الفصل الرابع :
الاشتباك العنيف
في أجزاء من الثانية، تحول الميناء الهادئ إلى ساحة حرب مستعرة لا ترحم. انطلقت زغاريد الرصاص القاتلة من الأسلحة الرشاشة، وتمزق صمت الليل بدويّ الانفجارات الهائلة التي هزت أركان الرصيف. تطاير شرر الرصاص الملتهب في عتمة الليل ليضيء المكان بومضات مرعبة تكشف عن ملامح الموت السريع.
كان رعد يقاتل في الصفوف الأمامية بشراسة أسد جريح؛ لا يعرف الخوف ولا قاموس التراجع، يطلق النار بدقة متناهية تخترق الرؤوس والصدور، ويسقط رجال فيكتور واحداً تلو الآخر كأوراق الشجر الجافة في فصل الخريف. الدماء تناثرت بغزارة على الحاويات الحديدية الصلبة، وصراخ الجرحى والمحتضرين يملأ الأرجاء وسط قصف متبادل ومجنون.
تراجع فيكتور مذعوراً تحت وطأة هجوم رعد الكاسح وغير المتوقع بتلك الشراسة، وبدأ رجاله بالانسحاب التكتيكي الفوضوي وهم يطلقون النار عشوائياً لتغطية هروب زعيمهم.
وفي تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان رعد يتقدم بخطى ثابتة خلف إحدى الحاويات الكبيرة ليحسم المعركة ويقضي على فيكتور، انطلقت رصاصة غادرة ومباغتة من بندقية قناص متخفٍ في أعالي الرافعات الحديدية للميناء.
"آآآخ..."
أطلق رعد زفرة ألم مكتومة وهو يتراجع خطوتين إلى الخلف تحت تأثير الصدمة الجسدية. اخترقت الرصاصة الحارقة كتفه الأيمن، لتمزق اللحم والنسيج الحي وتستقر بقسوة في العظم. شعر وكأن سيخاً من النار المشتعلة قد غُرس في أعماق جسده. سقط السلاح فوراً من يده اليمنى التي خدرت تماماً، وتلون قميصه الأ**د ببقعة داكنة ومتسعة من الدماء القانية التي بدأت تتدفق بغزارة كشلال صغير.
رغم شدة الألم الرهيب الذي كاد يفقده وعيه ويطيح بجسده أرضاً، إلا أن رعد لم ينحنِ ولن يفعل. ضغط على جرحه النازف بيده اليسرى بقوة، وعيناه تشعان ببريق وحشي قاتل يتحدى الموت نفسه. التفت إلى رجاله الذين هرعوا نحوه بذعر شديد يصيحون: "سيدي! أنت مصاب! يجب أن نتراجع!".
نترهم بصوت هادر كالرعد هزّ أرجاء المكان رغم الوهن:
"لا تتوقفوا! أبيدوهم عن بكرة أبيهم.. لا تدعوا أحداً منهم يخرج من هذا الميناء حياً!".
بينما كانت المعركة تلفظ أنفاسها الأخيرة بانتصار ساحق لرجال رعد وفرار فيكتور مصاباً بذعر، كان رعد يسند جسده المنهك على هيكل السيارة، ينزف بغزارة، وعقله—رغم كل هذا الدمار والألم—يرتد فجأة وبشكل غريب إلى القصر.. إلى تلك الفتاة البريئة الصلبة التي تركها مقيدة هناك، دون أن يعلم أنها في هذه اللحظة بالذات، معلقة بين السماء والأرض تحاول الإفلات من جحيمه ومخالبه.
استفاق رعد من أفكاره المشتتة وأدرك بكبريائه الجريح أنه لن يستطيع المقاومة أكثر؛ فالنزيف يستنزف قواه الحيوية وسيطرته على وعيه بدأت تترنح. كان يجب عليه الابتعاد فوراً عن المكان وترك تصفية الحسابات لرجاله. أشار إلى سائقه الخاص المخلص، الذي جاء إليه مسرعاً والذعر يملأ وجهه، ليساعده على الركوب وينطلق به بعيداً عن أضواء المعركة المشتعلة.
لكن "فيكتور" لم يكن رجلاً يمرر ان**اره ويهضم هزيمته بسهولة؛ بل كان كالأفعى الخبيثة التي تتربص بلحظات الوهن والضعف. من خلف زجاج سيارته المصفحة السوداء وهو يهرب، لمح مشهد تراجع رعد وجسده الشامخ يترنح لأول مرة، ورأى بقعة الدم وهي تتسع على قميصه وعجزه النادر في الضغط على جرحه.
لمعت عينا فيكتور ب
***ة الغدر والانتصار الزائف، وصرخ في لاسلكي القيادة بصوت أجش تملأه الهستيريا والجنون:
"رعد جريح! العقرب ينزف ويلفظ أنفاسه الأخيرة! لا تدعوه يغادر الميناء حياً.. طاردوه! اقلبوا الأرض فوق رأسه واجلبوا لي جثته!".
استجمع رعد بقايا قوته الأسطورية، ورغم سياط الألم الحارق التي كانت تمزق وعيه وتجعل الرؤية ضبابية، إلا أنه دفع سائقه جانباً ليتحكم هو بالأمر، ممسكاً المقود بيده اليسرى وحدها بصرامة، وانطلق يشق جدار الظلام مخلّفاً وراءه الميناء المشتعل.
ولم تكن ثوانٍ حتى ظهرت خلفه أضواء كاشفة عملاقة ومزعجة؛ كانت أربع سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة تابعة لفيكتور تلحق به كوحوش كاسرة انطلقت من عقالها لتستغل ضعفه ونزيفه.
امتدت المطاردة الهستيرية على طول الطريق الساحلي المظلم والمتعرج. كانت الإطارات تصرخ فوق الإسفلت، والسيارات تتلوى بين المنعطفات الجبلية الخطيرة بسرعة جنونية تجاوزت كل الحدود المسموحة. انفتحت نوافذ سيارات المافيا المطاردة، وبرزت منها فوهات الرشاشات الثقيلة لتطلق سيلاً من الرصاص الأعمى. تطاير شرر المقذوفات وهي ترتطم بالهيكل المصفح لسيارة رعد، محدثةً دويّاً مرعباً يشبه الطبول المتلاحقة. زجاج السيارة الخلفي بدأ يتشقق ويتهشم تحت وطأة القصف العنيف، ورعد يصارع المقود بيده الوحيدة، وعرقه البارد يمتزج بدمه الساخن الذي ينزف بلا توقف، مستنزفاً آخر قطرات طاقته وثباته.
اقتربت سيارة فيكتور الشخصية بمحاذاة سيارة رعد، وضغطت عليها بقوة لتصدم جانبها بعنف شديد، تسبب في اختلال توازنها كادت معه أن تهوي في مياه البحر المتلاطمة أسفل الجرف الساحلي السحيق. نظر فيكتور من نافذته نحو وجه رعد الشاحب كالموت، وأطلق ضحكة ساخرة هستيرية وهو يشير بسلاحه نحو رأس رعد مباشرة.
لكن رعد، حتى وهو يعيش في رمقه الأخير ويواجه الموت وجهاً لوجه، التقت عيناه الرماديتان العاصفتان بعيني فيكتور، ولم يكن فيهما ذرة خوف أو استسلام، بل كانتا تشعان بوعيد مرعب وصاعق أرعب فيكتور في عقر دار قوته وجعله يرتجف. كبس رعد على كوابح السيارة فجأة وبقوة، مما جعل سيارات المطارِدين تتجاوزه بفعل القصور الذاتي السريع، وبسرعة خاطفة لا تص*ر إلا عن محترف، أخرج مسدسه بيده اليسرى وأطلق رصاصتين دقيقتين اخترقتا إطارات السيارة التي تقود الهجوم، لتنحرف بعنف وتنقلب عدة مرات وتتحول إلى كتلة من اللهب والدخان الأ**د.
