الملجأ الأخير

1236 Words
الفصل العشرون: كانت "سماء" تركض في الشوارع والأزقة الضيقة، تنفث أنفاسها المتسارعة وهي تبحث بجنون عن أختها الهاربة، والخوف من رجال الشرطة يطاردها كظلها. كانت ترغب بشدة في الاتصال بـ "رعد" لتخبر "ربى" بكل شيء، لكن جيوبها الفارغة خذلتها، فلم تكن تملك مالاً لشراء بطاقة اتصال. لم يكن أمامها سوى خيار واحد: التوجه مباشرة إلى القصر. حلّ الصباح، وأشرقت الشمس بخيوطها الذهبية، لكن "سماء" لم تصل بعد. كانت تشعر وكأن قلبها قد توقف عن النبض من فرط الرعب على شقيقتها. وفي تلك الأثناء، على الطريق المؤدي إلى القصر، كان "عمران" يقود سيارته الفارهة بسرعة جنونية. لمح من بعيد جسداً ضئيلاً يتحرك بتعب؛ كانت فتاة هزيلة، شاحبة الوجه، تترنح من الإعياء. ضغط على المكابح بقوة لتتوقف السيارة محدثة صريراً عالياً. أنزل زجاج النافذة وهتف بنبرة حازمة: — «أنتِ أيتها الفتاة! ماذا تفعلين هنا؟ هل تدركين خطورة هذا المكان؟» لم تلتفت "سماء" إليه، بل استمرت في السير وهي تمسح دموعها الساخنة بيديها.. اليدين اللتين كانتا لدهشتها ملطختين ببقايا دماء جافة! وقالت بنبرة حادة ومختنقة: — «لا شأن لك بي.. ابتعد!» ابتسم عمران باهتمام، وأوقف السيارة تماماً ثم ترجل منها قائلاً: — «اسمعيني.. إن كنتِ تحتاجين إلى المساعدة فأخبريني، أما إن كنتِ متسولة، فسأعطيكِ ما تريدين من المال وننهي الأمر.» نظرت سماء إلى حالها؛ ثيابها المرقعة، جسدها الهزيل، ويداها المحمرتان بالدماء. كان شكلها يثير الشفقة حقاً، لكن كبرياءها كان أعلى من ذلك. تابع عمران وهو يضيّق عينيه بنظرة فاحصة: — «لا، لا يبدو عليكِ التسول.. بل أرى وجهاً يهرب من جريمة!» ثم نقل نظراته الذكية مباشرة إلى يديها الملطختين. انقبض قلب سماء، وأخفت يديها بسرعة خلف ظهرها، وتراجعت خطوة للخلف وهي تحاول استجماع قوتها: — «ابتعد عني ولا تتدخل! أنت لا تعلم من أكون.. ستندم حقاً إن عرفت هويتي!» رفع عمران حاجبيه بتحدٍ وسخرية: — «حقاً؟ إذن أخبريني من تكونين، لقد أثرتِ فضولي وأريد أن أعرف.» أخذت سماء نفساً عميقاً، ورفع رأسها لتنظر في عينيه مباشرة، وقالت محاولة تزييف القوة: — «أنا ابنة زعيم عصابة من أكبر عصابات المافيا! وأختي متزوجة من أخطر رجل مافيا في هذه البلاد. لا يغرنك مظهري الهزيل وثيابي الممزقة، فأنا أنتمي لعالم الدماء.. ألا ترى يديّ؟ لقد ارتكبت قبل قليل جريمة بشعة! ليس لدي طاقة للحديث معك، فاغرب عن وجهي قبل أن أغير رأيي وأجعلك ضحيتي التالية!» لم تتسع ابتسامة عمران بل تحولت إلى ضحكة خافتة؛ فقد كان واضحاً أنها لا تجيد الكذب والتمثيل رغم صدق الدماء على يديها، وقال بنبرة هادئة: — «بصراحة.. لم تخيفيني أبداً. بل على الع**، لقد حركتِ رغبتي في الوصول إلى عائلتكِ، فأنا طالما حلمت بأن أكون زعيم مافيا!» أطلقت سماء زفيراً حاراً من قلة حيلتها، وشعرت أن قواها تنهار: — «ليس وقت مزاحك الآن.. أنا بحاجة للوصول إلى السيد رعد جاسر، أريد أن ألتقي بأختي فوراً! فالأمر طارئ ولا يحتمل التأجيل.» تغيرت ملامح عمران فور سماع الاسم. نزع نظارته الشمسية ببطء، ونظر إليها بجدية تامة هذه المرة وسألها: — «هل تريدين الذهاب إلى قصر السيد رعد؟ ومن هي أختكِ التي تودين الوصول إليها؟» أجابت بتلعثم: — «أنا سماء.. وأختي هي ربى.» اتسعت عينا عمران بذهول وقال: — «ربى؟! تلك القطة الشرسة هي أختكِ؟ إذن اسمعي.. هو ليس في القصر الآن. وإذا كنتِ تريدين الوصول إليه حقاً، فأنا السبيل الوحيد والأسرع لكِ.» نظرت إليه سماء، وقد ظنت في لحظة أنه يعتقد أنها تكذب أو يبحث عن ثغرة في كلامها، لكنها عندما تفرست في ملامحه، وجدت الصدق والجدية في عينيه. بلعت ريقها بتوتر وقالت: — «أتعدني بأنك ستأخذني إليه؟» أومأ عمران برأسه، وفتح لها باب المقعد الأمامي قائلاً: — «أعدكِ.. هيا، اصعدي إلى السيارة قبل أن يلمحنا أحد.» صعدت سماء وهي تجر أذيال الخوف والترقب، بينما أغلق عمران الباب، وعاد إلى مقعد القيادة. انطلقت السيارة بسرعة، وعقل سماء يضج بالأسئلة: من هذا الشخص؟ وهل يقودها إلى النجاة.. أم إلى جحيم آخر؟ وصل عمران بسيارته الفارهة إلى البستان نزلت سماء مسرعة من السيارة ​خطت "سماء" عتبة البستان بخطوات متعثرة، وجسدها يرتجف كقصبة في مهب الريح. وما إن أبصرت "ربى" تجلس تحت ظلال الأشجار، حتى انحلّت قواها وهرعت نحوها، والدموع تنهمر من عينيها كشلالٍ هادر لا يعرف التوقف. ارتمت في أحضانها وهي تصرخ بصوت مخنوق مزق سكون المكان: — "ربى... لقد انتهينا... كل شيء انتهى!" ​وقفت "ربى" مصدومة، وتجمدت الدماء في عروقها وهي ترى حالة أختها المزرية. التف الجميع حولهما في وجوم، حتى "عمران" نفسه الذي اعتاد الصلابة، صُعق وهو يرى "سماء"؛ تلك الفتاة التي طالما تدرعت بالصمود، وقد تهاوت كل حصونها وتحولت إلى كتلة من الضعف والان**ار بمجرد رؤية شقيقتها. ​تعلقت كلمات "سماء" في جوفها، وخنقتها العبرات والشهقات المتلاحقة. صرخت "ربى" والهلع ينهش نبراتها: — "ماذا حدث؟ أخبريني! انطقي يا سماء واجعليني أفهم!" ​ومن بين شهقاتها المتقطعة، خرجت الحروف مشوهة، ثقيلة، كالجبال: — "عـ... عـ... علا... هـ... هربت... هربت من المنزل ليلة البارحة!" ​انخطف لون "ربى" واستحال وجهها شاحباً كالموتى، تراجعت خطوة للخلف وهي تهمس بغير تصديق: — "أعيدي ما قلتِ... لم أفهم... هل تقولين إن علا هربت؟!" ​أومأت "سماء" برأسها إيجاباً وهي تنشج. في تلك اللحظة، زلزل الخوف ما تبقى من قوة في جسد "ربى". وبصوت يرتجف سألت: — "كيف حدث هذا؟ ولماذا؟" ​تدفقت الكلمات من "سماء" لتسرد التفاصيل المريرة؛ تفاصيل كشفت عن قسوة أبٍ تجرد من مشاعر الأبوه، وعن طفلة شجاعة انتفضت لتنقذ نفسها وأختها، فلم تجد سبيلاً للفرار من ذلك المصير المجهول ومن بطش والدها سوى الهروب، بعد أن تركت خلفها ما يشبه القصاص من ظلم أبيها. ​لم يستوعب عقل "ربى" هول الفاجعة، وبدأ جسدها ينتفض بعنف لدرجة أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. تشتتت أفكارها، وعلمت أن اللجوء إلى الشرطة لن يسعفهم، فالقانون يفرض الانتظار لأربع وعشرين ساعة قبل بدء التحرك رسميًا في قضايا الاختفاء، والوقت كان عدوهم الأول. ​التفتت برعب، وقالت بصوت محشرج: — "رعد... نعم، رعد! من يتصل برعد؟" تقدم "عمران" بخطى سريعة مخرجاً هاتفه: — "أنا سأتصل به، وأنتِ تحدثي إليه." ​لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى أتاهم صوت "رعد" عبر السماعة، جاداً وقاطعاً كعادته: — "قل ما عندك يا عمران، أنا مشغول للغاية إن لم يكن الأمر طارئاً." ​لكنه لم يستمع إلى عمران، بل أتاه صوتها هي... خافتاً، متهدجاً، وممزوجاً بتوسل مرير انطلق من بين شفتيها لأول مرة: — "أنا ربى يا رعد..." ​تسمر "رعد" في مكانه. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها اسمه يخرج من شفتيها، وشعر في تلك اللحظة وكأن لاسمه نغماً آخر وطعماً مختلفاً، لكن نبرة ان**ارها أ جفلت قلبه. تخلت اللهجة المتهكمة عنه وهو يسأل بجدية واهتمام: — "ماذا حدث؟" ​— "علا... علا هربت من المنزل، ونحن بحاجتك لنعثر عليها، أرجوك!" رد "رعد" دون تردد، وصوت محرك سيارته يزأر في الخلفية: — "مسافة الطريق وسأكون عندكِ." ​أجرى "رعد" اتصالات مكثفة وهو يقود بسرعة جنونية مستنفراً رجاله. وصل إلى البستان، ونظر إلى "ربى" محاولاً بث الطمأنينة في قلبها المرتجف: — "اهدئي... رجالي بدأوا البحث بالفعل، وسأذهب الآن بنفسي لأقتفي أثرها." اندفعت "ربى" قائلة: — "سآتي معك!" قبض على كتفيها بلطف ولكن بحزم: — "لا، ابقي هنا مع أختك، وجودكِ هناك لن يغير من الأمر شيئاً، اتركِ الأمر لي." ​انطلق "رعد" ومعه "عمران" يقطعان شوارع المدينة في سباق مع الزمن. وفي تلك الأثناء، كان منزل الأب "علي" قد أُغلق تماماً من قِبل الشرطة بعد نقل الجسد شبه الهامد إلى المستشفى، حيث وُضعت حراسة مشددة على باب غرفة العناية المركزة لضمان عدم فراره، بعد أن أصبحت كل الأدلة التي تدينه وتكشف عن جرائمه البشعة في قبضة العدالة. ............. ​إلى أين لجأت الطفلة "علا" في هذه الليلة الظلماء؟ وهل ستستطيع النجاة بمفردها من بطش والدها والمجهول؟ ​هل تعتقدون أن هرب "علا" كان شجاعة لإنقاذ نفسها، أم تسرعاً قد يوقعها في مخاطر أكبر؟ .............. فضلاً وليس أمراً، لا تنسين الضغط على زر النجمة (التصويت) وترك تعليقاتكنّ الجميلة بين السطور، والأهم: إضافة الرواية إلى مكتباتكنّ الخاصة لتصلكنّ التحديثات والفصول القادمة أولاً بأول. القادم أقوى بكثير! 🖤🔥
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD