الفصل الثاني عشر: بين الكبرياء والامتلاك
أبعدت مها مارينا عن أحضانها، ثم مسحت بطرف أصابعها آثار الضحك عن وجهها وقالت:
«هيا بنا، سوف نتأخر على رعد. لا أريد أن نمنحه سببًا جديدًا للغضب».
رتبت مارينا ملابسها، وأعادت رسم ملامح الحزن على وجهها، ثم تبعت شقيقتها نحو السيارة.
كان رعد قد سبقهم إليها، جلس خلف المقود، وعيناه مثبتتان أمامه، بينما كانت أصابعه تنقر على عجلة القيادة بعصبية واضحة. لم يكن مستعدًا لسماع أي حديث، ولم يكن يريد سوى إنهاء هذا الأمر والعودة إلى القصر.
فتحت مها الباب الخلفي وجلست، وتبعتها مارينا، ثم انطلقت السيارة في طريقها إلى منزل العم جاك.
طوال الطريق، لم يتبادل رعد معهما سوى كلمات مقتضبة. أما مارينا، فكانت تراقب انعكاس وجهه في المرآة بين الحين والآخر، وتحاول قراءة ما يدور في ذهنه، لكنها لم تجد سوى ملامح جامدة لا تسمح لأحد بالتسلل إلى ما خلفها.
***
ما إن وصلت السيارة إلى منزل العم جاك حتى ترجل رعد منها، وأغلق الباب خلفه، ثم تقدم بخطوات ثابتة نحو المدخل.
استقبله الخدم، وقادوه إلى القاعة الرئيسية حيث كان العم جاك ينتظره.
كان العجوز جالسًا على أريكته المعتادة، وما إن لمح رعد حتى نهض مرحبًا به، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
«أهلًا بك يا رعد! كم يسعدني أن أراك. تفضل يا بني، لقد اشتقنا إلى زياراتك».
مد يده لمصافحته، لكن رعد اكتفى بمصافحته بفتور، ثم جلس على الأريكة المقابلة.
لم يكن حاضرًا بروحه؛ فقد جلس بجسد مثقل، وملامح جامدة، وعينين تخفيان اضطرابًا لا يريد لأحد أن يراه. كان أشبه بكتلة من الصقيع تخفي في جوفها بركانًا ثائرًا، ينتظر لحظة واحدة لينفجر.
لاحظ العم جاك اختلافه، فتلاشت ابتسامته تدريجيًا، وجلس قبالته متسائلًا:
«ما بك يا رعد؟ تبدو وكأنك تحمل أمرًا ثقيلًا. هل حدث شيء؟»
شبك رعد أصابعه، ثم أطلق زفرة طويلة قبل أن يقول:
«يا عم جاك، لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أشرح لك الأمر، لكن ما جئت لأجله لا يحتمل التأجيل».
تبدلت ملامح العجوز، وشعر بأن وراء تلك الكلمات أمرًا غير عادي.
«تكلم يا رعد، لا تجعلني أتخبط في الاحتمالات. لقد أقلقتني!»
رفع رعد عينيه إليه، وقال بلهجة مباشرة:
«أنا ومارينا نريد الزواج».
تجمدت ملامح العم جاك.
ظل ينظر إليه للحظات، وكأنه ينتظر أن يتراجع عن كلماته أو يضحك معلنًا أنها مجرد مزحة ثقيلة.
لكنه لم يفعل.
اتسعت عينا العجوز، وانف*جت شفتاه بدهشة:
«ماذا؟! أنت ومارينا؟! كيف حدث هذا فجأة؟! ألم تكن قبل أيام ترفض حتى التفكير في الارتباط بها؟ ما الذي تغير؟»
أجابه رعد ببرود:
«لقد وقعنا في الحب يا عم جاك... بل إننا تزوجنا سرًا بالفعل».
انتفض العم جاك من مكانه، وضرب كفًا بكف، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه.
«ماذا تقول؟! تزوجتما سرًا؟! هل فقدت عقلك يا رعد؟! كيف تتخذ قرارًا كهذا دون علمي؟ لا، أنا لا أقبل بهذا الأمر! هناك أمور تمنع ارتباطكما بهذه الطريقة، وأنت تعلم ذلك جيدًا!»
انعقد حاجبا رعد.
