الفصل الرابع عشر:
نهضت ربى والذعر ينهش جسدها المرتجف، كان الخوف يخرج مع أنفاسها المتهدجة وهي تقول بنبرة متوسلة: "هيا لنذهب يا سيد روميو.. أرجوك، أنا لا أستطيع البقاء هنا لثانية واحدة أخرى".
تسلل الشك إلى قلب روميو وهو يراقب ملامحها التي تيبست فجأة لمجرد ذكر اسم "رعد"، لكنه فضّل ألا يزيد من رعبها قائلًا بهدوء: "ولكن.. الشاحنة لم تكتمل بعد يا ابنتي".
لم تنتظر، بل تحركت بخطوات مضطربة وهي تقول: "إذن سأذهب بمفردي.. فقط أرشدني إلى الطريق، أخبرني أي درب أسلك!".
اقتربت منها ميرا بنظرات تملؤها الحيرة والشفقة: "ما بكِ يا عزيزتي؟ هل تعرفين السيد رعد؟ لمَ أصابكِ كل هذا الذعر لمجرد سماع اسمه؟".
تسمّرت الكلمات في حلق ربى، وشعرت بأنفاسها تضيق، فالحقيقة إن ظهرت ستعني هلاكها.. سيسلمونها له! ابتلعت غصتها وقالت بصوت واهن: "أنا.. أنا لا أعرفه شخصياً، ولكنني.. أسمع عنه وعن قسوته".
حاول روميو تهدئتها مبرراً: "لا تصدقي كل ما يقال، فهو رجل طيب في أعماقه، ولا يؤذي من لا يستحق الأذى".
صرخت ربى في سرها بمرارة: «رجل طيب؟! يقول عن ذلك الشيطان رجل طيب! لو لم أذق جحيمه لصدقت هذا القناع!»، لكنها قطعت الحديث قائلة بقلة صبر: "متى سننطلق؟".
أشفق روميو على حالتها وقال: "بما أنني لن أرافق الشحنة، فدعنا ننطلق الآن".
ودعتها ميرا بقلب مثقل، وعانقتها وهي توصيها بأن تنتبه لنفسها وألا تضل الطريق مجدداً، متمنية أن تراها ثانية. لكن ربى لم تكن تسمع سوى دقات قلبها الهاربة.
انطلق بها روميو حتى أوصلها إلى حدود حيّها. انتظرته ربى خلف ظلال الجدران حتى غادرت سيارته تماماً، ثم خطت بجسدها المنهك نحو منزل والدها. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين طرقت الباب بيدين مرتعشتين.
انفتح الباب ببطء، ليطلّ منه وجه والدها، علي. وقف يطالعها بنظرات حادة، مسح جسدها من أسفل قدميها إلى رأسها بنظرة خالية من أي عاطفة أبوية. تجمّد الدم في عروق ربى، واشتبكت أصابعها بتوتر مميت.. ماذا ستقول له؟ هل تخبره أنها هربت من جحيم زوجها؟ سيعيدها إليه حتماً.
قال الأب بصوت جاف كأرض قاحلة: "ربى؟ من أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت؟".
تحشرجت الكلمات في ص*رها، وأشارت بوهن بوعيها المتأرجح إلى الخلف قائلة بكذب مفضوح: "إنه.. إنه هو من أحضرني يا أبي.. رعد".
لمعت عين الأب بشك قاتل: "هل قلتِ رعد؟ ولكن ملامح وجهكِ المذعورة تقول شيئاً آخر تماماً!".
سقطت دمعة من عينها وهتفت بخوف: "أقسم لك يا أبي.. أنا لا أكذب!".
تراجع الأب خطوة للداخل وقال ببرود غريب: "ادخلي.. وسنعرف الحقيقة حالاً".
في تلك اللحظة، رأت ربى الموت في عيني والدها. علمت أن هذا البيت ليس مأمناً، بل هو المقبرة ذاتها. تراجعت للخلف خطوة.. ثم خطوة، وفي لحظة غفلة منه، استدارت وأطلقت لساقيها العنان تركض في عتمة الليل. لكن جسدها المنهك لم يسعفها، وكانت يد والدها أسرع.. انقضت على معصمها كقيد حديدي، كقبضة شيطان لا أب.
سحبها بقسوة شديدة، وهمس فوق أذنها بفحيح كفحيح الأفعى: "أتظنين أنكِ ستنجحين بالفرار مني كما فعلتِ في المرة السابقة؟ لا يا ابنتي العزيزة.. من قال لكِ إنكِ تملكين حريتكِ؟".
