الفصل الثامن :
عاد "أبو ربى" إلى منزله مع غسق ذلك المساء المثقل بالهموم، يجرّ خلفه أذيال معركة شرسة وطويلة خاضها في دهاليز أعماله القذرة والمشبوهة رفقة شريكه "رعد". كان التعب ينهش جسده، لكن قسوته المعهودة لم تخمد. ما إن وطئت قدماه عتبة البيت حتى زأر بصوت جهوريّ مرعب هزّ أركان المكان:
— سماء! علا! إلى هنا فوراً وبأقصى سرعة!
انتفض قلب "سماء" رعباً، وهرعت تعثر بخطواتها، يسبقها وجلٌ شديد وخوفٌ كتم أنفاسها. وقفت أمامه برأس منكّس وقالت بصوت متهدج:
— نعم.. نعم يا أبي، أنا هنا.
رمقها بنظرات تزدري طفولتها وضَعفها، ثم تساءل بنبرة حادة كالشفرة:
— أين تلك الملعونة الأخرى؟ أين علا؟
بلعت سماء ريقها الجاف وحاولت تبرير غياب شقيقتها:
— إنها.. إنها في الحمام يا أبي، ستأتي حالاً، أقسم لك.
في تلك اللحظة، أقبلت "علا" بخطوات مرتجفة، ووقفت بجانب شقيقتها الكبرى. كانت معالم وجهها الطفولي تكاد تنطق بالرعب، وعيناها تترقبان غضب هذا الرجل الذي من المفترض أن يكون أمانهما، لكنه كان جلّادهما.
وقف الأب فوق رأسيهما ككابوس جاثم، وبدأ يلقي عليهما ميثاق إذلاله اليومي، ذلك النصّ المقيت الذي يحفظنه عن ظهر قلب. سأل بصوت يقطر خُبثاً وتحكماً:
— أسمعاني جيداً.. ما الذي يعجبكما ويليق بأمثالكما؟ الملابس الفاخرة والحرير، أم الثياب العادية الرخيصة؟
أجابت سماء وعلا معاً بصوت خفيض مستسلم:
— العادية يا أبي.. الثياب العادية.
تابع الأب استجوابه السادي، وعيناه تتفحصان ان**ارهما:
— وهل يروق لكما الأكل الشهي اللذيذ الذي يُقدّم في أطباق فاخرة، أم طعام البطاطس والأرز الشحيح الذي تلتهمانه كل يوم؟
أطرقتا رأسيهما بقلة حيلة ونطقتا بصوت واحد:
— بل الأرز والبطاطس يا أبي.
استطرد متلذذاً بضعفهما:
— ومن الأفضل في نظركما؟ المشروبات الغالية والنادرة، أم كأس من الشاي البسيط؟
— كأس الشاي يا أبي.. كأس الشاي.
أطلق زفرة حادة وتابع:
— وهل من الأفضل أن تحظيا بالخادمات ليلبين طلباتكما، أم أن تخدما أنفسكما كالعقارات؟
— نخدم أنفسنا يا أبي، نخدم أنفسنا.
لوى الأب شدقيه بابتسامة صفراء وقال ببرود:
— إذن، طالما أنكما تعرفان مقامكما.. اذهبا إلى النوم فوراً دون ضجيج.
كانت "علا" صغيرة، لكنها جُبلت على فضول قاتل وشجاعة لم تنضج بعد. في كل مرة يعيد الأب هذا النص، يغلي الدم في عروقها الصغيرة. لم تتحمل هذه المرة، وقفت تحدّق في وجهه بعينين متسعتين، فلاحظ الأب نظراتها المتحدية وتجهم وجهه:
— ما بكِ تـحملقين بي هكذا؟ ما الذي دهاكِ؟
نطقت علا ببراءة طفولية لم تدرك حجم العاصفة التي ستقتلعها:
— يا أبي.. ولكنني أشتهي أن تذيقنا اللحم ولو لمرة واحدة! لقد تعبت أجسادنا وهزلنا من هذا الأرز وتلك البطاطس اليومية!
