الفصل التاسع عشر
كبرياء وأسرار خلف الجدران الفارهة
في صالة القصر الفسيحة، حيث تنطق الزوايا بالثراء الفاحش والتحف الأثرية الثمينة، كانت "مها" ترتشف قهوتها الصباحية بانتشاء. كانت ملامحها تشع بالرضا والترقب، متحمسة للحظة هبوط "رعد" وعروسه "مارينا" من جناحهما. وضعت فنجانها الفخم جانباً، وسندت ظهرها إلى الأريكة البيضاء الوثيرة، واضعة قدماً فوق الأخرى بكبرياء.
في تلك اللحظة، أطلت "مارينا" وهي تهبط الدرج بكبرياء زائف. كانت ترتدي ثياباً بالغة الفخامة، ومسرفة في زينتها وتسريحة شعرها، وكأنها تحاول إثبات نصر لم يكتمل بعد.
ابتسمت مها وقالت بنبرة حانية ومستدرجة:
— تعالي أيتها العروس الجميلة.. تعالي بجانبي وأخبريني، كيف كانت ليلتكما الأولى؟
تهدجت ملامح مارينا بابتسامة مايعة متكلفة، وقالت وهي تخفي خيبتها خلف قناع من الخجل المصطنع:
— ماذا تريدين أن تعرفي؟ لا أستطيع إخبارك بكل شيء.. فأنا أستحي. ولكن، سأخبركِ بأن الليلة لم تكتمل للأسف! لقد ورد لـ "رعد" اتصال مفاجئ، انقلبت ملامحه فوراً إلى غضب عارم، وخرج مسرعاً وتركني في منتصف الليلة.
انتفضت مها واقفة، وارتسم الذعر على وجهها كقناع شاحب:
— اتصال؟! هل يعقل أنه علم بهروب تلك الماكرة الصغيرة؟!
عقدت مارينا حاجبيها بتوجس:
— هل تقصدين ربى؟
صاحت مها بغيظ:
— نعم، ربى! لقد هربت ليلاً مستغلة الشاحنة التي تجلب الفواكه والخضار إلى القصر!
اشتعلت ملامح مارينا بالحنق والغل، وقالت وعيناها تتطاير منهما الشرر:
— أيتها اللعينة! لم تجد سوى هذه الليلة لتهرب فيها؟! لقد أفسدت ليلتي! أقسم أنني لن أغفر لها.. لقد تركني لأجلها، تركني في أكثر لحظات ضعفه أمامي.. تركني ومضى!
حاولت مها تهدئتها قائلة بخبث:
— ليس مهماً أنه ترككِ الآن، المهم أنه ضعف أمام أنوثتكِ، برغم أنه كان يرفض دخول الغرفة منذ البداية بحجة أن زواجكما ليس حقيقياً.
ردت مارينا بحدة وكبرياء جريح:
— ومن قال إنه ليس حقيقياً؟ بل هو حقيقي تماماً، ولا يوجد به ما يشوبه، أنا زوجته شرعاً!
ربتت مها على كتفها قائلة بمكر:
— أعلم يا عزيزتي، لا تأخذي على خاطركِ. سيعود الليلة وتكملين ما بدأتِ به.. أنا أريد طفلاً عما قريب، طفلاً يجمع صديقتي المقربة بأخي العزيز.
انفجرت مارينا بضحكة خليعة متعالية:
— سترين.. سأنجب نسخة "رعد" القوية، سترين ذلك بنفسكِ.
على الجانب الآخر من المدينة، وفي المنزل البائس الذي يفوح منه الفقر والندوب.. عاد الأب كعادته مع هبوط المساء. كان يحمل في يده كيساً ممتلئاً بالمأكولات الشهية والمشروبات الفاخرة التي لا يراها أهل البيت إلا في الأحلام. وضع الكيس على الطاولة بجفاء، وبدأ يرتب السفرة لنفسه فقط، ثم نادى على "سماء" و**"عُلا"** بصوت جهوري.
