إعصار رعد وكبرياء ربى

1047 Words
الفصل الخامس عشر: ​ارتمت ربى في أحضان شقيقتها فور سماع اسمه، وجسدها ينتفض برعدة خفية التقطتها عينا "سماء" القلقتين. ​سماء بنبرة حنية مشوبة بالخوف: "هل يضربكِ كما كان يفعل أبي؟" ​ربى بنبرة متحشرجة: "هو لا يضربني دائماً... ليس كأبي". ​سماء: "إذن، لِمَ كل هذا الذعر المهيمن عليكِ؟" ​ربى والدموع تحرق خديها : "لأنه يريدني سجينة في قفصه الذهبي.. يريد التمتع بي كدمية بلا روح! أنا لا أحتمل هذا الصنف من الرجال.. إنه رجل مافيا، قاسي القلب، متحجر المشاعر. يريد أن أمنحه طفلاً ثم ينتزعه من أحشائي ليحرمني منه! لا.. لن أسمح له بذلك. جحيم أبي أهون عليّ بآلاف المرات من رفاهية قصره الملعون". ​تن*دت سماء بأسى، والدموع تترقرق في عينيها: "لا تكوني عنيدة يا ربى.. هذا الصنف من الرجال لا يعرف الرحمة إذا هاجت شياطينه". ​تمتمت ربى ببرود زائف: "لم يعد يهمني شيء". ​في تلك اللحظة، اخترق صوت خطواته الرخيمة الصالة، ليعلن "رعد" عن حضوره الطاغي. دخل وعيناه تقعان فوراً على ربى المرتمية في حضن أختها كعصفور م**ور الجناح، ينزف في صمت. التقت عيناه بعينيها المجهدتين؛ لم تكن تلك النظرة القوية المتحدية التي اعتادها منها، بل كانت عتاباً مريراً وكأنها تقول له: * هل استلذ كبرياؤك الآن؟ لقد هدمتَ جزءاً ثميناً في داخلي.. جزءاً أغلى من مزهريتك الثمينة، وأرقى من غرورك الذي تحاول إرضاءه*. ​كان جرحها الجسدي والنفسي لا يزال ينزف. ابتعدت ربى عن حضن سماء، حاولت الوقوف والصمود، لكن ركبتيها خانتاها. خفتت الأضواء في عينيها ولم تقوّ سوى على فبركة كلمات معدودة: "هيا... لنعد إلى القصر". ​شعرت بالأرض تميد من تحتها، وأخذت تغمض عينيها وتفتحهما بوهن ملحوظ. انتبه رعد لترنحها، وفي ثانية واحدة، تحرك بجسده الفارع محتضناً إياها قبل أن تسقط. كانت هذه هي المرة الأولى التي يقترب فيها منها إلى هذا الحد. فتحت عينيها المثقلتين، نظرت إلى ملامحه الرجولية القريبة بضعف شديد، ومع ذلك، جمعت شتات قوتها ودفعته عن ص*ره بخفة تامة وهي تهمس: "اتركني... لا تقترب مني". ​ترجلت نحو الباب بخطوات متثاقلة، ودموعها تتساقط بغزارة. في المرة الأولى خرجت من هذا البيت مسلوبة الإرادة، والآن تخرج بقدميها، لكن بروح مهشمة وخلفها وحش جبار لم يرحم أنينها. هو الذي تمنت في زوايا قلبها المظلمة أن يكون سنداً لها ولو لمرة، خذلها وأعادها إلى زنزانتها مغلولة اليدين. فتحت باب السيارة وجلست، وأسندت رأسها المتعب على الزجاج تمسح عبراتها، بينما تفوح منها رائحة الدماء الممتزجة بالخوف. همست بنبرة واجفة متوعدة: "أقسم يا أبي.. لن أغفر لك، ورائحة دمي هذه لن أنساها ما حييت". ​همّ رعد بالخروج واللحاق بها، لكن صوت "علا" الصغيرة استوقفه بنبرة مرتجفة: "أنت.. أيها الشاب!". ​التفت رعد نحوها، وارتسمت على ثغره ابتسامة لطيفة هادئة نا**ت قسوته المعهودة: "تفضلي يا صغيرتي.. قولي ما عندكِ". ​علا والدموع تنحدر على وجنتيها الصغيرتين: "لو كنت أعلم أن بقاءها هنا أفضل لها، لترجيتك أن تتركها.. كل ما أريده منك هو ألا تحزن ربى، فقد نال الحزن منها ما يكفي. أرجوك.. لا تضربها كما يفعل أبي". ​اقترب رعد منها، وبأطراف أصابعه مسح دمعتها برقة غير متوقعة: "لا تحزني.. لن أمد يدي عليها، وربى قوية.. ستحارب كل من يحاول إيذاءها". ​غادر رعد وترك الشقيقتين في حيرة عارمة؛ يبدو لطيفاً وممتلئاً بالشهامة، فلماذا تكرهه ربى إلى هذا الحد؟ ​دخل رعد إلى السيارة، وأدار المحرك منطلقاً بسرعة نحو القصر. ساد الصمت، ولم يكن يقطعه سوى شهقات ربى المتفلتة بين الحين والآخر من بين شفتيها المرتجفتين. ​لم يحتمل رعد رؤيتها بهذا المنظر، لكنه لم يرد إخبارها بأنه يعلم بأن والدها هو من تجرأ وضربها؛ كان يريدها أن تلجأ إليه وتخبره بنفسها. ولكن كيف تفعل وهي لا تراه ملجأ بل عدواً لدوداً تريد الفرار من عرينه؟ تحدث بنبرة هادئة حازمة: "أنتِ مصابة.. يجب أن نتوجه إلى المشفى فوراً لمعالجة جروحكِ". ​ردت ربى بنبرة جافة كالصحراء: "ليس لك شأن بجروحي.. جروحي الخارجية ستشفى يوماً وتزول، ولكن ماذا عن جروحي الداخلية؟ هل يملك مشفاك طبيباً يداويها؟" ​عمّ الصمت الخانق زوايا السيارة، فتابعت بسخرية مريرة: "لا يوجد.. أليس كذلك؟ إذن التزم الصمت حتى نصل". ​أغلق رعد عينيه لثوانٍ يكبح غضبه، وهمس في نفسه: لماذا كل هذا الكره؟. نظر إليها من جديد عبر المرآة: "كيف أُصبتِ بتلك الجروح الدامية إذن؟" ​هنا.. انفجر البركان الكامن في ص*رها. اندفعت إلى الأمام فجأة، وصارت تضرب بكل ما أوتيت من قوة وقهر على مقود السيارة (المقود) وهي تصرخ بهستيرية: "أتريد أن تعلم؟! أنت السبب! أنت وتلك المافيا القذرة التي جعلت من أبي وحشاً هائجاً بعد أن كان مجرد نكرة! أنتم سبب تدميري وتدمير عائلتي وعائلات أخرى! أنتم تعيثون في هذه الأرض فساداً، ويجب تطهير العالم من أمثالكم لنعيش بسلام!". ​ضغط على المكابح فجأة بقوة، لتحدث الإطارات صريراً مرعباً على الأسفلت قبل أن تتوقف السيارة على جانب الطريق المظلم والمقطوع. ​التفت إليها بجسده كله، وعيناه تشتعلان بغضب هادر كالعاصفة، قبض على معصميها بقوة ليوقف ضرباتها الهستيرية، وثبتها مكفلًا حركتها. اقترب بوجهه منها حتى شعرت بأنفاسه الساخنة الحارقة لفحت وجهها، وتحدث بنبرة فحيح مرعبة هزت كيانها: "انتهى العرض يا ربى!.. إياكِ وثوران هذا البركان أمامي، فأنا الإعصار الذي يبتلع البراكين ولا يبالي! تظنينني عدوكِ؟ تظنين أنني من دمر عائلتك؟ لو كنتُ الوحش الذي تتخيلينه، لتركتكِ الليلة تحت رحمة سياط أبيكِ ينهش لحمكِ حتى الموت! لكنني جئت.. جئت وانتزعتكِ من وسطه، ليس لأنني أريد التمتع بكِ، بل لأنكِ أصبحتِ تخصينني.. وما يخص رعد جاسر لا يلمسه إنس ولا جان!" ​جمدت ربى في مكانها، وعيناها متسعتان من الصدمة والخوف، لكن كبرياءها منعها من الخضوع. تلاقت نظراتهما الشرسة، وكان صمت الليل يبتلع أنفاسهما المتلاحقة. ​فجأة، ارتخت قبضته على معصميها عندما لاحظ قطرات دم جديدة بدأت تتسلل من تحت ثيابها لتلوث مقعد السيارة. تراجع خطوة إلى الخلف، وأطلق تنهيدة ثقيلة محملة بوجع لم يفهمه هو نفسه، ثم أدار محرك السيارة مجدداً وتحرك بسرعة جنونية، هذه المرة ليس نحو القصر... بل نحو وجهة أخرى ستغير كل حساباتها. ​صرخت رُبى بصوتٍ عالٍ: "إلى أين تأخذني؟ أجبني!". لم يتحدث رعد بكلمة واحدة، بل زاد من سرعة السيارة. هتفت رُبى بجنون: "أوقف السيارة، ألا تفهم؟! أقسم لك، إن لم توقفها وتجيبني إلى أين تأخذني، سأفتح باب هذه السيارة اللعينة وألقي بنفسي إلى الخارج، ولا يهمني ما سيحدث!". ​ظلَّ رعد صامتاً ولم يعِر جنونها أي اهتمام. وبحركة سريعة ومتهورة من رُبى، أمسكت بالمقود بقبضتها وبدأت تحرفه يميناً وشمالاً. كادت السيارة أن تسقط في هاوية جبلية مرعبة، لكن رعد تدارك الموقف وحاول إيقاف السيارة دون ضرر، إلا أنه لم يستطع السيطرة الكاملة عليها، فارتطمت بحائط جبلي بقوة حتى تهشمت مقدمتها تماماً. اصطدم رأس رعد بقوة بالمقود، ولم يرَ بعد ذلك سوى ظلام دامس. ........ ماالذي سيحدث لرعد وربى جرا الحادث ؟ والى أين سياخذ رعد ربى ؟
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD