الفصل الثاني:
نظرت رُبى حولها والدموع تحجب رؤيتها. أقسمت في داخلها أنها لن تبقى في هذا الجحيم. كيف تبقى وهي في أول ليلةٍ لها؟ فماذا لو استمر الحال هكذا؟
تمددت على الأرض وانكمشت على ركبتيها، والدموع تنهمر بصمت. حاولت النوم فأبى الجفن. ما هي إلا دقائق حتى نهضت لتصلي الفجر. لم يكن لديها ثياب بعد أن حطّمها هو... فرفعت يديها للسماء تدعو بخشوعٍ وتضرع: "اللهم نجّني من هذا المكان الموحش".
عادت فتمدّدت على البلاط، ولفّت جسدها بالرداء بقوة كأنها تحتمي من العالم كله. نامت... لكنه نوم الخائف المترقب لطعنات اليوم التالي وأوجاعه.
عند العاشرة صباحاً، دخل عليها فوجدها نائمةً منكمشةً على نفسها كطفلةٍ مذعورة. وخز قلبه وخزةً قوية لأنه هو من زرع الرعب في عروقها. تراجع للخلف بصمت، لا يريدها أن تستيقظ على ملامحه فتشتعل الحرب من جديد.
ذهب إلى مها وأمرها: "اذهبي إليها وأخرجيها لتفطر".
مها لا تعصي لأخيها أمراً أبداً.
حملت مها بعض الثياب ودخلت على رُبى: "ارتدي هذه".
رمقتها رُبى بنظرةٍ تقول: "أنا أحوج ما أكون إليها، ولولا حاجتي لمزّقتها. لا أريد شيئاً من سجنكم".
"هيا، أعدّوا لكِ الفطور" قالت مها.
"لا أريد شيئاً من هذا السجن" ردّت رُبى بجمود.
نصحتها مها: "لا تهملي نفسك، فلن تصمدي أمام أخي إن انهارت قواك".
"لا أريد" أصرّت رُبى بعناد.
ابتسمت مها بخبث: "إذاً تعالي... سأريكِ مملكة أخي".
لم ترفض رُبى. ظنّت أنها فرصتها لترسم خريطة هروبها من هذا القفص الذهبي.
"هيا، لنبدأ".
بدأت جولة التعارف في القصر الشاسع. رُبى لم تترك شبراً إلا ورصدته، وفي كل خطوةٍ كانت تنسج خطة هروب.
حتى وقفتا أمام غرفةٍ واسعةٍ تخطف الأنفاس. سريرٌ فخمٌ أبيض كبياض اللؤؤ، وكل ما فيها أبيض ناصع. من يدخلها لا يطيق الخروج منها.
جالت رُبى بعينيها وانفلت منها علامات الإعجاب رغماً عنها. سألت بصوتٍ تحاول إخفاء انبهارها:
"لمن هذه الغرفة الأسطورية؟"
رفعت مها حاجبها: "أعجبتكِ؟"
ردّت رُبى وهي تكتم إعجابها: "ليس كثيراً... لكنها أجمل ما في هذا السجن".
وقفت رُبى أمام التسريحة التي اصطفت عليها عشرات قوارير العطور. أزاحت الغطاء عن إحداها، رشّت في الهواء واستنشقت بعمق:
"سجنٌ حتى لو كانت حجارتُه من الألماس، وأوانيه من الذهب، وستائره من الحرير الخالص".
صمتت مها تراقبها وهي تشمّ العطور واحدةً تلو الأخرى، حتى توقفت عند زجاجةٍ معيّنة، رشّت منها على ملابسها وتركتها ومضت.
تقدّمت مها خطوتين، التقطت الزجاجة نفسها وعزلتها عن البقية.
لاحظت رُبى خزاناتٍ ممتلئة بالثياب، لكنها استغربت: المقاسات مختلفة.
نظرت إلى مها النحيلة الطويلة وحدّثت نفسها: "ليست لها إذاً... فلمَن هذه الغرفة؟"
"هذه غرفة زوجات رعد" أجابت مها ببرود.
شهقت رُبى: "كيف؟ غرفةٌ واحدة؟! أهذا جنون؟"
وضّحت مها: "لا تفهمي خطأً. الغرفة يتشاركها كل زوجات أخي. تغادر واحدة... وتأتي أخرى".
ضاقت عينا رُبى: "تقصدين أنه... عندما يحين دور إحداهن تأتي إليه هنا؟"
ضحكت مها ضحكةً باردة: "لا. يتزوج المرأة حتى تنجب، ثم يطلّقها ويأخذ الطفل".
وضعت رُبى يدها على فمها من هول الصدمة: "لا... أخوكِ بلا قلب! لا يستحق الحياة!"
دافعت مها عن أخيها: "لكنّه لا يأخذهن بالحرام".
صرخت رُبى بغضبٍ يقطر ألماً: "لا يهم! الأهم أنه يفرّق بين الأم وطفلها. هذا ليس بشراً... هذا شيطان! بل أسوأ من الشيطان!"
حزنت مها على أخيها لكنها أخفت ذلك وقالت بحزم:
"لهذا أحذركِ منه. كفي عن المقاومة... أنجبي له طفلاً وارحلي. وكل ما ترينه في هذه الغرفة سيكون ملككِ... سلباً بلا مقابل".
لم تكد مها تُنهي كلماتها حتى شعرت رُبى ببرودةٍ تسري في أوصالها، وكأن جدران الغرفة البيضاء الناصعة تحولت فجأة إلى قضبان من جليد. نظرت إلى مها بذهولٍ ترافقه رعدة جارفة، وقالت بصوتٍ مخنوق:
"سلباً بلا مقابل؟! تظنين أن مشاعر الأمومة تُباع وتُشترى بالحرير والألماس؟ أخيُّكِ لا يبحث عن زوجة، إنه يبحث عن حاضنة... عن وعاءٍ يسرق منه طفلاً ثم يلقي به إلى الشارع!"
تراجعت رُبى خطوة إلى الوراء، وعيناها تدوران في أرجاء الغرفة التي لم تعد ترى فيها فخامةً، بل مقبرةً لقلوب النساء اللواتي مررن من هنا.
أشاحت مها بوجهها، وحاولت استعادة جمودها قائلة:
"أخي لا يلقي بأحدٍ في الشارع، إنه يعوضهن بمبالغ تجعلهن يعشن كالملكات... لكن القوانين هنا واضحة، من تدخل مملكة رعد تدرك شروطها عاجلاً أم آجلاً. والآن، كفي عن الصراخ، فصوتكِ لن يغير من الواقع شيئاً."
أطلقت رُبى ضحكةً باكية، مريرة، وتقدمت نحو مها وعيناها تشتعلان بإصرارٍ لم تعهده مها من قبل:
"لكنه أخطأ العنوان هذه المرة يا مها. أخبريه... أخبري شيطانكِ هذا، أنه قد يملك جسدي بحكم سجنكم، لكنه لن يملك طفلاً مني أبداً. سأكون نهايته قبل أن يبدأ!"
استدارت رُبى وخرجت من الغرفة بخطواتٍ سريعة، تبحث عن الهواء، بينما بقيت مها واثقة في مكانها. نظرت مها إلى زجاجة العطر التي عزلتها قبل قليل، وابتسمت بنبرة سخرية مشوبة بالأسى، وتمتمت لنفسها:
"كل واحدةٍ دخلت هنا قالت الكلام نفسه يا رُبى... وفي النهاية، ان**رن جميعاً أمام رعد."
بينما كانت ربى ومها تتجولان في أرجاء الحديقة، كان هو يرقبهما من خلف زجاج النافذة. كانت ربى تجسيداً حياً لقصة عنوانها "الجمال في البساطة"؛ لم يكن جمالها صارخاً أو فائقاً، فقد رأى من هي أجمل منها بكثير، لكن ملامحها كانت تشع ببراءة طفولية آسرة. قوامها معتدل، لا بالطويل البائن ولا بالقصير، يميل إلى الامتلاء في تناسق بديع. أما شعرها، فكان يتدلى بتموجات ساحرة حتى كتفيها، تتمازج فيه ألوان إبداعية وكثافة تضفي عليه رونقاً خاصاً.
كانت تضع شالها على رأسها بإهمال وعفوية، لكنها ما إن اقتربت من أسوار الحراس، حتى أعادت ترتيبه بحذر، مخفيةً خصلات شعرها تماماً ومغطيةً ص*رها. في تلك اللحظة، شعر بوميض غريب من السعادة يتسلل إلى أعماق قلبه. همس في نفسه: "فعلاً، هذه الفتاة ليست كغيرها". إنها مزيج متناقض؛ جميلة لكنها حادة الطباع، شرسة في وجه من يحاول إيذاءها، صلبة ترفض الان**ار أو الاستسلام. في جوف ذلك الجسد الطفولي البريء، تختبئ امرأة أخرى شديدة البأس.
على الجانب الآخر، لمحت ربى بريق عينين يترصد حركاتهما. رفعت بصرها نحو النافذة ل تلتقي نظراتها بنظراته المستفزة. انتابها خوف عابر، لكنها لم تحِد ببصرها، بل تحولت نظرتها فوراً إلى تحدٍ صارم. كانت هذه المرة الأولى التي تمعن فيها النظر إليه؛ بدا في مقتبل الثلاثينات، يمتلك وسامة مبهطة تتضاءل أمامها حتى وسامة شقيقته. عينان واسعتان رماديتان كألوان العاصفة، وأنف مستقيم مرسوم بدقة متناهية زاد من حدة ملامحه. وجهه متناسق بين التدوير والاستطالة، يتوجّه شعر أ**د كثيف وناعم، وينتهي بجسد ممتلئ مفتول العضلات ينم عن قوة جسدية هائلة.
لكن كل تلك الوسامة لم تكن لتشفع له؛ فهو في الأول والآخر رجل مافيا سُفكت على يديه الدماء.
استمرت حرب النظرات الصامتة بينهما، حتى **ر الجمود بغمزة عين حملت في طياتها استخفافاً بها. زمّت شفتيها وهمهمت بنبرة حانقة: "سأخنقك يوماً ما بيدي هاتين.. سترى".
لم تفت هذه اللحظة مها، التي لمحت النظرات المتبادلة وتلك الغمزة، فابتسمت بخبث وقالت: "وسامته لا تقاوم، أليس كذلك؟ نصيحة.. حاولي ألا تنظري في عينيه كثيراً، وإلا وقعتِ في شباكه، وهو رجل لا يعرف البقاء للأبد؛ لستِ له سوى نزوة عابرة ستنتهي بمجرد أن تنجبي له طفلاً يحمل اسمه".
تمالكت ربى أعصابها بصعوبة كادت معها تفتك بمها، وقالت بنبرة حاسمة: "هذه النزوة سأقضي عليها تماماً وسترين.. سأقضي على شقيقكِ لأطهر العالم من شره".
رمقتها مها بنظرة صامتة مبهمة، ثم التفتت قائلة ببرود: "هيا بنا لنكمل مسيرنا".
تَبِعتْها ربى بصمت مطبق، وعيناها تطوفان بالمكان؛ كان الحراس يطوقون زوايا الحديقة كظلال الموت، والخدم ينتشرون في كل ركن من أركان القصر. أيقنت حينها أن الهروب من الأبواب شبه مستحيل، ولم يتبقَ سوى مخرج واحد محفوف بالمخاطر، لكنها قررت خوض المغامرة مهما كان الثمن.
قطع حبل أفكارها صوت محرك يزأر؛ كان "رعد" يركض مسرعاً صوب سيارته، ليتطاير الشرر وصوت احتكاك العجلات بالأرض محدثاً صفيراً مرعباً بث الرعب في أوصال ربى.
سألت بوجل: "ما الذي يحدث؟".
أجابت مها ببرود وكأن شيئاً لم يكن: "لا شيء.. مجرد أمور بسيطة وعاجلة في العمل".
تعجبت ربى: "وهل يتطلب العمل كل هذا الهلع والسرعة؟".
ابتسمت مها ابتسامة غامضة: "أنتِ لم تري شيئاً بعد.. دعينا نعد إلى الداخل". ثم استدركت: "عودي أنتِ، أما أنا فلدي شأن هام يجب أن أنجزه"