في تلك اللحظة، هاج الأب كوحش كاسر انطلق من عقاله. تملكه جنون عارم، وامتدت يده الغليظة لتقبض بقسوة على شعر "علا" المنسدل على ظهرها، ساحباً إياها بعنف أليم وهو يصرخ بنبرة حاقدة:
— إذن، أنتِ هي الحية الصغيرة! أنتِ النسخة المصغرة من أمكِ اللعينة الخائنة! يبدو أن ملامح التمرد بدأت تظهر عليكِ، ويجب التخلص منكِ وقمعكِ قبل أن تصبحي شابة متمردة كأمثالها!
ارتمت "سماء" على قدمي أبيها، تتوسل إليه بدموع حارقة وصراخ متوسل:
— أرجوك يا أبي! اتركها، إنها صغيرة! لا تعي ما تقول، إنها مجرد طفلة جاهلة!
لكن هذا التوسل الاستعطافي لم يزده إلا عتواً ونفوراً وطغياناً. سحل الأب طفلته "علا" وهي تصرخ وتتلوى بين يديه، وقذف بها داخل تلك الغرفة المظلمة؛ الغرفة التي شهدت أبشع ذكريات العائلة، والتي كان لـ "ربى" النصيب الأكبر من العذاب في عتمتها، حتى باتت ربى تصاب بالذعر من مجرد فكرة الظلام.
حاول الأب سحب الباب الحديدي ليغلقه عليهما، لكن "سماء" دفعت بجسدها الضعيف، وبسطت كلتا يديها لتمنع إغلاق الباب، صارخة بشجاعة نابعة من اليأس:
— يكفي يا أبي! أرجوك كفى! لقد عاقبتها بما فيه الكفاية، إنها ترتجف من الخوف، لا تغلق عليها الباب في هذه العتمة، أتوسل إليك!
اشتعلت عيناه بشرر الغضب الأعمى، والتفت إلى سماء قائلاً:
— آه.. إذن أنتِ من لقّنتها هذا الكلام؟! أنتِ من تبثين السم في رأسها!
صاحت سماء مدافعة:
— لا يا أبي! والله لا.. لا تأخذ كلامها على محمل الجد، إنها تهذي ولا تفقه ما تطلبه!
لم يستمع الأب لأي تبرير. امتدت يده ليقبض على السوط المعلق، وبدأ يجلد جسديهما الغضين بلا رحمة. تعالت الصرخات الممزقة للشغاف، وامتزجت أصوات الرجاء ببكاء مرير، لكن قلبه المتحجر لم يعرف اللين.
استمر في ضربهما حتى شعر بالإنهاك وبدأت قوى يديه بالوهن. رمى السوط بتعب، ونظر إليهما بنظرة حقر، ثم صفق الباب بقوة وأغلقه عليهما، تاركاً إياهما في عتمة حالكة لا ي**رها سوى أنفاسهما المتقطعة.
استندت "علا" إلى الحائط البارد، وتمتمت بنبرة تقطر حِقداً دفيناً وعيناها تلمعان في الظلام:
— أنا أكرهه.. أكرهه من كل قلبي! متى يأخذ ربي روحه لنستريح من هذا العذاب الأبدي؟
انفجرت سماء بالبكاء الصامت، واقتربت منها هامسة بذعر:
— اششش! اخفضي صوتكِ! هل تريدينه أن يسمعكِ ويعود ليكمل ما بدأه؟ ألم تكتفِ من جلد السوط الذي نهش جسدكِ الآن؟
نظرت علا إلى شقيقتها بحدة وتحدٍّ لا يناسب سنها:
— أتعرفين شيئاً؟ سأفعل ما لم تجرؤي أنتِ ولا ربى على فعله.. سأهرب! سأفرّ من هذا المنزل.. هذا ليس بيتاً، هذا جحيم مستعر، وأنا لن أبقى مستسلمة لحريقه.
