الفصل الخامس :
كانت "ربى" تخطو خطواتها بوجلٍ شديد، بينما كان صمت الليل الحالك ينسج ترانيم الخوف في أعماق قلبها المضطرب. كانت عتمة المكان غاشية إلى حدٍّ حجب عنها رؤية كفيها، مما جعلها تحسب بدقة حساب كل خطوة تخطوها، وعيناها تترقبان المدى بوجل، ترصدان تفاصيل المكان الشاخص من حولها. جفّ ل**بها في حلقها، وتجمدت الدماء في عروقها ذعراً، وشعرت وكأن هذا الليل الطويل قد أبى أن ينجلي أو يطوي أستاره؛ فقد كان الظلام عدوها الأكبر، ومص*ر رعبها الأزلي، لدرجة أنها لم تكن تجرؤ على النوم يوماً إلا في رحاب غرفة مضاءة.
وأخيرًا، أعلن الليل عن نهايته مفسحاً المجال لخيوط الفجر الأولى كي تبزغ في الأفق. تنفست "ربى" الصعداء، وتسربت الطمأنينة إلى جوارحها شيئاً فشيئاً بعدما بدأت أشباح الأشجار تتضح أمامها بهيئتها الحقيقية، إذ كانت مخيلتها الليلية ترسم لها من تلك الجذوع والأغصان أشكالاً مرعبة وكوابيس مجسدة.
بينما كانت منغمسة في لجّة أفكارها وتأملاتها، شاخصت أمامها فجأة هيئة إنسان لم تتعرف على هويته في بادئ الأمر. كان يبدو مثخناً بالجراح، والدماء القانية تغطي معالم وجهه الشاحب ويده المرتجفة. ابتلعت ريقها بصعوبة، وتضاعفت دقات قلبها ذعراً، لكنها أدركت أنه لا مجال للتراجع الآن، بل وجب عليها التقدم. كانت تنظر إليه وساقاها تخونانها خذلاناً وتكادان عاجزتين عن حملها، حتى توقفت أمامه تماماً. رفعت عينيها تلتقي بعينيه، فإذا به يمد يده نحوها واهناً، مستجدياً منها طوق نجاة.
وعندما أمعنت النظر في تفاصيل وجهه المشوه بالدماء، وانقشعت ضبابية الملامح، صُعقت بمفاجأة لجمت لسانها، وهتفت بنبرة يملؤها الرعب والذهول:
— "أنت..؟! رعد؟!"
همس بصوت متهدج متقطع يخرج بصعوبة من بين شفتيه:
— "سا.. ساعديني، أرجوكِ.. أنا أموت."
نظرت إليه "ربى" بنظرة تقطر سخرية وازدراء، وقالت بنبرة حادة:
— "وهذا تماماً ما أرجوه وأتمناه.. أن تلفظ أنفاسك! لكن الله أبى إلا أن تموت ميتة مهانة، منبوذاً، ووحيداً بلا أنيس."
ارتسمت على شفتي "رعد" ابتسامة باهتة وذابلة، وأردف قائلاً بنبرة تحدٍّ واهنة:
— "ومن قال إنني وحيد؟ بل إن القدر أراد لي أن أموت بجانب زوجتي."
كانت كلماته تلك بمثابة جرعة سمّ زعاف حُقنت في وريد "ربى"، وكأنها استحضرت بتلك الكلمات الشيطان القابع في دهاليز نفسها. ودون تردد، اندفعت نحوه بجنون عارم صائحة:
— "سأقتلك بيدي هاتين! لن أسمح لك بأن تلفظ كلمة واحدة بعد الآن.. لقد حُرم عليك الهواء، وسيكون التراب مثواك الأخير أيها اللعين!"
انقضت عليه بيدين صغرتين تحاول خنقه، وبتر تيار الهواء في ص*ره، بينما هو مستسلم تماماً لم يبدِ أي مقاومة لضعفه. وإذ أحست بأن روحه تشارف على مفارقته وأنها ستقتله حقاً، تملكتها صحوة مفاجئة؛ فسحبت يديها بسرعة، وبصقت في وجهه باحتقار قائلة:
— "أنت لا تستحق حتى أن أ**ب فيك إثماً، أنا أرفع من أن ألوّث يدي بدمائك القذرة. سأتركك هنا لترحل، فمصيرك محتوم، ولا مجال لنجاتك.. ستموت صريعاً وحيداً."
استدارت وعزمت على الرحيل، فقطعت مسافة ليست بالقصيرة، لكن وعكة الضمير تملكتها ولم تتركها وشأنها. وقفت لبرهة تتنازعها الأفكار، ثم التفتت وعادت إليه مسرعة وهي تمتم بشتائم صامتة تلعن بها الظروف.
بدأت تبحث بلهفة في جيوبه عن هاتفه المحمول، وعندما وجدته، فكت قفل الشاشة مستعينة ببصمة إصبعه الواهن. تصفحت قائمة الأسماء باحثة عن اسم "مها"، فلم تجد له أثراً، بيد أن حدسها قادها إلى اسم مكتوب بـ (دقات قلبي)، فأيقنت فوراً أنه يعود لـ "مها".
صاغت رسالة نصية سريعة وبعثتها: (أنا جريح لا أقوى على الحراك، أنا في الجانب الأيسر من الغابة، تعالي لإنقاذي).