وكالعادة، انهمر عليهما بوابل من الأسئلة القاسية والتحقيقات المهينة التي باتتا تكرهان سماعها، حتى انتهى وأشار إليهما بيده بقلة احترام آمراً إياهما بالانصراف إلى غرفتهما.
في الغرفة المظلمة، كانت "عُلا" ذات الاثني عشر عاماً تستمع إلى صوت مضغه للطعام. همست لأختها بنبرة مخنوقة بالدموع:
— لماذا لا يدعنا نأكل معه ولو لمرة واحدة؟ أصبحت معدتي تتلوى وتتعفن من أكل البطاطس والأرز البائت كل يوم.. أتمنى، أتمنى ولو لمرة واحدة في حياتي أن آكل من هذه الأكلات الشهية.
قاطعتها "سماء" بنبرة مرعوبة محذرة:
— أرجوكِ اسكني! دعي هذه الليلة تمر بسلام، لا نريد مشاكل.
ردت عُلا باحتجاج طفولي متمرد:
— أنا لم أقل شيئاً مسموعاً، حتى إنه لم يسمعني! إلى متى هذا السكوت؟ يجب أن نقف في وجهه، في وجه هذه الإساءة والظلم!
جذبتها سماء من يدها بقوة وهمست بذعر:
— قلت لكِ اسكتي! هل نسيتِ ما حدث ليلة البارحة لأختكِ "ربى"؟ هل تريدين تهييج البركان الثائر المحبوس في داخله؟
ردت عُلا بعينين تلمعان بنقمة غريبة:
— نعم! وبصراحة وبشدة أريد أن أرى ثورته.. لأني أريد أن أجهز عليه ونخلص منه إلى الأبد!
تراجعت سماء للوراء، الصدمة تشل أطرافها. نظرت إلى أختها الصغيرة.. ابنة الثانية عشرة! هل تحولت حقاً إلى متعطشة للدماء؟ هل نجحت قسوة هذا الأب في خلق وحش خفي داخل هذا الجسد النحيل؟
صاحت بها بهمس مفزوع:
— هل جننتِ أيتها اللعينة؟! نسيتِ من يكون؟ إنه والدكِ قبل كل شيء!
ارتبكت عُلا وتراجعت قائلة بتلعثم:
— ماذا حدث لكِ؟ كنت أمزح فقط.. هيا لننم، لقد تعبت.
ردت سماء بنبرة حازمة وقاطعة:
— لا أريد سماع مثل هذا المزاح المقيت على شفتيكِ مرة أخرى، فهمتِ؟
— فهمت.. هيا اخلدي للنوم.
مرت دقائق معدودة، وغطت سماء في نوم عميق أملته عليها همومها الثقيلة. أما عُلا، فكان النوم أبعد ما يكون عنها؛ إذ كانت عصافير معدتها تقرع طبول الجوع، ورائحة الطعام الشهي التي تملأ الأجواء تسحق مقاومتها.
تسللت من فراشها على الأرض، ومشت على أطراف أصابعها بخفة الأشباح. وصلت إلى الطاولة.. كانت مليئة ببقايا اللحوم والمقبلات. بدأت تأكل بشراهة مفرطة، تختلط بدموع الخوف. كان العرق يتصبب من جسدها الصغير كالمطر؛ فلو استيقظ والدها في هذه اللحظة، سينهي أمرها حتماً.
لكن الطفلة لم تكن تعلم أن هناك عينين كعيني الفهد كانت ترقبها من عتمة الممر، تنتظر اللحظة الحاسمة للانقاض.
أحست عُلا بالشبع لأول مرة منذ دهر. تنفست الصعداء، ووضعت يدها الصغيرة على بطنها تحركها بشكل دائري وهي تهمس: "آه.. كم كان لذيذاً! الحمد لله الذي أطعمني..".
— "هل شبعتِ يا عزيزتي عُلا؟"
خرج الصوت من خلفها كالرعد، ممزوجاً بمكر مرعب.
