الفصل الثالث عشر:
حَلّ المساء، وجمر الانتظار يكوي أعماق "ربى". كانت نبضات قلبها تتسارع وهي تترصد تلك الفرصة التي لا تتكرر؛ الباب الذي تركه "رعد" مفتوحًا في غفلة من جبروته الطاغي. في الأيام القليلة الماضية، لمحت شاحنة صغيرة تخرج كل مساء، يقودها رجل عجوز، تُشحن بسلالٍ فارغة وتعود محملة بالخيرات. لكن كبرياءها ونقاء قلبها لم يطاوعاها على الفرار بمفردها، فقررت في لحظة جنون أن تتوجه إلى "مارينا" لتأخذها معها.
تسللت نحو الغرفة بهدوء مميت، عازمة على إنقاذها لتستعد للهروب معها. طرقت الباب طرقات خفيفة وجلة، لتفتحه "مارينا" على عجل، والابتسامة تملأ ثغرها ظنًا منها أن القادم هو "رعد".
هنا... تيبّس الدم في عروق "ربى"، واشتعل وجهها بحمرة الخجل والصدمة مما رأت! لم تكن "مارينا" في وضع الأسيرة المقيدة، بل كانت في مظهر متبرج متبذل يكشف عن توددها وخضوعها الاختياري، مستعدة لاستقبال رعد بلا حياء.
قالت "مارينا" بنبرة تفيض مياعة ودلالاً:
"ظننتكِ رعد... أنا آسفة، لو علمتُ أنكِ الطارقة لما خرجتُ أمامكِ بهذا المظهر."
أجابتها "ربى" بنبرة مخنوقة، وقد انقشع الضباب عن عينيها:
"بل أنا المعتذرة... لقد ظننتكِ أسيرة مقيدة بأغلال هذا الشيطان، لكن الآن... اتضح لي كل شيء. أنا راحلة."
ارتدت "ربى" على عقبيها، وهرعت نحو غرفة "رعد" وص*رها يعلو ويهبط من هول الصدمة والاشمئزاز من حقيقة ما يجري. استجمعت شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم تسللت هابطة الدرج بحذر شديد، متجنبة الوقوع في عين أي حارس.
كانت تعلم أن الوقت ليس في صالحها، ولا مجال للانتظار حتى ينام القصر، فالشاحنة ستنطلق بعد لحظات. بخطوات حثيثة وواثقة، وصلت إلى مقصورة الشاحنة الخلفية، ودست جسدها النحيل بين السلال المتراكمة. وما هي إلا دقيقة حتى هدر المحرك، وتحركت المركبة معلنةً خروجها من ذلك السجن الفخم.
من بين شقوق السلال، كانت "ربى" تراقب معالم القصر وهي تتلاشى تدريجيًا في عتمة الليل، حتى اختفت تمامًا. انف*جت أساريرها، وغمرت السعادة فؤادها، وتمتمت بنبرة حملت مزيجًا من التشفي والارتياح:
"وداعًا أيها الو*د رعد... أتمنى لك ليلة سعيدة مع تلك المايعة، فهي تشبهك كثيرًا... وتليق بدنائتك."
في ردهات القصر
كان "رعد" يتوجه بخطى ثقيلة نحو غرفته، بينما كانت "مها" ترقبه بعينين صقريتين. كانت تعلم يقيناً ما سينتهي إليه الأمر، وتعلم أن انفجارًا وشيكًا سيحدث بمجرد دخوله، فقد رأت تلك الصغيرة "ربى" وهي تلوذ بالفرار، ورغبت في ذلك بشدة، فتركتها ترحل ظانةً أنها تملك زمام ذكائها.
اعترضت "مها" طريقه قائلة بنبرة آمرة:
"إلى أين؟"
أجابها "رعد" بصوت رخيم وصارم:
"إلى غرفتي."
مها ببرود: "ولكن... ومارينا؟"
رعد باقتضاب: "زواجنا ليس حقيقيًا... إنه مجرد لعبة."
مها: "أعلم ذلك، ولكن حتى وإن كان الأمر لعبة، فلا أحد يعلم بالحقيقة غيرنا، ويجب إكمال فصول هذه المسرحية أمام الملأ ليصدقوا أنها حقيقة."
رعد بغضب مكتوم: "لا يهمني ما يراه الآخرون، فجميعهم أتباعي، ولن يجرؤ أحد منهم على همس ما يحدث داخل أسوار هذا القصر."
