الفصل السادس:
رحلة الفرار والأمل المنشود
كانت الرياح تعصف بعنف، تصفر بين جذوع الأشجار كأنها صرخات تحذير قادمة من المجهول. وسط هذا الصخب الإلهي، بدأت "ربى" تتحرك بخطوات مدروسة، حذرة كأنها تسير على حقل من الألغام. كانت تتجنب الممرات المفتوحة التي قد تكشفها لعيون القناصة، لائمةً بعتمة الأشجار الكثيفة والمنحدرات الصخرية الوعرة. كل خطوة كانت بمثابة معركة قائمة بذاتها؛ فقد كانت تتحامل بكل ما أوتيت من قوة على ساقها العرجاء، وكل وخزة ألم حادة تخترق جسدها كانت تذكرها بظلم "رعد" وقسوته، لتتحول تلك الأوجاع إلى وقود يغذي إصرارها على المضي قدماً، رافضةً الان**ار.
ومع مرور الوقت، بدأت خيوط الشمس الأولى ترتفع في كبد السماء، لتمزق خيوط الضباب الخفيف وتكشف لها عن تضاريس المكان بشكل أوضح. فجأة، ومن بين ثنايا الأغصان المتشابكة، لمح قلبها قبل عينها بريقاً خافتاً يع** ضوء الشمس. خطت نحو مص*ر الضوء بوجل، والنبضات تطرق ص*رها بعنف، لتجد نفسها تطل أخيراً على حافة الغابة؛ حيث يمتد في الأسفل خط إسفلتي رفيع لشارع رئيسي مهجور، وخلفه، بعيداً في الأفق، تلوح أضواء بلدة صغيرة أو قرية ريفية دافئة.
كان النور والنجاة على بعد خطوات معدودة، لكن المسافة الفاصلة بينها وبين ذلك الطريق كانت عبارة عن منحدر ترابي حاد، مكشوف تماماً ولا يوفر أي غطاء للاختباء.
المواجهة على حافة النجاة
قبل أن تطأ قدمها أول متر في ذلك المنحدر المكشوف، جمد الدماء في عروقها صوت خلفي مألوف جداً.. صوت يحمل نبرة حقد دفين وصدمة لم تنتهِ بعد، مزق سكون المكان:
— "ربى؟!"
التفتت "ربى" ببطء شديد، وجسدها يرتجف إعياءً، لتجد "مها" تقف على بعد أمتار قليلة، وعيناها تتطاير منهما شرر الغيرة والانتقام الكفيل بإحراق الغابة بأكملها. وبجانبها، كان يقف اثنان من الحراس الأشداء، ملامحهم خالية من الرحمة، وقد أشهروا أسلحتهم الأوتوماتيكية فوراً نحو ص*رها. كانت ملابس "مها" الفاخرة ملطخة ببعض دماء "رعد" الجافة، مما أضفى على مظهرها وحشية مرعبة.
نظرت "مها" إلى "ربى" من أعلى لأسفل بازدراء وسخرية، وقالت بنبرة متهكمة ممزوجة بالغل:
— "لقد قلبتِ القصر رأساً على عقب.. جعلتِ رعد يستميت لخسارتكِ، ويذكر اسمكِ حتى وهو يصارع بين الحياة والموت! من أنتِ لتفعلي كل هذا؟ ومن تظنين نفسكِ؟ وما الذي تنوين فعله الآن؟ الطريق مغلق تماماً يا أميرتي.. واللعبة انتهت."
لم تتراجع "ربى" خطوة واحدة إلى الوراء، بل انتصبت قامتها رغم الألم. ثبتت نظراتها الحادة كالشفرة في عيني "مها"، وارتسمت على شفتيها المتعبتين ابتسامة هادئة.. ابتسامة امرأة حرة تحررت من الخوف ولم يعد لديها ما تخسره. قالت بصوت رخيم، ثابت، زلزل ثقة الواقفين أمامها:
— "أنا لست أميرة أحد.. أنا 'ربى' التي ظن شقيقكِ الواهم أنه **رها وأذلها. وإن كان هو من يشرف على الموت الآن، فاعلمي أنني لم أرحل بسلام؛ لقد تركت بجانبه هاتفاً أرسلتُ منه موقعه بدقة إلى أعدائه.. وقريباً جداً، لن أكون أنا الوحيدة التي تلاحقها الكلاب في هذه الغابة. القصر الذي تتباهين به سيصبح رماداً!"
