ندم الماضي والحذر من الواقع

1710 Words
الفصل التاسع: تشابك الخيوط كانت خيوط اللعبة تتشابك في صمت، وكلما ظنّ أحدهم أنه أحكم قبضته على مجريات الأمور، ظهرت يد أخرى تحرّك قطعة جديدة فوق الرقعة. وفي تلك اللحظة، كانت مها تبحث عن الشخص الوحيد الذي اعتادت أن تضع أمامه مخاوفها وأسرارها دون أن تضطر إلى إخفاء ارتباكها: مارينا، صديقتها المقرّبة ومستودع أسرارها المظلمة. كلما ضاقت الدنيا بمها وشعرت بأن ص*رها لم يعد يتسع لأنفاسها، لجأت إلى مارينا. كانت تعرف أنها ستجد لديها أذنًا تصغي إليها، وربما عقلًا يقترح مخرجًا؛ لكنها لم تكن تدرك أن الغيرة التي تحملها صديقتها في قلبها قد تجعل ذلك المخرج طريقًا إلى خطر أكبر. كانت مارينا في السابعة والعشرين من عمرها، امرأة اعتادت أن تحيط نفسها بكل ما يشي بالفخامة. لم تكن تترك شيئًا للمصادفة؛ تختار ثيابها بعناية وتنسّق تفاصيل مظهرها كما لو أنها تستعد للظهور أمام جمهور لا يغيب عن عينيه شيء. طويلة ممشوقة القوام، ذات بشرة عاجية وعينين زرقاوين عميقتين، ينسدل شعرها المموّج على كتفيها فينعّم حدّة ملامحها. غير أن أكثر ما يحرّكها لم يكن حب الأناقة، بل هوس قديم برعد؛ رجل أحبّته من طرف واحد، وبذلت محاولات عديدة كي تظفر منه بنظرة تتجاوز المجاملة، لكنها لم تحصل على ما تمنّته. في ركن هادئ من مطعم فاخر، جلست مارينا قبالة مها. كانت فناجين القهوة على الطاولة، والحديث الدائر بينهما لا يشبه هدوء المكان. رفعت مارينا فنجانها إلى شفتيها وارتشفت منه ببطء قبل أن تسأل بنبرة مطمئنة: — ما بكِ يا عزيزتي؟ منذ وصلتِ وأنتِ شاردة. أنتِ تعرفين رعد أكثر من أي شخص آخر. ما يحدث الآن لا يتعدى نزوة تملّك، وسرعان ما سيملّ من هذه الفتاة ويطردها كما فعل بغيرها. لم تجب مها على الفور. بقيت تنظر إلى صديقتها، وملامحها مشدودة كأنها تحاول أن تقرر من أين تبدأ. ثم وضعت كفها على الطاولة وقالت بجدية: — لو رأيتِها بنفسكِ، لما تحدثتِ بهذه الثقة يا مارينا. إنها ليست كغيرها. عنيدة وحادة الطباع، ولا تتراجع بسهولة. تخيّلي أنها حتى الآن لم تسمح لرعد بأن يقترب منها كما يريد، ولم تستسلم له رغم كل ما يملكه من قوة ونفوذ. توقفت مها لحظة، ثم انخفض صوتها وهي تتذكر ربى: — هناك شيء في عينيها لا أستطيع وصفه لكِ. تبدو هادئة أحيانًا، لكن خلف هدوئها كبرياء لا ين**ر بسهولة. وكلما قاومته، ازداد تعلّقًا بها. هذا ما يخيفني؛ أخشى أن تتجاوز مكانتها عنده كل ما عرفه من قبل، وأن تصبح المرأة التي لا يستطيع إخراجها من قلبه. توقفت يد مارينا حول فنجانها. لم يتغيّر وجهها كثيرًا، لكن أصابعها شدّت على المقبض حتى ابيضّت مفاصلها. كان اسم رعد وحده كافيًا لإيقاظ الغيرة التي تحاول إخفاءها خلف أناقتها وهدوئها. فكرة أن تتمكن امرأة أخرى من الوصول إلى قلبه، بينما بقيت هي على هامش اهتمامه، كانت أشد عليها من أن تتقبلها بسهولة. وضعت الفنجان على الصحن، فص*ر عنه صوت خفيف، ثم مالت بجسدها إلى الأمام. التقت عيناها بعيني مها، وفي نظرتها بريق لم يكن فيه تعاطف خالص: — إذن أنتِ تخشين أن تأسر هذه الفتاة قلب شقيقكِ، وأن تسلبنا المكان الذي اعتدنا أن نحتله في حياته؟ تن*دت مها، وأراحت ظهرها إلى المقعد. بدا التعب في عينيها، لكنها لم تحاول إخفاءه: — نعم. لم يعد الأمر مجرد احتمال يزعجني؛ صار كابوسًا يلاحقني حتى حين أحاول النوم. أشعر أنني أفقد رعد شيئًا فشيئًا، ولا أعرف كيف أوقف ذلك. ساد بينهما صمت قصير. حرّكت مارينا ملعقتها في فنجانها، وعيناها غارقتان في التفكير. ثم توقفت فجأة ورفعت رأسها بابتسامة صغيرة لم تكشف ما وراءها: — ربما لا تحتاجين إلى إيقافه هو، يا مها. ربما يكفي أن نُبعد السبب الذي جعله يتغيّر. تصلّبت ملامح مها، وتعلّقت عيناها بوجه صديقتها: — ماذا تقصدين؟ اقتربت مارينا أكثر، وخفضت صوتها حتى لا يتجاوز حدود الطاولة: — لديّ خطة قد تقلب الموازين، لكنني لن أخبركِ بتفاصيلها قبل أن أعرف شيئًا واحدًا: هل تثقين بي حقًا؟ لم تتردد مها. كانت قد جاءت تحمل خوفها كما يحمل المرء جرحًا لا يعرف كيف يضمّده: — لو لم أثق بكِ، لما جئت إليكِ، ولما أخبرتكِ بما يمزّق قلبي. لم تبتسم مارينا هذه المرة. ثبتت نظرها على مها وقالت بصرامة: — إذن، عليكِ أن تسمعي إلى النهاية، وأن تلتزمي بما نتفق عليه. لا تتراجعي في منتصف الطريق لمجرد أن الأمر أصبح مخيفًا، ولا تتصرفي من تلقاء نفسكِ مهما استفزّكِ الموقف. ترددت مها. لوهلة، تسلّل إليها شعور بأن عليها أن تسأل عن طبيعة الخطة قبل أن تمنح موافقتها، لكن صورة ربى وهي تقف في وجه رعد عادت إلى ذهنها، وتبعها خوفها من أن تفقد شقيقها إلى الأبد. ابتلعت ريقها وأومأت برأسها. مالت مارينا نحوها وبدأت تشرح خطتها بصوت خفيض. لم تكن مها تقاطعها؛ كانت تتابع كل كلمة، وفي البداية راحت ملامحها تفقد لونها شيئًا فشيئًا. كلما اتضحت لها خطوة جديدة، ازداد إدراكها لخطورة ما قد تقدم عليه. مرّت في ذهنها صورة رعد حين يكتشف أن أحدًا تلاعب به، وتخيّلت غضبه إذا عرف أن شقيقته كانت جزءًا من المؤامرة. كادت أن تتراجع. تحرّكت شفتاها وكأنها ستعترض، لكن اسم ربى عاد يضغط على أفكارها، ومعه الخوف الذي استبدّ بها منذ لاحظت تغيّر رعد. ظلّت تنظر إلى مارينا، تحاول أن تجد في وجهها ما يطمئنها، لكنها لم ترَ سوى تصميم بارد يزداد وضوحًا. أخيرًا، أومأت مها موافقة. لم يكن خوفها قد اختفى، ولم تصبح الخطة أقل خطورة؛ لكنها اختارت أن تمضي فيها، مدفوعة بغيرة عمياء وخشية من أن تفقد مكانتها عند شقيقها. وهكذا، من بين فنجانَي قهوة وحديث خافت في مطعم هادئ، بدأت مؤامرة قد تمتد آثارها إلى أبعد مما تتوقعان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في مكان آخر، بعيدًا عن