الفصل السادس عشر
بعد ساعة من ارتطام السيارة بالحائط، استيقظ رعد وهو يشعر بصداع شديد. فتح عينيه ببطء شديد، واستعاد وعيه تدريجياً ليتذكر كل ما حدث. رفع رأسه بخوف ونظر إليها؛ كانت كالجثة، شاحبة الوجه بلا لون، والدماء تغطيها، وبعض شظايا زجاج السيارة مغروسة في جسدها. رفع يده المليئة بالجروح وهي ترتجف، وقرّب أصبعه من أنفها ليتفقد أنفاسها، فشعر بهواء خفيف دافئ يص*ر منها. أخذ نفساً عميقاً وحمد الله أنها ما زالت على قيد الحياة.
أغمض عينيه ومال إلى الخلف مستنداً إلى المقعد، وتوعد رُبى على ما فعلته اليوم؛ فلن يغفر لها هذه المرة، ففي كل مرة يسامحها تزداد جرأة وتمردًا. استقام في جلسته وحاول تشغيل السيارة دون جدوى، فأخرج هاتفه واتصل بصديق له، وأخبره أنه تعرض لحادث.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى وصل صديقه بسيارته. في تلك الأثناء، كان رعد يحاول إيقاظ رُبى دون جدوى، مما زاد من رعبه أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. عندما رأى صديقه، أخرج رُبى بسرعة وصعد بها إلى المقعد الخلفي.
سأله صديقه بدهشة: "من هذه؟ هل كانت ترافقك أثناء الحادث؟".
رد رعد بحدة: "ليس وقت الأسئلة الآن! إننا نخسرها، نبضها يضعف.. أسرع!".
قال صديقه: "سأذهب بكما إلى أقرب مستشفى".
هتف رعد: "لا! لا مستشفى، لا نستطيع.. خذني إلى روميو!".
تعجب صديقه: "ولكن الفتاة بحاجة لطبيب!".
قال رعد: "زوجة روميو طبيبة، هل نسيت؟".
رد الصديق: "أعلم، ولكنها لم تمارس الطب ولو لمرة واحدة في حياتها، أليس هذا خطيراً على الفتاة؟".
أجابه رعد قاطعاً: "ليس أمامنا حل غيرها، كما أنني كلما أصبتُ ولم أستطع الذهاب للمستشفى كنت آتي إليها.. أي أنها ليست المرة الأولى التي تمارس فيها الطب كما تظن".
وصلا إلى البستان، فنزل رعد مسرعاً حاملاً رُبى بين ذراعيه، وهو يركض ويصرخ بذعر: "روميو! روميو!".
خرج روميو ومعه زوجته ميرا مسرعين، وقد تسلل الرعب إلى قلبيهما من منظر الدماء.
سأل روميو بصدمة: "ماذا حدث؟ ومن هذه الفتاة؟".
أجابه رعد بأنفاس متقطعة: "إنها بحاجة للعلاج.. ميرا، أرجوكِ أنقذيها!".
نظرت ميرا إلى حالة الفتاة الحرجة وقالت بلهجة آمرة: "أدخلها إلى الداخل فوراً".
دخل رعد مسرعاً ووضعها بعناية على أريكة جلدية سوداء، فيما التفتت ميرا إلى زوجها وقالت: "روميو، أحضر لي صندوق الإسعافات الأولية بسرعة!".
ركض روميو مسرعاً وأحضر الصندوق الطبي ويداه ترتجفان، بينما بدأت ميرا بفحص نبض رُبى والاستماع إلى أنفاسها المتهدجة. التفتت إلى رعد وقالت بصرامة: "رعد، أحتاج منك أن تبتعد وتترك لي مساحة كافية، وجهز لي ماءً دافئاً وشاشاً نظيفاً".
كان رعد واقفاً كالمغيب، وعيناه لا تفارقان جسد رُبى الهامد. الدماء التي تلطخ وجهها الجميل كانت تثير في داخله مزيجاً مرعباً من الغضب والخوف؛ غضبٌ من جنونها الذي كاد يقتلهما، وخوفٌ حقيقي من فكرة أنها قد تختفي من حياته إلى الأبد.
تنحنح روميو ووضع يده على كتف رعد قائلاً بصوت منخفض: "تعال معي يا صاحبي، لنترك ميرا تقوم بعملها. أنت نفسك تنزف".
قاده روميو إلى الغرفة المجاورة، فجلس رعد بتعب وضغط على رأسه بيديه الملطختين بالدماء. سأله روميو بهدوء: "رعد... من هذه الفتاة؟ ولماذا جن جنونك هكذا؟ ولماذا رفضت الذهاب إلى المستشفى؟ أنت تعلم أن إخفاء شخص مصاب بهذا الشكل قد يضعنا جميعاً تحت طائلة القانون".
رفع رعد رأسه، وعيناه تشعان بنظرة حادة وغموض مخيف، وقال بصوت متحشرج: "إنها رُبى... ابنة علي، مساعد أبي. لقد ارتكب خطأً فادحاً في العمل تسبب في خسارة هائلة، ولأن أبي يعاقب كل من يخطئ بالموت، ولم يكن يستطيع معاقبة علي لمكانته، فقد أجبره على تزويجي بإحدى بناته دون مقابل؛ فزوجني ابنته رُبى رغماً عنها. لم تتقبلني قط، وحاولت الفرار من القصر للمرة الثانية، لكنها لم تنجح؛ ففي المرة الأولى كنت أنا من أحبط هروبها، وفي المرة الثانية اتصل بي والدها لآتي وآخذها بعد أن ضبطها. وعندما أخذتها، قررت نقلها إلى مكان آمن وأكثر تشديداً في الحراسة، لكنها مجنونة.. حاولت الانتحار لتهرب مني!".