كان يعتقد أن العم جاك يشير إلى المشكلات التي أخبرته بها مارينا سابقًا، تلك المشكلات التي زعمت أنها قد تعترض طريق زواجهما.
فقال محاولًا تهدئته:
«لا تقلق يا عمي، أعلم أن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى تسوية، لكننا سنجد لها حلًا. لن نترك شيئًا يقف في طريقنا».
لكن العم جاك لم يبدُ مقتنعًا.
هز رأسه رافضًا، وقال بنبرة حملت خوفًا أكثر مما حملت غضبًا:
«أنت لا تفهم يا رعد... الأمر ليس بهذه البساطة. هناك أمور لا يمكن تجاوزها بمجرد قرار تتخذه في لحظة، فأنت...»
توقفت الكلمات على لسانه.
فقد كان ينظر إلى رعد، ويتساءل في داخله كيف يمكنه أن يسلم ابنته لرجل يعرف عنه الكثير. رجل لا يستقر في حياة امرأة، ولا يمنح قلبه فرصة للتعلق بأحد، ويستطيع أن يغادر أي علاقة حين يفقد رغبته فيها.
كان يحب ابنته، ويخشى عليها من حياة لا تعرف فيها الاستقرار، لكنه لم يكن يعلم كيف يواجه رعد بالحقيقة التي يخفيها في ص*ره.
أما مارينا، التي كانت تقف على مسافة منهما، فقد شعرت بأن الأرض بدأت تضيق تحت قدميها.
راحت تفرك كفيها ببعضهما، وتراقب والدها بعينين قلقتين. كانت تعرف أن حديثه قد يقود إلى شيء لا تريد سماعه، وأن استمرار اعتراضه قد يكشف ما حرصت هي ومها على إخفائه.
فتدخلت بسرعة، وقالت بصوت يحمل رجاءً مصطنعًا:
«أبي! أرجوك، لقد قال لك رعد إننا سنحل كل شيء معًا. لماذا تصر على تعقيد الأمور؟ أنت تعرف كم أحبه، وتعرف أنني لا أستطيع تنفيذ رغبتك في الابتعاد عنه».
توقفت قليلًا، ثم أضافت بنبرة أكثر ان**ارًا:
«أرجوك يا أبي، لا تجعلني أختار بينك وبينه».
لم تكن كلماتها موجهة إلى والدها وحده؛ فقد تعمدت أن يسمع رعد حديثها، وأن يظن أن اعتراض والدها يتعلق بالمشكلات التي أخبرته عنها، لا بأمر آخر قد يفضح سرها.
نظر إليها رعد للحظة، ثم أعاد بصره إلى العم جاك.
«أظن أن الأمر أصبح واضحًا يا عمي. نحن اتخذنا قرارنا، ولا أريد أن يتحول هذا اللقاء إلى جدال لا فائدة منه. لقد تزوجنا بالفعل، وما نحتاج إليه الآن هو أن نجد طريقة لتجاوز ما يعترض طريقنا».
أطرق العم جاك رأسه، ثم مرر يده على جبينه بتعب.
«وماذا سأقول لأمها؟! كيف سأخبرها أن ابنتها تزوجت دون علمنا؟ ماذا سأقول لها يا رعد؟»
تدخلت مها، التي كانت تراقب المشهد بصمت، وقالت بثقة:
«اترك هذا الأمر لي يا عمي، أنا من سيتولى إخبارها».
التفت إليها العم جاك بسرعة، وقال بنبرة قلقة:
«لا! لا يمكنك فعل ذلك الآن. أنت تعلمين حالتها الصحية، إنها تمر بمرحلة علاج حرجة، وأي صدمة قد تؤثر فيها. لا أريد أن أخاطر بصحتها».
أومأت مها بتفهم، لكنها لم تتخلَّ عن ابتسامتها الهادئة.
«حسنًا، لن أخبرها الآن. سننتظر حتى تتحسن حالتها».
عاد رعد إلى الحديث، وقد بدا عليه نفاد الصبر:
«يا عم جاك، نحن لن نضغط عليك في مسألة إخبارها. يمكنك اختيار الوقت المناسب بنفسك. لكنني أريد أن أعرف موقفك النهائي من زواجنا».
تن*د العجوز طويلًا، ونظر إلى مارينا، ثم إلى رعد.
كان يشعر بأن الجميع قد حسموا أمرهم قبله، وأن اعتراضه لن يعيد الزمن إلى الوراء.