استغل رعد الفوضى الناتجة عن الانفجار وتراجع السيارات الأخرى للحظات، وضغط على دواسة الوقود لأقصى مدى، لينعطف بقوة نحو الطريق الجبلي الوعر والمؤدي إلى قصره المحصن. كان وعيه يغيب ويعود، والرؤية بدأت تترنح أمام عينيه كضباب داكن وثقيل، لكن الفكرة الوحيدة التي كانت تبقيه مستيقظاً وتمنحه القوة الخارقة للصمود، هي الوصول إلى ذلك القصر.. الوصول إلى تلك الفتاة البريئة التي تحدته بنظراتها قبل ساعات.
ولكن بينما ظن أن فيكتور قد استسلم أو تراجع، زاد الأخير من إصراره الجنوني على القضاء عليه نهائياً ومحو سلالته. عادت الملاحقة الشرسة من جديد وبقوة أكبر، حيث بدأت سيارات فيكتور المتبقية تقترب وتطلق النار بكثافة.
عندما مروا بطريق الغابة المظلم والمحاذي للجرف، التفت السائق المخلص إلى رعد، ورأى حالته الحرجة وقال بنبرة مليئة بالفداء والتصميم:
"سيدي.. يبدو أن فيكتور لن يستسلم أبداً وسيقتحم القصر خلفنا إن لم نوقفه. أنا سأتركك هنا في بداية الغابة لتكمل طريقك سيراً إلى القصر خفية، وأنا سأقود السيارة وأوهمهم أنك ما زلت داخلي لأغطي مكانك وأشتت انتباههم!".
لم يتردد رعد لفترة طويلة؛ فقد أعجبته الفكرة الشيطانية والذكية لتضليل العدو، وفي عالم المافيا القاسي الذي يعيشه، لا يهمه أمر السائق كثيراً؛ فما هو إلا تابع له واجبه الأساسي هو التضحية بنفسه من أجل حياة سيده وإمبراطوره.
نزل رعد بسرعة وبحذر من السيارة مستغلاً عتمة المنعطف، وتوجه مستنداً على جراحه ناحية أحراش الغابة المظلمة ليتوارى عن الأنظار. في هذه الأثناء، قفز السائق إلى مقعد القيادة، وزاد من سرعة السيارة إلى أقصى حد ليوهم فيكتور أن رعد هو من يقود، وعاد بالسيارة يناور نحو فيكتور ورجاله.
حدثت مطاردة قوية وعنيفة بين الطرفين، حيث تلاحمت السيارات وتبادلت صدمات الحديد، إلى أن فقد السائق السيطرة تحت كابل الرصاص، وهوت سيارة رعد الرياضية من قمة الجبل الشاهق، لتتحطم في القاع معلنة نهاية مرعبة وانفجاراً مدوياً صبغ السماء باللون الأحمر.
صفق فيكتور ب
***ة عارمة، وصرخ بأعلى صوته حتى بحّت حنجرته في أرجاء الجبل:
"أخيراً!!! لقد قضيت عليك يا رعد! ليعلم والدك العجوز الذي يأبى الهزيمة أنني هزمته اليوم هزيمة ساحقة لن يستطيع النهوض بعدها أبداً!".
لكن الفرحة لم تدم، والسعادة لم تكتمل في قلب الأفعى. بعد دقائق معدودة، ترجل رجال فيكتور بحذر وتوجهوا نحو حطام السيارة المشتعلة للتأكد من جثة "العقرب" وإحضار الدليل. وعندما فحصوا البقايا المتفحمة، تراجعوا بذعر وذهول، وعادوا إلى زعيمهم بخطى مرتجفة.
قال رئيس الحرس بصوت خائف: "سيدي... هناك خطأ ما.. لم نجد في السيارة إلا جثة واحدة فقط.. وهي جثة السائق! رعد ليس هنا!".
هنا، انصدم فيكتور وتجمدت الدماء في عروقه، وتحولت نشوته إلى غضب عارم وشديد جن جنونه، وبدأ يصرخ بشكل هستيري ويشتم رجاله ويوجه قذائف لعناته لكل ما يحيط به، مدركاً أن العقرب الجريح ما زال حياً، وأنه الآن أشد خطورة من أي وقت مضى!