دفعها إلى الداخل بقوة رمتها أرضاً، وسحب هاتفه بملامح جامدة متصلاً برعد. لم يأتِ رد في المرة الأولى، فعاود الاتصال.. وفي المرة الثانية، ارتدّ صوت رعد الثقيل عبر سماعة الهاتف.
كانت ربى في تلك الأثناء جاثية تحت أقدام والدها، تتشبث بثيابه، وتبكي بنشيج يمزق الص*ر، تتوسل إليه بألا يخبره.. ولكن عندما اهتز الص*ر بالصوت الرخيم من الهاتف، سقطت يداها أرضاً، وأدركت أن كل رجاء قد مات.
قال الأب علي بحزم: "أين ربى يا رعد؟".
أتاه صوت رعد متهدجاً بالنوم، يتثاءب ببرود: "هل هذا وقت لتسأل فيه عن ابنتك؟ إنها نائمة في غرفتها الآن".
أطلق الأب ضحكة استهزاء مريرة، ونظر لربى القابعة تحت قدميه: "يبدو أن سلطتك وقصرك المنيع مجرد كلمات تخرج من الفم يا سيد رعد.. ربى بجانبي الآن، في منزلي!".
فزّ رعد من فراشه كمن أصابته صاعقة، واشتعلت النيران في عروقه وهو يتجه بخطوات متسارعة نحو غرفتها: "أقسم بالله إن كنت تحاول اللعب معي.. فلن أغفر لك هذه الجرأة!".
فتح رعد باب الغرفة بعنف.. ليجد السرير مرتباً، والوسادة باردة. بحث في كل زوايا الجناح فلم يجد لها أثراً. احتقن جسده بالغضب، وضاق نفسه، وصاح بنبرة حادة كالسيف: "أنا قادم!".. ثم أغلق الخط.
أُنزل الهاتف، والتفت الأب علي إلى ربى التي كانت تطأطئ رأسها إلى الأرض، ودموعها تبلل البلاط البارد. قال بصوت وحشي: "تهربين يا ربى؟ يبدو أن تربيتي لكِ لم تكن كافية.. لكنني الآن سألقنكِ درساً يجعلكِ تتمنين الموت قبل أن تفكري بالهروب مرة أخرى".
ونهال عليها بكل ما أوتي من قسوة. استقوت رجولته على ضعفها وقلة حيلتها، وبدأ يضربها بلا رحمة. تعالت صرخاتها المكتومة، لتستيقظ أختيها، "سماء" و"علا"، مفزوعتين على صوت الارتطام والبكاء.
ركضت سماء وهي تبكي، حاولت بجسدها النحيل أن تبعد أبيها عن أختها المرمية على الأرض، والتي كانت تتلقى الصفعات والضربات واحدة تلو الأخرى، لكن دون جدوى.. دفعهما الأب بعيداً.
صرخت ربى برجاء يقطع نياط القلب: "أرجوك يا أبي.. أرجوك لا تعيدني إليه! إنه يستمتع بتعذيبي وسجني.. أقسم لك بأنني سأكون مطيعة لك، لن أطلب شيئاً، ولن أتزوج رجلاً آخر أبداً.. فقط لا تعيدني إليه!".
لم يرق قلبه، بل امتدت يده الغليظة لتتجمع في قبصته خصلات شعرها المتطاير، وسحبها بقوة رهيبة إلى الأعلى حتى استقامت واقفة وهي تصرخ من الألم، وفي غمرة غضبه، دفعها بكل قوته..
ارتطم رأس ربى بحافة الطاولة الخشبية الحادة. سُمع صوت الارتطام جافاً ومرعباً.. سقطت ربى على الأرض فوراً وانكمشت على نفسها كجنين يحتضر، وضغطت بيدها المرتجفة على غرتها حيث انفتح جرح غائر ترشح منه الدماء بغزارة مرعبة، لتغطي وجهها وشعرها وثيابها خلال ثوانٍ.
أصبحت ربى غارقة في دمائها. ركضت سماء وهي تبكي بصمت مرير، تبحث بضياع عن أي قطعة قماش لتوقف هذا النزيف المرعب. أما "علا".. تلك الطفلة البريئة، فقد تجمدت في زاوية الغرفة، تنظر برعب مستميت، وجسدها الصغير ينتفض كعصفور بلله المطر، ودموعها تسيل بصمت، دون أن تملك القوة أو الجرأة لتوقف هذا الجحيم.
حاولت سماء جاهدة إيقاف الدم، لكن الجرح كان عميقاً والنزيف يرفض التوقف.
وقف الأب فوقهما، ينظر بجفاء، وقبل أن يخرج من المنزل قال بنبرة خالية من الرحمة: "لو لم تعاندي زوجكِ وتلوذي بالفرار.. لما حدث لكِ هذا".
بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي خلفه، رمت ربى بجسدها المنهار في حضن سماء، وانفجرت بالبكاء.. بكاء مرير، بصوت عالٍ ومحترق، صوت يخرج من أعماق روح م**ورة. لم ترَها سماء بهذا الضعف والخضوع من قبل. احتضنتها سماء وهي تبكي بصمت، عاجزة عن قول أي كلمة وعن مواساتها.. فهي لا تعلم أي جحيم عشته أختها لتفر منه، وتعود إلى جحيم أبيها الذي لا يرحم.
أشارت الساعة إلى الرابعة فجراً.
ساد الهدوء المرير المنزل، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس ربى المتألمة، حتى قطع هذا السكون طرقات عنيفة وهمجية على الباب. كان رعد قد وصل، وعيونه تقطر شراً، يتوعد لتلك الماكرة التي تجرأت على الهروب من قبصته.
ركضت الطفلة علا لتفتح الباب بخوف. نظرت إلى الرجل الضخم الواقف أمامها، ولم تكن تعرفه، فهذه هي المرة الأولى التي تراه فيها.
سألها رعد بنبرة حادة وصارمة: "أين أبوكِ؟".
ردت علا بصوت مرتجف: "لقد.. لقد رحل".
نظر رعد إلى ملامح الطفلة الخائفة، وانحنى بمستواه إليها، وحاول تهدئة نبرته قليلاً: "انظري إلي.. إذا طرق أحد الباب في هذا الوقت لا تفتحيه قبل أن تتأكدي من الطارق، مفهوم؟".
أشاحت علا بنظرها عنه بحزن طفولي وقالت: "أنا أعلم.. أختي ربى دائماً تخبرني بهذا، لكنني ظننتك أبي".
التفتت ملامح رعد بابتسامة باهتة ومستغربة، ففي ملامح هذه الصغيرة شبه كبير من ربى.. ثم سألها: "إذن.. أين ربى؟".
حدقت علا في عينيه بنظرة ذكية ومحملة بالأسى: "إذن.. أنت الرجل الذي تزوج أختي؟ ولكن.. لا يبدو عليك أنك رجل سيئ.. فلماذا هربت ربى منك؟".
شعر رعد بضربة في ص*ره من سؤالها، وقال بنبرة غامضة: "لا أعلم..".
رفعت علا إصبعها الصغير تشير به إليه، وقالت ببراءة جارحة: "أم أنك تضربها.. كما يفعل أبي؟".
تصلب جسد رعد، وتغيرت ملامحه تماماً، سألها بصوت انخفض من شدة الصدمة: "هل.. هل أبوكِ يضربها؟".
أومأت علا برأسها بأسى وتأكيد، والدموع تترقرق في عينيها: "نعم.. وليس هي فحسب، إنه يضربني أنا وأختي سماء أيضاً.. حتى إن أبي اليوم كاد يقتل ربى.. لقد ضربها حتى انفتح في رأسها جرح مميت.. إنها الآن في الصالون، وأختي سماء تحاول أن تعالجها، لكن الدماء لا تتوقف أبداً.. وجهها كله دم".
في تلك اللحظة.. شعر رعد بغليان بركاني في دمه، وضاقت عيناه بغضب أ**د. شعر بـ غصة لم يعهدها من قبل، واجتاحته موجة من الندم والغضب الأعمى، وحلف يميناً في سره بأن يذيق "علي" عذاباً لم يخطر على بال بشر.
ومن الداخل، ارتفع صوت سماء المن**ر وهي تنادي بخوف: "علا.. مع من تتحدثين؟".
التفتت علا نحو الداخل وصاحت بصوت طفولي حزين: "سماء.. هذا زوج ربى قد جاء!".
........
ولا تنسوا إضافة الرواية لمكتبتكم لتصلكم الفصول الجديدة أولاً بأول!"
........
"أجمل ما في رحلة الكتابة هو أنني لا أسير فيها بمفردي، بل برفقة قراء رائعين مثلكم! تعليقاتكم وتوقعاتكم للأحداث وتفاعلكم مع كل مشهد يسعدني ويدفعني لتقديم الأفضل دائماً. شكراً لكل من وضع بصمته هنا بإعجاب أو كلمة طيبة.. ترقبوا القادم، فما زال في جعبتي الكثير لكم!"