قال أخيرًا بصوت خافت:
«وماذا عساي أن أقول؟! هل تركتم لي خيارًا من الأساس؟ لقد تزوجتما بالفعل، ولكن كان من المفترض أن يتم هذا الأمر بطريقة تليق بعائلتنا. لا بد من إقامة حفل زفاف يليق بكما وبمكانة العائلتين».
هنا تدخلت مارينا بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذه الكلمات لتقطع الطريق على أي اقتراح قد يفتح بابًا للأسئلة.
«لا يا أبي، أرجوك. لا أريد حفلات ولا ضجيجًا. أنت تعرف أن هذه الأمور تزعجني، وقد تجلب لنا الكثير من المتاعب. أريد فقط أن أذهب مع رعد، وأن نبدأ حياتنا بهدوء. هذه رغبتي ورغبته، أليس كذلك يا رعد؟»
نظر إليها رعد، ثم أومأ موافقًا:
«نعم يا عمي. لا أرى أن هناك حاجة إلى إقامة حفل. أنت تعرف أنني لا أحب صخب الأعراس، ولم أقم حفلًا لأي من زيجاتي السابقة، تجنبًا للضجيج والمشكلات التي قد تترتب عليها».
لم يجد العم جاك ما يقوله.
اكتفى بإطلاق زفرة مثقلة بالاستسلام، ثم قال:
«حسنًا، لكما ما أردتما. افعلا ما ترونه مناسبًا».
وهكذا انتهى اللقاء، وإن لم تنتهِ الأسئلة التي ظلت تدور في رأس العجوز.
بعد ذلك، انطلق رعد ومارينا لاستكمال إجراءات توثيق عقد زواجهما رسميًا، بينما رافقتهما مها لبعض الوقت، قبل أن يعود الجميع إلى القصر.
وهكذا أصبحت مارينا رسميًا زوجة رعد جاسر.
***
في القصر، كان عمران جالسًا في الصالون، وقد بدا عليه أنه لم يعد يحتمل الانتظار.
كان يميل بجسده إلى الخلف، ثم يعتدل، ويحرك أصابعه فوق ذراع الأريكة، وكلما وقعت عيناه على مارينا شعر بأن هناك تفاصيل كثيرة لم تُحكَ له بعد.
التفت إليها وسألها:
«والآن، هل يمكن أن أفهم كيف حدث كل هذا؟ وكيف أقنعتم العم جاك بهذا الزواج؟»
ابتسمت مارينا ابتسامة خفيفة، وقالت:
«لا تقلق، لقد وافق أبي في النهاية».
ضيق عمران عينيه، ثم قال:
«هذا ليس ما أسأل عنه. أقصد، هل يعرف العم جاك حقيقة ما حدث؟ هل يعرف كيف وصلت الأمور إلى هذه النتيجة؟»
تدخلت مها قبل أن تجيب مارينا:
«أبي يعلم أن رعد ومارينا تزوجا، أما التفاصيل الأخرى فلا يعلمها إلا هو».
عقد عمران حاجبيه.
«أي تفاصيل أخرى؟»
ابتسمت مها ابتسامة غامضة، ثم أجابت:
«لا تشغل نفسك بما لا يعنيك يا عمران. المهم أن الزواج أصبح رسميًا، وأن الأمور سارت كما أردنا».
لم يبدُ عمران مقتنعًا تمامًا، لكنه قرر تأجيل أسئلته، ثم مال بجسده إلى الأمام وشبك يديه أمامه.
«حسنًا، دعينا نترك موضوع الزواج جانبًا. هناك أمر آخر يشغلني منذ وصولي».
نظرت إليه مها:
«وما هو؟»
قال وهو يرفع حاجبيه:
«ما الذي يحدث مع رعد؟ ما الذي أصابه؟ ليست هذه المرة الأولى التي يدخل فيها امرأة إلى حياته، فلماذا يبدو هذه المرة وكأنه يحمل جبلًا فوق كتفيه؟»
تبادلت مها ومارينا نظرة سريعة.
ثم قالت مها بابتسامة باهتة:
«ربما لأن تلك الفتاة، رُبى، ليست كغيرها. إنها عنيدة، ولم تترك له سبيلًا لامتلاكها كما فعلت الأخريات».
أطلق عمران ضحكة قصيرة، ثم قال:
«إذن هناك امرأة استطاعت أخيرًا أن تجعل أخي يفقد هدوءه؟! كنت أظن أنني لن أعيش لأرى هذا اليوم».
لكن ضحكته لم تدم طويلًا؛ فقد عاد يفكر في ملامح شقيقه التي رآها عند عودته.
قال بجدية:
«سأذهب للتحدث معه. أريد أن أفهم ما يدور في رأسه قبل أن يرتكب حماقة جديدة».
نهض من مكانه، والتقط هاتفه، ثم غادر الصالون متجهًا إلى جناح رعد.
وما إن اختفى عن الأنظار حتى التفتت مارينا إلى مها، وقد تبدلت ملامحها تمامًا.
قالت بنبرة واثقة، وهي تنهض من مكانها:
«أما أنا، فسأذهب لأستعد. أريد أن أجعل هذه الليلة مختلفة، ليلة لا ينساها رعد، وسأبذل كل ما بوسعي لأجعله ينسى تلك الفتاة».
ابتسمت مها ابتسامة ماكرة، وقالت وهي تتابعها بعينيها:
«افعلي ما يلزم يا مارينا. اجعليه ينشغل بكِ حتى لا يجد وقتًا للتفكير فيها. تلك الفتاة تظن أنها قادرة على **ر رعد، ولا تعرف أنها لا تزال مجرد حشرة في عالمه. وحين يمل منها، سيسحقها دون أن يلتفت خلفه».
ضحكت مارينا بثقة، ثم صعدت الدرج بخطوات متعجلة.
***
كان رعد قد صعد إلى جناحه قبل الجميع.
فتح الباب ودخل، ثم توقف عند العتبة للحظات.
كانت رُبى تجلس على الأريكة براحة تامة، وقد وضعت ساقًا فوق الأخرى، وأمامها وعاء مليء بالمقرمشات. كانت عيناها معلقتين بشاشة التلفاز، تتابع فيلمًا بدا أنها مندمجة في أحداثه.
لم تلتفت عند سماع الباب.
ولم تكلف نفسها عناء معرفة من دخل، رغم أنها كانت تعرف جيدًا أن خطواته لا تشبه خطوات أي شخص آخر في هذا القصر.
ظل رعد واقفًا يراقبها.
كانت هادئة بصورة تستفزه.
كيف تستطيع الجلوس بهذه الراحة، وكأن وجوده في المكان لا يعني لها شيئًا؟ كيف يمكنها أن تواصل مشاهدة فيلمها، بينما هو يقف أمامها مثقلًا بكل ما حدث، عاجزًا عن انتزاع نظرة واحدة منها؟
تقدم خطوتين إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت الصوت يتردد في أرجاء الجناح.
لم تتحرك رُبى.
أخذت قطعة من المقرمشات، ووضعتها في فمها، ثم مدت يدها إلى الوعاء تبحث عن قطعة أخرى.
ضغط رعد على فكه.
كان ينتظر أن ترفع رأسها، أن تسأله عن غيابه، أو حتى أن تلقي عليه نظرة عابرة، لكنه لم يحصل على شيء.
اقترب منها أكثر، وقال بنبرة حادة:
«هل تعلمين؟ لقد تزوجت اليوم».
لم تتغير ملامحها.
ظلت عيناها على الشاشة، ثم أجابته بهدوء:
«وما شأني أنا؟»
كانت إجابة قصيرة، لكنها أصابت كبرياءه في موضع حساس.
تقدم حتى أصبح واقفًا أمامها، محاولًا أن يحجب عنها الشاشة.
رفعت رُبى عينيها للحظة، ونظرت إليه من أعلى إلى أسفل، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت:
«هل يمكنك الابتعاد؟ أنت تحجب عني المشاهدة».
اشتعل الغضب في عينيه.
«أنتِ لا تفهمين ما أقوله، أليس كذلك؟!»
أجابت وهي تعيد نظرها إلى التلفاز:
«بل أفهم جيدًا، لكنني لا أرى أن الأمر يستحق كل هذا الاهتمام».
اقترب رعد من الأريكة، وانحنى قليلًا نحوها، وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا:
«سأخبركِ ما شأنكِ. إما أن تخضعي لي، وتنجبي لي طفلًا يحمل اسمي، وحينها سأسمح لكِ بمغادرة هذا القصر بسلام، أو...»
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر قسوة:
«أو ستبقين هنا سجينة حتى يغزوكِ الشيب، وسأدخل زوجاتي الواحدة تلو الأخرى أمام عينيكِ، حتى تدركي أنكِ لستِ المرأة الوحيدة التي يمكن أن تكون في حياتي».
وضعت رُبى قطعة المقرمشات في الوعاء، ومسحت أصابعها بمنديل، ثم رفعت رأسها نحوه ببطء.
كان الغضب يتصاعد في داخلها، وكانت كلماته تطرق ص*رها كالمطارق، لكنها رفضت أن تمنحه متعة رؤية ان**ارها.
تأملته للحظات، ثم قالت بابتسامة ساخرة:
«وهل تظن أن وجود امرأة أخرى سيجعلني أركض إليك طلبًا للرضا؟»
لم يجبها.
تابعت وهي تثبت عينيها في عينيه:
«اسمعني جيدًا يا رعد. أنت تستطيع أن تدخل إلى هذا القصر بمن تشاء، وأن تتزوج من تشاء، وأن تملأ غرفه بالنساء إن كان ذلك يرضي غرورك. لكنك لن تستطيع إجبار قلبي على الشعور بشيء لا يريده».
اشتدت قبضته، لكنه ظل صامتًا.
أما هي فاعتدلت في جلستها، وأكملت:
«وأما تهديدك لي بالبقاء هنا حتى يغزوني الشيب، فلا أراه مخيفًا كما تتصور. أنا أتحداك يا رعد. إن لم أحصل على حريتي وأتمكن من الهرب، فستجدني في كل مرة تدخل فيها امرأة جديدة إلى هذا القصر، أقف في الشرفة نفسها، أنظر إليك باحتقار، ثم أشيح بوجهي عنك وأعود إلى فيلمي ومقرمشاتي، وكأنك لم تكن موجودًا».
ثم مالت إلى الخلف، وأخذت نفسًا هادئًا قبل أن تضيف:
«لن تراني م**ورة، ولن أمنحك تلك المتعة. لا تخلط بين قدرتك على إغلاق الأبواب وقدرتك على امتلاك البشر. تستطيع أن تحبس جسدي، لكنك لن تمتلك إرادتي».
كانت كلماتها تتساقط عليه واحدة تلو الأخرى.
لم يكن معتادًا أن يقف أحد أمامه ويتحدث بهذه الجرأة، ولم يكن معتادًا أن يعجز عن إسكات من يواجهه بنظرة واحدة.
قالت رُبى أخيرًا، وهي تعيد التقاط جهاز التحكم:
«والآن، إن انتهيت من تهديداتك، أريد أن أكمل فيلمي».
استقام رعد في مكانه، وظل ينظر إليها بعينين مشتعلتين.
كان يريد أن يصرخ، أن يحطم شيئًا، أن يجعلها تدرك أن كلماته ليست مجرد تهديدات عابرة، لكنه أدرك أن أي رد فعل عنيف سيمنحها دليلًا جديدًا على أنها استطاعت استفزازه.
استدار فجأة، واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال بلهجة مشدودة:
«لا تختبري صبري كثيرًا يا رُبى».
لم ترفع عينيها عن الشاشة.
«وأنت لا تختبر قدرتي على الاحتمال».
خرج وأغلق الباب خلفه بقوة.
بقيت رُبى تنظر إلى الشاشة، لكن عينيها لم تعودا تتابعان أحداث الفيلم.
كانت أصابعها تضغط على جهاز التحكم، وداخلها عاصفة من الغضب والخوف.
لم تكن كلماتها سهلة عليها كما بدت، ولم يكن تجاهلها له يعني أن قلبها لا يتألم. لكنها تعلمت أن إظهار ضعفها أمام رعد قد يتحول إلى سلاح يستخدمه ضدها.
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست لنفسها:
«لن أسمح لك بأن تنتصر عليّ... مهما كلفني الأمر».
***
خرج رعد من جناحه بخطوات غاضبة، واتجه نحو مكتبه.
كان ص*ره يعلو ويهبط، ويده تقبض على مفاتيحه بقوة. لم يكن غاضبًا من كلمات رُبى وحدها، بل من عجزه عن جعلها ترى فيه ما يريد.
دخل المكتب، فوجد عمران جالسًا على الأريكة، وقد بدا أنه كان ينتظره منذ بعض الوقت.