تيبست أطراف الطفلة تماماً. جف حلقها، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تشعر ببرودة الموت تقترب. التفتت ببطء، بوجهها الطفولي البريء المستعطف، وقالت بنبرة باكية يملؤها الرجاء:
— أقسم يا أبي.. أقسم أنني لن أعيدها! هذه ستكون المرة الأخيرة.. أنا كنت جائعة جداً ولم يتبقَّ لنا أرز أو بطاطس، فقلت في نفسي سآكل مما تبقى وأنت لن تمانع..
تقدم الأب "علي" بخطوات وئيدة، وعيناه تلمعان بشر مطلق:
— أنا أعلم يا عزيزتي عُلا.. أعلم يقيناً أنها ستكون المرة الأخيرة التي تقدمين فيها على هذا الفعل.. هل تعلمين لماذا؟
حركت عُلا رأسها يميناً وشمالاً برعب، والدموع تجمدت في عينيها: "لا.. لا أعلم..".
— "الآن ستعلمين!"
وفي لمحة بصر، انقض عليها كما ينقض الوحش الكاسر على فريسته. أحاط رقبتها الصغيرة بكلتا يديه الضخمتين، وضغط بكل قوته خانقاً أنفاسها. بدأت الطفلة تقاوم بكل ما أوتيت من رمق، كانت يداها الصغيرتان تتخبطان يمنة ويسرة، تحاولان فك القبضة الحديدية المحكمة حول عنقها دون جدوى.
بدأ السواد يهاجم عينيها، وأنفاسها الأخيرة تكاد تخرج، وفي غمرة تخبطها العشوائي، ارتطمت يدها بسكين الفاكهة الصغير المتروك على الطاولة. دون تفكير، أمسكت به بكل قوتها وغرزته في يده الممسكة بعنقها!
صرخ الأب من الألم وتراخت قبضته قليلاً، فاستغلت عُلا الفرصة، وسحبت نفساً حارقاً، وصرخت بأعلى صوتها مستغيثة:
— سماء!!! أنقذيني!! أبي يريد قتلي!!
فزعت سماء من نومها على أثر الصرخة المدوية. ركضت مسرعة إلى الصالون وهي لا تكاد تبصر طريقها، لتصعق بالمشهد: والدها جاثم فوق جسد عُلا الصغيرة، يعتصر عنقها مجدداً بنوبة غضب جنونية.
ركضت سماء وحاولت جره وإبعاده بكامل قوتها، لكن بلا فائدة، فقد تضاعف هاجس القتل لديه بعد أن جُرحت يده. لم تجد سماء أمامها سوى زجاجة عصير زجاجية ثقيلة موضوعة على الأرض؛ رفعتها بكلتا يديها، وضربت بها مؤخرة رأس والدها بكل ما تملك من قوة!
تفتت الزجاج، وهنا.. تحول مجرى الكابوس.
ترك الأب عُلا التي بدأ جسدها يرتخي ولونها يميل إلى الزرقة، واستدار ببطء نحو سماء، وعيناه ممتلئتان بنظرة ذبح حقيقية. زأر بصوت هز أركان المنزل:
— إذاً.. أنتِ من ستموتين أولاً! تريدان قتلي؟ انتظرا.. أنا من سيقتلكما معاً!
بدأت سماء تتراجع للوراء ببطء ورعب شديد، وجسدها ينتفض كالسعفة، وقالت بكلمات متقطعة ومستعطفة:
— لا يا أبي.. أرجوك لا تفعل! أنا.. أنا فقط خفت أن تقتلها بين يد*ك دون أن تشعر.. وتصبح سجيناً لندمك!
بصق الأب الدم من فمه وقال بوحشية:
— سأقتلكما معاً ولا يهمني ما سأصبح عليه! لأنني سجين الندم منذ زمن بعيد.. لن يضرني ندم قتلكما، سأقهر هذا الندم كما قهرت ندم الماضي!
ارتطم ظهر سماء المرتجف بالحائط البارد؛ انقطعت سبل النجاة. حاصرها جسده الضخم، وامتدت يده الغليظة لتقبض على رقبتها، ثم رفعها بالكامل عن الأرض. لم تحاول سماء الدفاع عن نفسها، فهي أضعف أخواتها وأكثرهن استسلاماً.. استسلامت لمصيرها الأ**د، وبدأ جسدها يتأرجح ببطء في الهواء مستعداً للموت.
فجأة.. أفلتها الأب!
سقطت سماء أرضاً وهي تسعل وتلهث. استدار الأب ببطء شديد، ووجهه ينعقد بملامح ألم غير بشري. كانت ملامحه مشلولة بالذهول وهو يضع يده على خاصرته، حيث بدأت الدماء الدافئة تسيل بغزارة من بين أصابعه.
خلفه مباشرة.. كانت تقف عُلا!
كانت الطفلة تنتفض بقوة كالممسوسة، وتمسك بكلتا يديها المرتجفتين سكيناً كبيراً أحضرته من المطبخ. لم تمنحه فرصة للكلام، ولم تتركه يحاول الانقضاض عليها مجدداً.. وبغريزة حيوانية للدفاع عن حياتها، تقدمت خطوة وغرزت السكين بكل قوتها مرة أخرى في أحشائه!
تأوه الأب تأوهاً مكتوماً، وسقط على الأرض جثة هامدة وسط بركة من الدماء التي بدأت تتسع وتغطي السجاد وثيابه.
كانت سماء تسعل بعنف، تحاول استجماع أنفاسها المتقطعة، وعندما انقشع الضباب عن عينيها، رأت والدها مستلقياً بلا حراك.. والدماء تحيط به من كل جانب.
صاحت سماء برعب وذهول:
— ماذا فعلتِ يا عُلا؟! هل.. هل قتلتِه؟!
كانت عُلا تنفض السكين من يدها، وتتراجع وجسدها ينتفض برعدة هستيرية:
— كان.. كان سيقتلكِ! كان سيقتلنا معاً! أقسم لكِ لم أكن أريد ذلك.. هو من أراد قتلي فقط لأنني أكلت من الطعام الذي أحضره!
صرخت سماء وهي تحاول النهوض بركبتين مرتعشتين:
— يجب أن نتصل بالإسعاف فوراً!
صاحت عُلا بهلع، والدموع تعمي عينيها:
— لا! ستأتي الشرطة وتأخذني إلى السجن! أليس كذلك؟! سيسجنونني! يجب أن أهرب.. يجب أن أهرب الآن!
ركضت عُلا مسرعة نحو الباب الخارجي فتحته وانطلقت في عتمة الليل، بينما كانت صرخات سماء المبحوحة تلاحقها:
— انتظري يا عُلا! لا تخافي لن يحدث شيء! سنخبرهم بالحقيقة.. سأقول لهم إنني أنا من فعلت ذلك دفاعاً عن النفس! عُلا.. عُلا لا تهربي! الخارج أكثر خطورة من الشرطة! عُلاااا!
لكن.. لا مجيب، ابتلعها الظلام.
عادت سماء إلى الداخل والدموع تحرق وجهها. بيد مرتجفة اتصلت بالشرطة والإسعاف وأبلغت عن الحادثة. ثم ركضت نحو هاتف والدها الملقى على الأرض، وبدأت تبحث بهستيرية عن اسم "رعد" ورقم هاتفه وعنوان قصره.. نقلت البيانات بسرعة، ثم خرجت تركض في الشوارع المظلمة خلف أختها الهاربة، تاركة خلفها بيتاً غارقاً في الدم والندم.
هل ستنجح "سماء" في العثور على الطفلة "عُلا" في شوارع المدينة المظلمة والمخيفة، أم أن هناك خطراً أكبر ينتظر الطفلة في الخارج؟