فتحت سماء عينيها بصدمة وذهول، وأمسكت بكتفي علا بعنف وهي تهزها:
— ماذا؟! ماذا تقولين أيتها المعتوهة؟ أعيدي ما قلتِ، لعلي لم أسمع جيداً! أتهربين؟! ألا تدركين أن جحيم هذا المنزل، برغم بشاعته، أفضل بآلاف المرات من وحوش الخارج؟ عودي إلى رشدكِ! أنتِ ما زلتِ غرة صغيرة لا تعرفين الذئاب البشرية المفترسة في الخارج؛ إنهم ينهشون اللحم ويطحنون العظام بلا رحمة! لو كان العالم الخارجي آمناً كما تتوهمين، لغادرته "ربى" القوية الصامدة التي كانت تتحمل الصدمات، وليس أنتِ أيتها الطائشة الفضولية! انظري إلى أين قادنا فضولكِ الليلة!
ازداد بريق التحدي في عيني علا، ونطقت بقسم حاسم:
— أقسم بنَفَسي الذي يتردد في ص*ري، سأتخلص من هذا الجحيم، ولو كان ثمناً لخلاصي هو الموت، لقبلت به وابتسمت!
وضعت سماء يدها على فم شقيقتها وقالت مستغفرة:
— أستغفر الله العظيم! لست أدري بأي لغة تفهمين! حتى عقوبات أبي المتواصلة وجسدكِ المثخن بالجراح لم يعلّماكِ القواعد؟! يا عزيزتي علا.. انظري وتأملي، "ربى" التي كانت تضحي بنفسها وتتلقى الضربات نيابة عنكِ لكي لا تؤذي، قد رحلت وتركتنا! أما الآن، فقد انتهى ذلك الدرع، وعليكِ أن تدرسي قواعد أبي وحفظها عن ظهر قلب لكي لا تلقي نفسكِ وتلقيني معكِ في عذاب أبي . كوني فتاة مطيعة مستسلمة، وما قاله الأب قولي خلفه: "حاضر يا أبي"، واشطبي فكرة الهروب هذه من مخيلتكِ تماماً، لأن أبي لو سمعكِ تلمحين لها.. سيقتلكِ ويقبركِ هنا!
أشاحت علا بوجهها بنفور وضيق من نصائح شقيقتها:
— حسناً، حسناً.. لقد فهمت! ما زلتِ تكررين ذات الأسطوانة المملة.
تن*دت سماء بعمق ومسحت دموعها المنهمرة، ثم فتحت ذراعيها واحتضنت شقيقتها الصغرى بقوة، ساحبة إياها إلى دفء ص*رها. ورغم ظلمة تلك الغرفة الكئيبة التي لم تجمعهما إلا على مآسي العذاب، كان حضن سماء هو النور الوحيد والملجأ الآمن لعلا.
همست علا والدموع تغلبها وسط ذلك الحضن:
— أحبكِ يا سماء.. وأحب ربى كثيراً. لم أكن أشعر بالوحدة وأنتما معي.. أتمنى الآن لو أن ربى كانت بيننا، لكان هذا المكان أكثر دفئاً وأقل عتمة.
ردت سماء بنبرة يملؤها أمل واهن تحاول تصديقه:
— ستعود.. ستعود حتماً، أنا أعرف ربى جيداً، إذا لم يعجبها المكان الذي ذهبت إليه فلن تمكث فيه طويلاً.
تن*دت علا بعمق وقالت:
— أتمنى ذلك من أعماق قلبي، فقد تركت في داخلي فراغاً مرعباً.. حتى أبي، ألم تلاحظي أنه أصبح أكثر وحشية وس***ة ويعاقبنا بشكل مضاعف منذ غادرت؟
أومأت سماء برأسها في الظلام وقالت بحزن:
— نعم، لاحظت ذلك.. ولهذا السبب تحديداً، أرجوكِ، دعي عنكِ هذا الفضول اللعين، ولا تمنحيه ذريعة أو فرصة أخرى ليتفنن في تعذيبنا.
أغلقت علا عينيها مستسلمة لدفء شقيقتها وهمست:
— حاضر.. لا أعدكِ بشكل قاطع، ولكنني سأحاول.