مها محاولةً اللعب على أوتار كبريائه: "وهي؟ هل تريدها أن ترى نقطة ضعفك؟ هل تريدها أن تتفاخر بأنها سحقت كبرياءك؟"
ساد صمت ثقيل لبرهة. أخذ "رعد" نفسًا عميقًا زفر فيه غيظه، ثم غير مساره متوجهًا إلى غرفة "مارينا"، وهو يهمس في قرارة نفسه: "لن يحدث شيء... لن أقترب منها، سأنام على الأريكة وتنام هي على السرير، حتى ينتهي هذا الشهر اللعين..."
ولج "رعد" الغرفة دون وعي أو طرق للباب. كانت "مارينا" مستلقية على الفراش الوثير بملابس زينتها. وبمجرد رؤيته، نهضت بخفة واقتربت منه، وتشبثت به بكل ما تملك من غنج ودلال... وأمام إصرارها وتوددها الماكر، ضعفت مقاومة رعد، وخانته إرادته أمام غريزته، فاستسلم للأمر الواقع وبقي في غرفتها.
.........
في غياب البساتين
وفي مكان قاصٍ بعيد عن أسوار القصر، كانت "ربى" تستنشق نسمات الهواء الليلة بقوة، وكأنها تولد من جديد. كانت هذه المرة الأولى التي تتذوق فيها طعم الحرية، بعد أن قضت عشرين عامًا قيد سجناء والدها، قبل أن يسلمها لـ "رعد" لتكتمل فصول ذبحها.
توقفت الشاحنة فجأة، لكن ليس في ميدان عام، بل في بستان شاسع ممتد الأطراف لا تكاد تُرى نهايته. ترجل العجوز من الشاحنة وابتعد قليلاً، وهنا حمدت "ربى" ربها أن الشاحنة كانت مكشوفة، فلو كانت مغلقة لانكشف أمرها فورًا.
أزاحت السلال عنها بهدوء، مراقبةً العجوز الذي كان يتحدث بهاتف بغفلة عنها. تسللت من الجانب الآخر للمركبة، وانغدست بين الأشجار الكثيفة للبستان المحاط بسياج حديدي شاهق. حاولت الابتعاد قدر الإمكان عن الشاحنة، ثم تسلقت الشباك الحديدي بحذر لتنتقل إلى الجانب الآخر... لتفاجأ ببستان آخر يمتد أمامها!
أصبحت محاصرة؛ الحيرة تنهش رأسها، هل تسلك الطريق الإسفلتي المكشوف أم تتوغل في هذا البستان الجديد؟ خشيت الطريق لأن العجوز سيعود قريبًا وحتمًا سيلمحها. لذا، حسمت أمرها وتسلق السياج لتدخل البستان الآخر.
بينما كانت تمشي بين الأشجار، سارحة في أفكارها وتساؤلاتها: "لمن تعود كل هذه الجنان؟ أتمنى لو كان والدي يملك بستانًا صغيرًا كهذا بدلاً من أعماله القذرة..."
قطع استرسال أفكارها صوت رجولي جهوري صاخب من خلفها، جعل أطرافها تتجمد في مكانها:
"توقفي مكانكِ! من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا؟ هل جئتِ لتسرقي؟"
لم تقو "ربى" على الالتفات، بل تسارعت دقات قلبها رعبًا من أن يقبض عليها ويسلمها للشرطة، فقالت بصوت مرتجف:
"لا... أرجوك لا تتصل بالشرطة! أنا فقط... ضللت طريقي، وقلت في نفسي سأعبر البستان لأصل إلى الجهة الأخرى."
تغيرت نبرة الرجل إلى الهدوء قائلاً:
"لا تخافي... حتى وإن كنتِ تحاولين السرقة، فإن سيد هذا البستان لديه قاعدة صارمة: إذا جاءك سارق، فدعه يأخذ ما يشاء ويرحل بسلام."
حاولت "ربى" تبرير موقفها مجددًا:
"أقسم لك أنني لا أسرق، كل ما في الأمر أنني تهت، وأريد العودة."
الرجل: "إذا كان الأمر كذلك، من أين أتيتِ وإلى أين وجهتكِ؟"
ربى: "أتيت من مكان بعيد جدًا، وأريد الذهاب إلى مدينة (*******)."
الرجل بدهشة: "تريدين تلك المدينة؟"
ربى: "نعم."
الرجل: "ولكن طريق تلك المدينة لا يمر من هنا تمامًا."
ربى: "أنا لا أحفظ الطرقات، ولذلك ضللت السبيل."