همّت "ربى" بالمغادرة والفرار مرة أخرى، إلا أنها توقفت فجأة عندما شعرت بيده تقبض على معصمها. لم تكن تلك القبضة القوية التي عهدتها فيه، بل كانت لمسة واهنة مرتعشة. قال لها برجاء وان**ار:
— "لا تتركيني.. ساعديني بالضغط على الجرح، أرجوكِ.. فالنزيف منهار، وإن لم تصل إليّ المساعدة عاجلاً سأكون قد انتهيت."
نفضت "ربى" يدها من قبضته بقوة وعنف، وقالت بنبرة جافة لا مبالية:
— "ليس شأني! لقد طاوعت ضميري حتى هذه الحدود وكفى!"
ثم ولّت مدبرة تهرول بكل ما أوتيت من قوة، لكن بخطوات عرجاء متعثرة؛ فقد أدركت بجسدها المنهك أنها لو مكثت لبضع دقائق أخرى، فلن تسعفها قواها على الفرار والنجاة بنفسها.
بعد دقائق معدودة، وصلت "مها" إلى المكان تقتفي أثر الرسالة، يصحبها حشد من الرجال الشداد. هرعوا لانتشاله من الأرض، لكنه رفض بغضب مشوب بالضعف قائلاً:
— "لقد هربت.. ابحثوا عنها! واعلموا، إن لم تحضروها لي الليلة.. فسأنهي أمركم جميعاً!"
هتفت "مها" بذهول وتعجب مستنكرة:
— "من هذه التي هربت؟! وهل أمرها الآن أهم من حياتك ونزيفك؟!"
قال بصوت خافت أوشك على الخفوت تماماً:
— "ربى..."
وما إن نطق باسمها حتى أغلقت عيناه مغمى عليه. تملكت "مها" صدمة عاتية؛ كيف حدث هذا والقصر كان مدججاً بالحراس؟ إن أمر هذه الفتاة بات يثير الريبة والفضول حقاً. وبحزم وصرامة، أمرت الحراس بحمله ووضعه في السيارة، ثم تولت القيادة بنفسها بسرعة جنونية، بينما تفرق الحراس في أرجاء الغابة يقتفون أثر "ربى".
في هذه الأثناء، كانت "ربى" قد ابتعدت، وشعرت بقرصات الجوع تمزق أمعاءها الخاوية، فقررت الجلوس تحت ركام شجرة لترتاح قليلاً وتستجمع قواها لرحلة المقاومة القادمة. نظرت حولها متأملة كثافة الأشجار وامتداد الغابة اللامتناهي، وقالت في علياء نفسها بحزن: (متى سينتهي هذا المسير الشاق لأرى النور مجدداً؟)
رفعت كفيها الملطختين بدمائه، ومسحتهما بالتراب لتطهر نفسها من دنسه، ثم غرفت حفنة من ذلك التراب ونثرتها في الفضاء، فطار الرذاذ مع هبوب الرياح العاتية. هنا، لم تتمالك نفسها، فصرخت بصوت يمزقه القهر والألم، ليدوي صداه في أرجاء الغابة:
— "يا رعد! اعلم أنني لست كذرات هذا التراب تعصف بي الرياح كيفما تشاء.. بل أنا كالجبال الراسية، لا تهزني العواصف مهما بلغت عتوها!"
ارتد صدى صرختها الأخيرة في أرجاء الغابة، وكأن الأشجار الشاهقة ترد عليها التحية وتعلن ولاءها لصلابتها المكتشفة حديثاً. تنفست صعداء ملوثة برائحة الطين والدم، وشعرت لأول مرة منذ ليالٍ طويلة بأن القيد المحكم حول عنقها قد بدأ يتراخى، ليس لأنها نجت، بل لأنها استعادت روحها المحاربة.
لكن الغابة، التي شهدت ان**ارها وولادتها الجديدة، لم تكن لتهبها الأمان بهذه السهولة.
أصوات في العتمة المتلاشية
لم تكد نبرة التحدي تخبو في فضاء الغابة، حتى التقطت مسامعها الحادة أصواتاً غريبة مزقت سكون المكان. لم يكن حفيف الرياح، بل كان صوت تهشم غصون جافة على بعد مسافة ليست بالبعيدة، تلاها صياح مكتوم وتوجيهات صارمة يتداولها رجال بمناطق قريبة:
— "لقد تفرقت آثار أقدامها هنا... ابحثوا في الجانب الأيسر، لا يمكن لامرأة منهكة أن تذهب بعيداً!"
توقفت دقات قلب "ربى" لثانية واحدة، ثم تدفقت الدماء في عروقها بحرارة جديدة. لم يعد الخوف هو المحرك، بل غريزة الهروب والنجاة من ذلك العالم المظلم. لقد أرسل "رعد" كلابه خلفها حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو لن يرحمها إن وقعت بين يديه مجدداً ولن يغفر لهروبها.
وقفت بسرعة، متجاهلة آلام جسدها المنهك وقرصات الجوع التي تنهش أحشاءها. نظرت إلى كفيها اللتين طهرتهما بالتراب قبل قليل؛ لقد أقسمت أنها جبل، والجبال لا تسقط لمجرد أن الريح عاتية.