همسات مارينا ومها، وقف رعد إلى جوار الرجل الذي طالما رآه مص*ر قوته ومثاله الأعلى: والده جاسر. كان المكان فسيحًا وفخمًا، وتخيّم عليه سكينة لا يقطعها إلا صوت القدّاحة حين أشعل جاسر سيجاره. وقف رعد قربه باحترام مألوف، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا بالكامل؛ فقد كانت صورة ربى تعود إليه كلما حاول أن يصرف تفكيره عنها. كان جاسر رجلًا عربيًا ذا ملامح حادة وهيبة راسخة، وقد ورث رعد عنه كثيرًا من ملامحه وطريقته في الوقوف والنظر إلى الآخرين. وكانت والدة رعد الزوجة العربية الوحيدة بين زوجات جاسر، امرأة بقي أثرها حاضرًا في ذاكرة الرجل حتى بعد رحيلها بسنوات. أحبّ جاسر ابنه وصاغه على صورته في أشياء كثيرة، لكن ما لم يفهمه رعد بعد هو أن بعض ما ورثه عن أبيه لم يكن مص*ر قوة، بل جرحًا تناقلته الأجيال. نفث جاسر دخان سيجاره، ثم التفت إلى ابنه. تأمّل وجهه لحظة قبل أن يسأله بنبرة هادئة: — أخبرني يا بني، هل أعجبتك الفتاة الجديدة؟ تغيّرت ملامح رعد على نحو لم يفت أباه. خفّ التوتر الذي يسكن وجهه، وظهرت على شفتيه ابتسامة دافئة نادرة، كأن مجرد الحديث عنها أزاح شيئًا من ثقل يومه: — كثيرًا يا أبي... أكثر مما تتصور. ظل جاسر يراقبه، ثم أمال رأسه قليلًا. كان يعرف ابنه، ويعرف كيف يبدو حين يريد شيئًا، لكن البريق في عينيه هذه المرة كان مختلفًا: — يبدو أن الأمر تجاوز الإعجاب ال**بر، أليس كذلك يا صغيري؟ أدار رعد وجهه قليلًا، كأنه يريد أن يتهرب من دقة ملاحظة أبيه، ثم أجاب: — إنه إعجاب، لكن... بطريقة مختلفة. رفع جاسر حاجبيه، منتظرًا أن يكمل. سحب رعد نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يختار كلماته: — إنها ليست مثل النساء اللواتي عرفتهن. قد تراها هادئة، رقيقة الملامح، كغزال يترقب حركة من حوله، لكن ما إن تشعر أن أحدًا يحاول فرض إرادته عليها حتى تتبدّل تمامًا. تصبح كلبؤة لا تسمح لأحد بالاقتراب منها. إنها متمردة، وترفض الخضوع لي مهما حاولت. لم يعلّق جاسر مباشرة. خفض عينيه إلى السيجار بين أصابعه، وظل ساكنًا لبرهة. ثم أطلق زفيرًا طويلًا، لكن ما خرج معه لم يكن دخانًا فحسب؛ بدا كأنه يحمل شيئًا من ذكرى قديمة لم ينجح الزمن في إخمادها: — لقد جعلتني أرغب في رؤيتها. حديثك عنها يذكّرني بأمك. التفت رعد إليه، وقد اختفت ابتسامته قليلًا. لم يكن أبوه يتحدث عن زوجته الراحلة كثيرًا، وحين يفعل، كانت نبرة صوته تتغير على نحو لا يستطيع إخفاءه. تابع جاسر، وعيناه معلّقتان بشيء بعيد: — في البداية ظننت أمك عصفورًا جريحًا يحتاج إلى من يحميه، لكنني اكتشفت أنها أقوى مما تصورت. كانت ترفض أوامري، وتواجهني حين يعجز الآخرون حتى عن النظر في عينيّ. أحببتها من النظرة الأولى، واعتقدت أنني إذا امتلكتها، فسأضمن بقاءها إلى جانبي. توقّف قليلًا، ثم أطفأ رماد السيجار في