رفع عمران عينيه إليه، ثم أشار إلى المقعد المقابل:
«أخيرًا ظهرت. أريد التحدث معك».
ألقى رعد مفاتيحه على المكتب، وقال باقتضاب:
«هل الأمر مهم؟»
ابتسم عمران ابتسامة جانبية:
«ليس مهمًا في ذاته، لكنك أنت من جعلته مصيريًا».
عقد رعد حاجبيه، ونظر إليه باستغراب:
«أنا؟! وما الذي فعلته هذه المرة؟»
اعتدل عمران في جلسته، ثم أشار إلى وجهه:
«انظر إلى نفسك في المرآة يا أخي. ماذا حدث لملامحك؟ أين ذهب ذلك الرجل الذي كان يدخل أي مكان وكأن العالم كله ملكه؟ لقد رأيتك اليوم، ولم أتعرف إليك. حتى إنني ظننت أن أحدهم سرق رعد جاسر وترك لنا نسخة باهتة منه».
لم يضحك رعد.
اتجه إلى مكتبه، وسحب كرسيه، ثم جلس عليه بتعب.
قال محاولًا إنهاء الحديث:
«لا شيء يستحق كل هذا الاهتمام. مجرد بعض الأمور المتعلقة بزواجي المفاجئ من مارينا، وقد أزعجني الأمر قليلًا».
أطلق عمران ضحكة ساخرة:
«أزعجك زواجك من مارينا؟! عجبًا! منذ متى أصبحت تتأثر بالزواج؟ ليست هذه المرأة الأولى التي تدخل حياتك، ولا أظن أنها ستكون الأخيرة، إن بقيت على عاداتك القديمة».
ثم مال إلى الأمام، وخفتت نبرة المزاح في صوته:
«أهي مارينا حقًا يا رعد؟ أم أنك ترفض الاعتراف بأن تلك الفتاة التي تقف في شرفتك هي من تعبث بعقلك؟»
رفع رعد عينيه إليه، وظل صامتًا.
لم يكن السؤال جديدًا عليه، فقد كان يطارده منذ أيام، لكنه حين سمعه من عمران شعر وكأن أحدهم وضع يده مباشرة على الجرح الذي يحاول إخفاءه.
قال أخيرًا بصوت خافت:
«لا أدري يا عمران... لا أدري».
ثم أسند ظهره إلى الكرسي، ومرر يده على وجهه.
«لقد أصبحت أشعر أنني فقدت السيطرة على أشياء لم أكن أتخيل يومًا أنها قد تؤثر فيّ. سُلبت مني قوتي، أو ربما لم أعد أعرف كيف أستخدمها».
تأمله عمران باهتمام، ثم سأله مباشرة:
«هل أحببتها؟»
رفع رعد رأسه بسرعة، وكأن السؤال استفزه.
«الحب؟! لا أعرف إن كان ما أشعر به حبًا يا عمران. أنا لا أجيد هذه الأشياء، ولم أعتد أن ينبض قلبي لامرأة بهذه الطريقة».
سكت لحظة، ثم تابع:
«كل ما أعرفه أنني لا أحتمل رفضها لي. لا أحتمل أن تنظر إليّ وكأنني لا أعني لها شيئًا. إنها تقف أمامي، تتحداني، وترفض أن تخضع لي، وشيء في داخلي يدفعني إلى **ر ذلك الحاجز الذي وضعته بيننا. أريد أن أجعلها ترى فيّ الرجل الذي لا تستطيع تجاهله».
ابتسم عمران ابتسامة خفيفة، ثم سأله:
«وهل سألت نفسك يومًا إن كانت تريد أصلًا أن تراك بهذه الطريقة؟»
لم يجبه رعد.
أكمل عمران:
«يا أخي، أنت تتحدث عن رغبتك في امتلاكها، وعن رفضك أن تخسر أمامها، لكنك لم تتحدث مرة واحدة عن رغبتك في معرفة ما تريده هي. هل فكرت في سبب كراهيتها لك؟ هل حاولت أن تفهم ما الذي يجعلها تهرب منك بدلًا من أن تقترب؟»
اشتد وجه رعد.
«أنت تعرفني يا عمران. أنا لست رجلًا بلا مبادئ. قد أكون قاسيًا، وقد أفعل أشياء لا يقبلها غيري، لكنني لا أسمح لأحد بأن يهينني أو يسحق كبريائي».