ارتجفت شفة "مها" من شدة الغضب المتطاير، وتملّكها الرعب من فكرة خسارة شقيقها ونفوذهم. تراجعت خطوة للخلف وأشارت للحراس بحدة وهي تصرخ باهتياج:
— "أمسكوا بها! أريدها حية.. أريدها أن تعود لتعرف أن من دخلت ذلك القصر، لا تخرج منه إلا إلى قبرها!"
صراع الأنفاس الأخيرة
في تلك الأجزاء من الثانية، عندما اندفع الحراس نحوها كوحوش كاسرة، لم تفكر "ربى" مرتين. وثقت بالجبل الصامد الذي يسكن أعماقها، وألقت بجسدها المنهك إلى الخلف دون تردد، متدحرجة على المنحدر الترابي الوعر والحجارة القاسية تقطع جسدها، تاركة خلفها صراخ "مها" الجنوني وصوت طلقات نارية غادرة طاشت في الهواء لتصيب جذوع الأشجار.
لكن تلك القفزة الانتحارية لم تكن كافية لإنقاذها؛ فجسدها كان مستهلكاً تماماً. إذ لم تكد تصل إلى بداية الإسفلت وتتنفس ريح الحرية، حتى انقضّ عليها أحد الحراس بسرعة رهيبة، ممسكاً بكتفيها بقوة غاشمة ليثبتها أرضاً.
صرخت "ربى" صرخة هزت أرجاء المكان، وضخت كل ما تبقى في عروقها من طاقة ومقاومة. بدأت تقاوم بشراسة ضارية، تضرب برأسها، وتخربش بأظافرها وجه الحارس، وترفس برجلها السليمة محاولةً الفكاك. وفي ثوانٍ معدودة، التف حولها بقية الحراس ليقيدوا حركتها تماماً، بينما كانت هي تتلوى تحت أيديهم كالعروس الأسيرة.
خطت "مها" نحوها بخطوات بطيئة، وكعب حذائها يطرق الإسفلت بنغمة مستفزة، ثم انحنت فوقها وقبضت على فكها بقوة، قائلة بشماتة وتقطر سُماً:
— "لا فائدة يا ربى.. لقد قلت لكِ من قبل، المقاومة معنا مجرد انتحار بطيء! استسلمي لقدركِ المحتوم.. أنجبي طفل أخي، وكوني مطيعة، وسندعكِ ترحلين دون أن تؤذي نفسكِ أكثر.. انظري إلى جسدكِ الهزيل كم هو ممزق ومليء بالجروح والدماء!"
بصقت "ربى" الدماء من فمها، ووجهت إلى "مها" نظرات حادة كالسيف، وهتفت بصوت زلزل المكان رغم قيودها:
— "لا.. ولن أستسلم لكم أيتها الحثالة القذرة! ما أنتم بنظري إلا حشرات تعيش في الظلام وسأحاول سحقكم جميعاً حتى آخر نفس في ص*ري! واعلمي جيداً.. أن هذه لن تكون المرة الأخيرة التي أهرب فيها، بل كلما أغلقتم عليّ باباً، وكلما أعدتموني إلى ذلك السجن المظلم، سأخترق الجدران وأحاول الهروب مجدداً.. ومجدداً.. إلى أن ألتقي بالنور الذي أريده، أو أدفنكم معي!"
بدلتها مها النظرات الحادة بنظرة أكثر برودا، وتحدثت بصوت صارم: "الآن، كل ما عليك فعله هو السير أمامي بهدوء دون أي مقاومة. نحن نعود إلى القصر؛ 'رعد' بانتظارك".