اتسعت عينا روميو بصدمة: "رُبى ابنة علي صديق والدك؟! تجبرونه على التخلي عن ابنته؟! هذا لا يجوز! هل فقدت عقلك يا رعد؟ إن علمت الشرطة بوجودها هنا وهي في هذه الحال، صدقني ستكون في ورطة كبيرة...".
قاطعهما صوت صرخة مكتومة قادمة من الصالة. انتفض رعد من مكانه كالملسوع وركض نحو الداخل، ليرى ميرا وهي تحاول تثبيت رُبى التي بدأت تستعيد وعيها جزئياً، وتتحرك بهستيريا نتيجة الألم وهي تئن: "ابتعدوا عني... رعد... أنا أكرهك...".
اقترب رعد بسرعة، وأمسك بكتفيها بقوة وثبّتها على الأريكة، ونظر في عينيها الشاحبتين اللتين انفتحتا بصعوبة. التقت أعينهما، فكان في عينيه وعيد مخيف، بينما كان في عينيها ضعف ممزوج بالتحدي.
همس رعد بالقرب من وجهها وهو يجز على أسنانه: "وفري طاقتكِ أيتها المتمردة... فالموت كان سيرحمكِ مني، أما الآن وقد كُتبت لكِ حياة جديدة، فأقسم لكِ... سأجعلكِ تندمين على اليوم الذي فكرتِ فيه بلمس مقود سيارتي!".
نظرت إليه رُبى بنظرة ان**ار قبل أن تغيب عن الوعي مجدداً من شدة الألم، بينما التفتت ميرا إلى رعد قائلة بغضب: "إن كنت تريدها أن تعيش، فاخرج من هنا الآن! إنها تنزف وضغطها ينخفض، وكلامك هذا لا يزيد الأمر إلا سوءاً!".
تراجع رعد خطوة إلى الوراء، وشدّ على قبضته حتى ابيضّت مفاصله، ثم استدار وخرج إلى حديقة البستان تحت ضوء القمر، تاركاً خلفه ألف سؤال وعاصفة من الانتقام لم تبدأ بعد.
أما روميو، فقد صُدم من هول ما رآه؛ إنها تلك الفتاة نفسها التي أمسك بها في البستان قبل ساعات وساعد في إيصالها إلى منزلها! الآن فقط فهم لماذا ارتعدت خوفاً عندما ذُكر اسم السيد رعد أمامها. توجه إلى رعد غاضباً، وقال بصوت ممزوج بالاستنكار: "سيد رعد، هل تعذب تلك الفتاة المسكينة؟".
رعد ببرود: "وما شأنك أنت؟".
خفض روميو صوته قليلاً لكن بنبرة حادة: "بل تعذبها! لقد علمت الآن لماذا خافت تلك المسكينة عند ذكر اسمك على مسامعها، وأبت البقاء في منزلي حتى يحل الصباح".
نظر رعد إلى روميو وحدّق فيه بحدة: "لم أفهم.. من هي التي أبت البقاء حتى الصباح؟".
أخذ روميو نفساً عميقاً، وبدأ يقص على رعد تفاصيل ما حدث وعثوره عليها مسبقاً في البستان.
عقد رعد حاجبيه وقد فهم الآن كل شيء: "الآن فهمت كيف هربت.. لا بد أنها تسللت إلى الشاحنة التي تأتي إلى البستان المجاور لنقل الفواكه والخضار إلى القصر! آه يالها من فتاة، ستصيبني بالجنون! متى ستفهم أنها لن تستطيع مغادرة ذلك القصر إلا برضا مني؟!".
قال روميو محاولاً استعطافه: "يا سيد رعد، اترك الفتاة وشأنها، سوف تقتلها إن استمر حالها على هذا النحو".
رد رعد بلهجة آمرة وقاسية: "لا تتدخل في شؤوني! يبدو أنك نسيت من تكون ومن أكون لتُمطرني بالأوامر!".
خفض روميو رأسه بأسى شديد وجرح مكتوم من حديث رعد الجاف معه: "لا، لم أنسَ.. أنت السيد رعد، وأنا مجرد عامل في بستانك.. أنا أعتذر عن الكلام الذي تفوهت به". ثم استدار وهَمَّ بالرحيل.
شعر رعد بلسعة ندم على ما قاله لصديقه، لكن لم يعد ينفع الندم.. وعن أي شيء يندم؟ ففي حياته الكثير من الأشياء القادمة التي يوقن أنه سيندم عليها كثيراً.
......................
............
ولا تنسوا إضافة الرواية لمكتبتكم لتصلكم الفصول الجديدة أولاً بأول!"
..............
شاركوني آراءكم في التعليقات:
"هل تعتقدون أن رعد سينفذ وعيده لـ رُبى، أم أن حالتها الحرجة ستغير شيئاً في قلبه؟"
"كيف ستكون المواجهة القادمة بين رعد ورُبى بعد أن تستعيد وعيها بالكامل؟"
"هل سينتهي الأمر بـ ميرا وروميو في ورطة قانونية بسبب مساعدة رعد؟"