هز عمران رأسه ببطء:
«ومن قال إن احترامك لنفسك يعني أن تفرض نفسك على امرأة لا تريدك؟»
نهض رعد من مقعده، واتجه نحو النافذة، ووضع يديه في جيبيه.
«لا أستطيع تركها».
قالها بصوت حاسم، وكأنه يعلن قرارًا لا يقبل النقاش.
رد عمران بهدوء:
«إذن أنت لا تبحث عن الحب يا رعد، بل عن انتصار. تريد أن تثبت لنفسك أنك قادر على إخضاع المرأة التي رفضتك».
استدار رعد إليه، وقد ظهرت في عينيه شرارة غضب:
«لا تتحدث وكأنك تعرف ما يدور داخلي!»
ابتسم عمران، لكنه لم يتراجع:
«أنا لا أدعي أنني أعرف كل شيء، لكنني أعرفك منذ ولدت. وأعرف أن الرجل الذي اعتاد أن يربح كل معركة قد يصبح أخطر على نفسه حين يرفض الاعتراف بأنه خسر واحدة».
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم قال عمران:
«اتركها يا رعد».
استدار رعد نحوه بسرعة:
«لا».
«لماذا؟»
«لأنني رعد جاسر، ولست الرجل الذي يُسحق بسهولة».
تن*د عمران، ثم قال:
«ومن أخبرك أن تركها يعني أنك سُحقت؟ ربما يكون وجودها في حياتك، بهذه الطريقة، هو ما يسحقك فعلًا. أنت تخسر هدوءك، وتخسر قدرتك على التفكير، وتدخل في زواج لا تريده، ثم تعود لتصب غضبك عليها لأنها لم تمنحك ما تريد. إلى متى ستظل تدور في هذه الدائرة؟»
لم يجب رعد.
ظل واقفًا أمام النافذة، يراقب انعكاس صورته على الزجاج.
قال بعد لحظات:
«ستحبني يومًا ما. أنا واثق من ذلك. سيأتي اليوم الذي تنظر فيه إليّ بطريقة مختلفة، وستدرك أنني الرجل الذي تستطيع أن تمنحه قلبها».
ابتسم عمران، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من المزاح والقلق:
«أخشى يا أخي أن يأتي ذلك اليوم، لكن ليس بالطريقة التي تتخيلها. أخشى أن تكون أنت من يستسلم قلبه لها أولًا، وأن تكتشف متأخرًا أنك دخلت هذه المعركة وأنت لا تعرف قواعدها».
التفت رعد إليه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.
«لا يهمني من يستسلم أولًا. المهم أنها ستراني يومًا كما أريد، وإن كان قلبي هو السبيل إلى ذلك... فلا بأس».
تأمل عمران شقيقه طويلًا، ثم هز رأسه وكأنه أدرك أن الحديث لن يغير شيئًا في هذه اللحظة.
أما رعد، فعاد ينظر من النافذة.
كان يرى انعكاس وجهه، لكنه لم يكن يرى الرجل الذي اعتاد أن يكونه.
ففي مكان ما خلف ذلك الباب، كانت امرأة تجلس أمام شاشة التلفاز، تأكل مقرمشاتها، وتتابع فيلمها، دون أن تعلم أن كلماتها البسيطة قد أشعلت في داخله معركة لم يعرف كيف ينتصر فيها.
وللمرة الأولى، لم يكن أكثر ما يخشاه رعد أن يخسر امرأة...
بل أن يكتشف أنه أصبح عاجزًا عن العيش دونها.
***
قارئي العزيز، أنت من تمنح قلمي القدرة على نسج الحكايات وصناعة العوالم. قد لا يستغرق تفاعلك بإعجاب أو تعليق سوى ثوانٍ، لكنه يعني لي الكثير، ويمنحني دافعًا للاستمرار وتقديم الأفضل دائمًا.
شكرًا لأنك تمنح حروفي جزءًا من وقتك، وشكرًا لكل قلب يرافقني في هذه الرحلة.
..........
"قارئي أنت من تلعب بقلمي لينسج أسطورة ، تفاعلك بـ إعجاب أو تعليق بسيط يستغرق منك ثوانٍ، لكنه يعني لنا الكثير ويشجعنا على تقديم الأفضل دوماً. شكراً لوقتك ودعمك