ردت ربى بإصرار صلب، وصوتها يرتجف غضبا: "لن أمشي خطوة واحدة، وسأرى ما أنت فاعلة".
أشارت مها للحراس إشارة بسيطة. فاندفع أحدهم بقوة ودفع ربى للأمام. حاولت المقاومة بيديها المرتجفتين، لكن قوته الغاشمة كانت أكبر من أن تقاوم. استمر الحارس بدفعها للأمام، حتى وصل بها إلى جانب السيارة السوداء الفخمة.
أمرتها مها بالدخول، لكن ربى صرخت برفض قاطع، وتسمرت مكانها. عندها، أشار الحارس لزميله، فتقدم الحارس الآخر، وبدؤوا معا برفع ربى عن الأرض، لإدخالها غصبا إلى السيارة.
لم تنته المعركة عند ربى؛ ففي لحظة يأس، دفعت نفسها بقوة هائلة بكلتا رجليها على باب السيارة، مما جعل الحراس يترنحون.
كانت مها تنظر إليها بنظرة أعجاب خفي؛ فهذه المرأة حقا تستحق أن تكون تابعة لـ "رعد".
بعد نجاهم بدفع ربى لداخل السيارة إغلاق باب السيارة على ربى المقاومة، لتنطلق الرحلة الصامتة نحو القصر. يتم إيصال ربى مباشرة إلى جناح رعد.
(تُدفع ربى بعنف إلى داخل الجناح الفسيح. الأرضية مغطاة بسجاد حريري، والإضاءة خافتة. في الزاوية، يجلس "رعد" على أريكة جلدية عريضة. هو جريح، ضمادة بيضاء تلتف حول كتفه الأيمن، ووجهه شاحب ولكن ملامحه قاسية. طبيب يرتدي معطفا أبيض ينهي وضع بعض الضمادات الأخيرة، ثم يغادر بصمت بعد تلقيه إشارة من رعد.)
ربى (بغضب عارم، وصوتها يهتز): "كيف تجرؤ؟! كيف تجرؤ على خطفي كالحيوان؟! أنا لست ملكا لك، ولن أكون أبدا!"
(تتراجع ربى إلى الخلف، وعيناها تبحثان عن مخرج، بينما يظل رعد جالسا دون حراك.)
رعد (ببرود قاتل، وعيناه القاسيتان تنظران إليها دون أي تعبير عاطفي): "لقد عُدتِ. هذا هو الشيء الوحيد الذي يهم. أمّا الباقي... فهو تفاصيل لا تعنيني".
(تتسمر ربى مكانها، مصدومة من هذا البرود الذي يقتل أي فرصة للنقاش، وتشعر بأن القصر قد أصبح سجنها مرة أخرى.)
"أنا... أنا أستحق كل ما يحدث لي! لولا ضميري الأبله لكنتُ اليوم حرة طليقة أحلّق في السماء، ولكنتَ أنتَ جنازةً هامدة يُشيعها كل من في هذا القصر. لكنني بغبائي، ماذا صنعت؟ لقد أنقذتُ حياتك، ولم أكن أعلم أنني أنقذ شيطاناً جاحداً لا يعترف بالمعروف!"
رعد (بضحكة ساخرة):
"هههههههه... إذن، من الآن سأسميكِ 'منقذتي'. واعلمي جيداً أنني رجلٌ يردُّ الجميل؛ فصنيعكِ هذا هو الوحيد الذي شفع لكِ من بطشي وغضبي. لكن، لا تتوهمي يوماً أنكِ قادرة على الهروب مني... لا يا منقذتي! حتى وإن وُوريتِ الثرى دون علمي، سأنبش القبر وأدفنكِ بيديّ من جديد. فلا الأرض قادرة على إخفائكِ عني، ولا السماء بقادرة على عِصمتكِ مني... إلا بمزاجي وإرادتي."