الهروب من عرين المافيا

1029 Words
الفصل الثالث : ​لمعت عينا ربى، وقالت في نفسها: "هذه فرصتي الذهبية!". ثم سألت تارة بالفضول: "متى ستعودين؟". نظرت إليها مها بريبة، لكنها لم تطل التفكير وأجابت: "لا أدري.. ربما مساءً، أو غداً، أو بعد غد.. لا يمكنني تحديد وقت دقيق". كادت ربى أن تبوح بـ "هذا هو المطلوب تماماً"، لكنها اكتفت بنظرة وادعة. ​ما إن غادرت مها، حتى اندفعت ربى إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها لتبدأ في تنفيذ خطتها الانتحارية. بدأت بربط الأغطية والأردية ببعضها بإحكام شديد، وظلت على هذه الحال لأكثر من ساعتين، فالقصر شاهق الارتفاع والمسافة حتى الأرض مرعبة. ​وسط هذا المجهود المضني، قرصها الجوع، فخرجت متوجهة نحو المطبخ والابتسامة ترتسم على وجهها لإبعاد أي شبهة. سألت: "هل الغداء جاهز؟". نظرت إليها الخادمات بدهشة وذهول. تقدمت رئيسة الخدم قائلة بارتباك: "لا يا سيدتي.. ولكن سنعدّه لكِ حالاً". قاطعتها ربى بسرعة: "لا، لا داعي لتكبد العناء، أعطني أي شيء جاهز، فأنا أتضور جوعاً ولا أقوى على الانتظار". رئيسة الخدم: "ولكن يا سيدتي..." ربى بلهجة حازمة تلطفها ابتسامة: "لا أريد (لكن).. أريد أي طعام متوفر فقط". ​أشارت رئيسة الخدم لتقديم الطعام في قاعة الطعام الفاخرة، إلا أن ربى استوقفتها قائلة: "ضعيه هنا، سآكل معكم". جلست ربى ودعتهن للمشاركة، لكنهن رفضن بأدب معللات بأنهن تناولن إفطارهن للتو. بدأت ربى تأكل بشهية واضحة، وفجأة سقطت الملعقة من يديها المضرجتين بالجراح والندوب. لم تستسلم، بل أعادت التقاطها بإصرار؛ فمن ربطت أكثر من سبعين رداءً بهاتين اليدين النازفتين لن تهزمها ملعقة! ​أنهت طعامها، ووجهت كلمات الشكر والامتنان للخادمات، ثم غادرت تاركة خلفها موجة من الذهول التام. قالت إحدى الخادمات بهمس: "عجباً! لم تكترث لعقاب السيد رعد وما فعله بها!". وأضافت أخرى: "بل والأغرب أنها أتت إلى المطبخ بنفسها، هذا أمر لا يصدق في هذا القصر!". وعقبت رئيسة الخدم بنبرة إعجاب: "والأكثر غرابة أنها لم تتكبر أو تتذمر، بل أكلت من بقايا طعام الصباح، ودعتنا لمشاركتها وشكرتنا بصوت دافئ.. حقاً، هذه الفتاة معجزة". ​في تلك الأثناء، وفي منزل ربى القديم، كان الحزن المخيم على الأرجاء أثقل من أن يحتمل. طمس الوجوم معالم البيت واستوطن القلوب. لم يتوقع أحد أن تغادرهم ربى بهذا السيناريو المرعب والمفاجئ؛ لقد وأدها والدها معنوياً وباعها بلا رحمة، حتى أنهم أقاموا عزاءها بلا جثة تشيع. ​قالت "سماء" والدموع تحفر مجاريها على وجهها الشاحب: "لماذا يا أبي؟ لماذا؟ لقد غدت الحياة باهتة بلا لون بعد رحيلها". أما "علا"، الصبية التي لم تتجاوز الاثني عشر ربيعاً، فهتفت بنبرة مقهورة: "أنا أكره أبي.. أكرهه!". انتفضت سماء رعباً، وقبضت على يد أختها قائلة بخوف حاد: "اشتكِ! اصمتي كي لا يسمعكِ والدي فتندمين! إنه لا يرحم صغيراً ولا كبيراً، ولا أريدكِ أن تكوني الضحية الثانية.. انسي هذا الكلام فوراً!". ارتعدت علا ذعراً، واكتفت بالإيماء برأسها مستسلمة. تساءلت سماء في سريرتها غارقة في وجعها: "ماذا يحل بكِ الآن يا ربى؟ هل كان هذا الزواج طوق نجاة أخرجكِ من جحيم هذا المنزل، أم أنه جركِ إلى جحيم أشد تنكيلاً؟". لم تقو عينَاها على الصمود أكثر، فانفجرت بالبكاء. ​نعود إلى ربى.. كانت الساعات تمر ثقيلة وهي تتحين لحظة غرق القصر في النوم. وما إن أشارت عقارب الساعة إلى الحادية عشرة ليلاً، حتى خيّم صمت القبور على المكان. فتحت ربى باب غرفتها بوجل شديد، وسارت على أطراف أصابعها تتلمس طريقها عبر السلالم، حتى وصلت إلى الغرفة المهجورة في العلية، والتي كانت تغص بالأثاث القديم والأدوات المتروكة. ​بحذر شديد، أزاحت بعض الصناديق لتصل إلى النافذة المنشودة، ولحسن حظها، كانت النافذة تطل على زاوية قريبة من الهيكل المعدني لدرج الطوارئ الخارجي. ربطت طرف حبل الأردية بإحكام بالركيزة الأساسية داخل الغرفة، وألقت بالطرف الآخر من النافذة لينسدل في ظلام الليل الدامس. ​نظرت إلى الأسفل، فانقبض قلبها خوفاً من عتمة الليل، لكنها شجعت نفسها وهدست: "سواد الليل وظلمته أرحم بمليون مرة من البقاء في هذا السجن". وفي ومضة ذكاء لحماية نفسها، سحبت الحبل مجدداً وربطته بقوة حول خصرها ليكون حزام أمان؛ فإذا خانتها قبضة يدها، فلن تسقط ميتة على الأرض. ​بدأت الهبوط ببطء شديد وحذر يملأ جوارحها. وبينما هي معلقة في الهواء متمسكة بالحبل بكل ما أوتيت من عزم، خانتها يداها المجروحتان؛ خارت قواها، وانفلت الحبل من كفيها لتسقط بسرعة خاطفة نحو الأسفل! ​لكن حساباتها الذكية أنقذتها؛ إذ شد الحبل المربوط حول خصرها بقوة، لتتوقف فجأة في الهواء قبل أن ترتطم بالملامس الصلب. انقطع نَفَسها وشعرت بألم حارق يمزق جسدها جراء الصدمة، لكنه كان ألماً هيناً أمام الموت سحقاً. نظرت إلى الأسفل مستطلعة.. كانت المسافة التي تفصلها عن الأرض لا تتعدى المترين أو أكثر بقليل. ​​لولا مَخاوفها المترددة لكانت تراجعت، لكنّ "ربى" حزمت أمرها واستجمعت شتات شجاعتها. تنفست بعمق، وقرأت في سرّها آيةً ثبتت بها قلبها المضطرب: ((فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)). ​أخرجت المقصّ المعدنيّ من جيبها، ذلك الذي دبرت أمره ووضعته هناك مسبقاً ليكون تذكرتها نحو الحرية. أغمضت عينيها بشدة، وضغطت على شفرتيه لتقصّ الحبال التي تقيدها. وما هي إلا ثوانٍ حتى ارتمى جسدها ليرتطم بالأرض الصلبة بقوة. صرخة مكتومة تعثرت في حلقها حين التوت رجلها اليمنى، لتشعر بألم حاد يمزق كاحلها. ​تأوهت تمسك بقدمها المصابة وتلتوي وجعاً، لكنها لم تستسلم للضعف. راحت تلمس كاحلها وتمتم بكلمات خافتة لتشجيع نفسها: "السقوط من مسافة قصيرة وتحمّل ألم جسدي، أفضل بألف مرة من الارتطام بعد فوات الأوان، وأفضل من أن أظل ضحية لخوف نفسي يقتلني كل يوم...". ​أخذت نفساً عميقاً، وضغطت على جرحها، ثم نهضت مستندة على الجدار تارة وعلى عزيمتها تارة أخرى، لتشق طريقها بخطى عرجاء نحو الغابة المظلمة... تلك الغابة التي بدا سوادها الحالك امتداداً لظلام القصر الذي فرّت منه. ​هل ستستطيع "ربى" الهروب من قدرها؟ أم أن خطواتها الهاربة هذه ستسوقها إلى قدرٍ أشد خطورة؟ نعود للمافيا رعد ​انطلقت سيارة رعد كالصاروخ، وتترك خلفها ركاماً من الغبار وصوت إطارات يصرخ على الإسفلت. كان الغضب يعمي بصيرته؛ فقد وصلته معلومات سرية من رجاله تفيد بأن الشحنة المنتظرة—وهي صفقة قنابل حرارية وصواريخ قصيرة المدى تقدر بملايين الدولارات—تتعرض لعملية سطو و*در من مافيا منافسة يقودها غريمه الأفعى "فيكتور". ​وصل رعد إلى المنطقة المهجورة عند رصيف الميناء القديم. كانت الأجواء مشحونة برائحة البحر والرطوبة، والمكان شبه مظلم إلا من كشافات الشاحنات الضخمة. ترجل من سيارته وعيناه تقطران شراً، وحوله العشرات من رجاله المدججين بالسلاح. ​وقف "فيكتور" في الجهة المقابلة يبتسم بخبث وهو يضع يده على إحدى حاويات الأسلحة: "أهلاً رعد.. تأخرت كثيراً، والظاهر أن هذه البضاعة الجميلة غيرت رأيها وقررت أن تأتي معي". ​لم يتكلم رعد بحرف واحد. كانت لغة الحوار عنده قد انتهت. رفع يده وأشار بأصبعه فقط.. وكانت هذه إشارة البدء.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD