! أقسم لو أصابها خدش لن تري مني رحمة!".
التفتت رُبى، وعيناها تقدحان شرراً. أبصرت المزهرية... تحفة نادرة تُعرض في المزادات وتُثمن بثروة. صرخت بصوت يرتجف قهراً: "أهذه التي تخشى عليها من الخدش؟! وأنا؟! وأمثالي؟! أنا التي أُ**ر في كل يوم ولا يكترث لأمري أحد!".
رفعتها بكل ما تبقى في جسدها من رمق... وقذفت بها!
تحطمت المزهرية وتناثرت شظاياها كأحلامها على الأرض؛ تحفة كانت تختزل الجمال، استحالت في غضون لحظة ركاماً لا قيمة له.
هزّ زئيره أركان القصر: "والله لو كانت المزهرية رخيصة لما رأيتِ بعدها يوماً أبيض! هذا عهد عليّ!". وركل الباب بكل جوارحه: "افتحي قبل أن أهشم الباب وأهشمكِ معه!".
وقفت رُبى وسط الركام، والدم يقطر من كفّها، وهمست بتحدٍّ لا يلين: "حطّمه إن استطعت... وأقولها لك للمرة الأخيرة: أنا لا أهابك".
"سنرى مَن لا تهابه الآن!"
ركلتان منه كانتا كافيتين لخلع الباب، وتحطيم آخر خيوط الأمان في قلبها. تراجعت رُبى إلى الخلف بهدوءٍ مميت. أغلق الباب خلفه، وتقدم نحوها بخطواتٍ ثقيلة تقطر شراً وهو يطحن أسنانه، ثم تقدم خطوتين إلى أن التصقت بالجدار ونطق بكلمتين كالرصاص: "ستجعلينني أندم".
هوى بكفّه بكل قوته على وجنتها، فسقطت مطروحةً على الأرض. وبيديه القويتين سحب عقد الذهب الذي كان يزين عنقها وسحقه تحت قدميه إلى أن تهشم وأصبح ذرات صغيرة.
حاولت المقاومة بضراوة؛ إذ اشتعل الصراع بينهما: هو يريد التملّك، وهي تأبى الان**ار. سقطت يدها المجروحة على شظية زجاج، ودون تردد أو لحظة ضعف، غرستها بكل ما تبقى لها من روح في ص*ره العريض.
"آه..." خرجت منه أنّة ألم مباغتة وتراجع إلى الوراْء. نهضت بسرعة، التقطت رداءً ولفت جسدها به، وبصوتٍ أنهكته المقاومة همست: "أتظن أنك ستملكني بالقوة؟ لا... ولو على جثتي، أو جثتك أنت!"
ببرودٍ شيطاني، انتزع الشظية من ص*ره كأنه ينزع شوكة صغيرة، ثم ابتسم لها ابتسامةً مرعبة: "تعرفين؟ تعجبني مقاومتك هذه، فهي تمنحني إثارةً أكبر، وتجعل للنصر نكهةً أشهى. وبخصوص الامتلاك... لستُ مستعجلاً".
نظر حوله، وكانت الدماء تلوّن الأرضية كلوحة جريمة، فاتسعت ابتسامته: "إذا كان هذا حالكِ كل يوم، فستُنهكين نفسكِ بنفسكِ... وحينها سيكون امتلاككِ أسهل مما تظنين".
خرج من الغرفة، فسقطت هي على الأرض تبكي بحرقة، وتدعو على أبيها بالموت.
دخلت فتاة في العشرينات من عمرها تحمل صندوق إسعافات أولية، جلست بجانبها بصمت، ثم فتحت الصندوق وأخرجت المطهرات والضمادات. صاحت رُبى: "ابتعدي! لا أريد أحداً أن يعالجني... ما ان**ر لن يعود كما كان".
سحبت مها يدها برفق وقالت: "لا تقاومي، يكفيكِ ما حدث الليلة".
رمقتها رُبى بسخريةٍ دامية: "هل تقصدين أنني سأستسلم لأنكِ أرعبتِني بكلماتكِ؟ لا، سأقاوم حتى آخر قطرة من دمي".
نظرت مها إليها بشفقة: "لو استجبتِ لرعد لما حدث لكِ كل هذا... منزل أخي مملكةٌ لمن تنفذ أوامره فحسب".
في داخلها، حدّثت رُبى نفسها: "رعد... هو رعدٌ قاصفٌ فعلاً"، ثم رفعت عينيها وقالت بقوة: "هذا المكان سجن أخيكِ وليس منزلاً. وأنا بشرٌ خلقني الله حرة، ولستُ عبدةً لأنفذ أوامر أحد".
ابتسمت مها ببرود: "إذاً، ما حدث اليوم ليس إلا البداية".
استشاطت رُبى غضباً، وانتزعت الصندوق من يدها ورمته أرضاً، فتناثرت الأدوات والضمادات في أرجاء الغرفة، ثم مزّقت ضمادة يدها وهي تصرخ: "إذا كانت هذه هي البداية، فلا حاجة لي بضماداتكِ ولا بأدويتكِ! خذيها لأخيكِ... هو أحوج إليها مني الآن".
وقفت مها بهدوء وخرجت. توقفت أمام باب غرفة أخيها، وطرقت طرقتين خفيفتين. جاءها صوته من الداخل: "ادخلي يا مها".
دخلت وابتسمت: "كيف عرفت أنني أنا؟"
وضع رعد يده على جرح ص*ره، ونهض ليحتضنها قائلاً: "طرقاتكِ لا تدق الباب... بل تدق قلبي".
ابتسمت مها: "أحبك يا أخي... لكن ما فعلته بتلك الفتاة لم يعجبني أبداً. لماذا يا رعد؟ أنت لست هكذا".
تن*د بعمق: "لا أدري... أفعالها تستفزّ الوحش القابع في داخلي".
"إذاً اتركها".
"لا أستطيع... والدي يريدها".
"استبدلها بأخرى إذاً".
شخص ببصره نحو السماء عبر النافذة وقال: "سنرى... هل عالجتِ جروحها؟"
"لا، لم تتقبل ذلك. أرى في عينيها وحشاً يربض بالداخل، ليست كالسابقات... ستتعبك كثيراً يا رعد".
ابتسم رعد ابتسامةً جامحة: "وهذا تماماً ما أريد! لقد مللت من النساء المطيعات. اتركيها تقاوم... أنا أعشق ذلك. يبدو أنها ستنجب لي ابناً شرساً يشبهها ويشبهني، ليحمي هذه المملكة من بعدي".
وقفت مها بجانبه وهمست: "لا يا أخي... أظنها ستغير هذا المكان، وستغيرك أنت أيضاً؛ من رجل مافيا إلى رجل أعمال عادي".
التفت إليها بنظرةٍ حادة كحد السيف: "من يجرؤ على تغييري، أو تغيير مملكة أبي... لا مكان له في هذه الدنيا".
ابتسمت مها بهدوء وهي تغادر الغرفة: "سنرى...".