الرجل بطيبة: "إذن، ما رأيكِ أن تأتي معي إلى السوق؟ ومن هناك يمكنكِ ركوب حافلة متوجهة لمدينتكِ."
تهلل وجه "ربى" بفرحة عارمة:
"أجل! أرجوك، خذني إلى السوق ومن هناك سأتدبر أمري."
الرجل: "تعالي معي إذن إلى منزلي لتجلسي مع زوجتي حتى تكتمل حمولة الشاحنة، وننطلق."
رافقت "ربى" الرجل، الذي كان يُدعى "روميو"، إلى منزل متوسط الحجم لكنه ينضح بالفخامة والترتيب. شرح لزوجته "ميرا" قصتها، فقالت الزوجة بحنو:
"يا لكِ من مسكينة! لا تخافي يا ابنتي، فزوجي سيوصلكِ إلى مدينتكِ بأمان."
التفتت "ميرا" إلى زوجها وقالت: "روميو، هل ستذهب بالشاحنة؟"
روميو: "هل جننتِ؟ الشاحنة محملة بالبضاعة."
ميرا: "لم أجن، ولكن هل تترك هذه الفتاة المسكينة لوحدها؟ خذ معك أحد العمال ليقود الشاحنة ويتولى أمر البضاعة، وتفرغ أنت لتوصيلها."
روميو مقتنعًا: "إذا كان الأمر كذلك، فليكن."
التفتت "ميرا" لـ "ربى" بابتسامة:
"تفضل ي يا عزيزتي، كلي من هذه الفواكه الطازجة... إنها من بستان السيد رعد."
عند هذه الكلمة... توقف قلب "ربى" عن النبض! جف الدم في عروقها، واصطبغ وجهها بصفرة الموت.
لاحظ "روميو" ذلك فهتف بقلق: "ماذا حدث لكِ؟"
وأضافت "ميرا" بذعر: "ما بكِ يا عزيزتي؟ هل أنتِ بخير؟"
حاولت "ربى" جاهدة السيطرة على رجفتها حتى لا ينكشف أمرها، وقالت بصوت متحشرج:
"لا شيء... مجرد وعكة صحية عابرة تتملكني بين الحين والآخر."
ميرا: "هل تحتاجين إلى طبيب؟"
ربى بسرعة: "لا، لا داعي للطبيب أبدًا، سيزول الألم بعد قليل وأعود كما كنت."
روميو بنظرات فاحصة: "هل أنتِ متأكدة؟"
أومأت "ربى" برأسها، وكانت تريد قطع الشك باليقين، ومعرفة إن كان هذا هو سجانها أم تشابه أسماء، فسألت بنبرة حاولت جعلها عادية:
"نعم، متأكدة... ولكن، هذه البساتين الشاسعة... ملك لمن بالضبط؟"
أجابها "روميو" بكل فخر واعتزاز:
"إنها ملك للسيد... رعد جاسر (*******)."
........
أعزائي القراء، أود أن أخبركم بأن هذا الفصل سيكون الفصل الأخير الذي أنشره في الوقت الحالي، وسيتوقف النشر مؤقتاً إلى أن أرى تفاعلكم وأقرأ تعليقاتكم. أريد حقاً أن أشعر بوجودكم ودعمكم خلف الشاشات، وليس مجرد أرقام تقرأ بصمت. آرائي وتوقعاتكم هي الوقود الذي يجعلني أكمل هذه القصة!
شاركوني آراءكم وتوقعاتكم في التعليقات حول هذه الأسئلة:
1- هل ستنجح ربى في الهروب، أم أن وقوعها بين يدي "روميو" سيكون سجناً آخر لها؟ هل طيبة روميو وزوجته حقيقية، أم أنها فخ جديد سيُعيدها إلى نقطة الصفر؟
ماذا ستفعل "مارينا" الآن بعد أن أوقعت رعد في شباكها؟ هل ستستغل هذا الانتصار لفرض سيطرتها على القصر، أم أن رعد سيندم على لحظة ضعفه وينقلب السحر على الساحر؟
ماذا سيكون موقف "رعد" عندما يعلم أن ربى فرت من عرينه للمرة الثانية؟ كيف سيتصرف هذا الطاغية عندما يكتشف أن الفتاة التي استصغرها قد استغلت انشغاله و**رت جبروته مجدداً
أنتظر تعليقاتكم وشغفكم بفارغ الصبر لكي نواصل الرحلة معاً! ✨