المنفضة. وحين استأنف الكلام، صار صوته أثقل: — انتظرتها سنوات، لكنها لم تحبني كما أحببتها. وكلما ابتعدت عني، حاولت أن أشدّ قبضتي عليها أكثر. أقنعت نفسي أن القوة ستجعلها تبقى، وأنها ستعتادني مع الوقت. لكنني كنت مخطئًا يا رعد. تملّكتها بالقوة، ولم أ**ب قلبها يومًا. غادرت هذه الحياة وهي غاضبة مني، ولم تمنحني حتى في أنفاسها الأخيرة العفو الذي ظللت أرجوه. بقي رعد صامتًا. لم يعتد أن يرى أباه يعرّي ندمه بهذه الصراحة. كان جاسر في عينيه رجلًا لا ين**ر، لكن اعترافه الآن كشف له أن بعض الهزائم لا تترك ندوبًا ظاهرة، وأن الإنسان قد يقضي عمره كاملًا يحملها في داخله. مدّ جاسر يده وربت على كتف ابنه. كانت لمسته هادئة، لكن كلماته خرجت واضحة: — لا أريدك أن تعيش ما عشته. إذا رفضتك الفتاة من أعماقها، وإذا كان قربك منها يؤلمها، فاترك لها حق الاختيار. لا تجعل رغبتك في امتلاكها تدفعك إلى خسارتها وخسارة نفسك معها. نظر رعد في عيني أبيه. رأى فيهما ألمًا لم يستطع تجاهله، لكنه لم يكن مستعدًا بعد لأن يواجه ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى ربى. شدّ فكه، ثم قال بإصرار: — سأحاول بطريقتي أولًا يا أبي. أنا لا أريد منها سوى أن تنجب لي طفلًا يحمل دمي. انطفأ شيء من الأمل في وجه جاسر. أعاد نظره إلى ابنه، وقال ببطء: — الطفل لا يصلح ما يُفسده الإكراه، يا رعد. والمرأة ليست وعاءً لتحقيق رغبتك. إن أردتها أن تختارك، فعليك أن تمنحها سببًا لتفعل ذلك بإرادتها، لا أن تسلبها القدرة على الرفض. لم يجب رعد فورًا. تحركت عضلة في فكه، ثم قال مقتضبًا: — سأهتم بالأمر. لا تقلق. لم يبدُ جاسر مطمئنًا. أشاح بوجهه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يهمس: — أرجو ذلك يا بني... انتبه من الآن. فالندم مرير، ولا يعيد إلينا ما نخسره. ساد الصمت بينهما. بقي رعد إلى جوار أبيه، لكن كلمات جاسر ظلت تدور في رأسه. كان قد جاء إلى هذا الحديث معتقدًا أنه يملك زمام الأمر، وأن مقاومة ربى ليست سوى عقبة سيجد لها حلًا. أما الآن، فقد وُضع أمام حقيقة لا يريد الاعتراف بها: قد يستطيع فرض وجوده في حياتها، لكنه لن يستطيع إجبار قلبها على أن يختاره. ..................... هل يستمع رعد لنصيحة والده ام انه لن يلقى سبيل غير القسوة ​ما هي المؤامرة التي تحيكها مارينا في الخفاء؟ وهل ستنجح مها في مجاراتها، أم أن للخوف رأياً آخر في اللحظات الأخيرة؟ ​أسرار كثيرة بانتظاركم في الفصول القادمة.. فالرحلة بدأت للتو والأحداث القادمة ستشعل جو الرواية! 🔥 ​شكراً لأنكم هنا. إذا نال الفصل إعجابكم، لا تحرموني من دعمكم بالاشتراك والتعليق، فآراؤكم هي الحافز الأكبر لي لأكتب لكم بشغف أسرع. ​ما هي توقعاتكم لخطوة مارينا القادمة؟ انتظركم في التعليقات! ✨
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD