طُرق الباب فجأة.
انتفضتُ وأغلقتُ كتاب مذكراتي ثم صرخت: "أدخل."
"الرقم تسعة؟ القائد يريدك حالاً" قال لي الرجل فور دخوله.
تن*دتُ ثم نهضتُ من السرير وخرجتُ برفقته.
طرقتُ باب مكتب والدي أو كما يريدني أن أناديه "القائد باكرز".
التفت والدي بكرسيه الدّوار وبذلته السوداء المثالية قائلا بهدوء: "هل يمكنكِ شرح ماحصل بالأمس؟"
أجل بالأمس كانت لدينا مهمة صعبة وهي اللحاق بقاتل قام بسلسلة ضخمة من جرائم القتل ولم تستطع الشرطة الإمساك به.
أعدتُ سؤاله وأنا أدّعي الغباء فأنا لا أريد الإعتراف بأني أخفقت: "ماذا حصل بالأمس؟"
ض*بَ والدي على مكتبه المصنوع من خشب الماهوغاني ثم قال بحنق: "لا تجيبيني بسؤال يارقم تسعة!"
لم أجيبه بشيء.
عاد والدي يقول: "لقد تركتي ذلك المجرم يلوذ بالفرار!"
قاطعتهُ بسرعة: "لقد واجهتني مشاكل في حشو المسدس."
صرخ والدي مجدداً: "سحقاً يارقم تسعة لقد مضى على تجنيدكِ عاماً ولا تعرفين كيفية حشو مسدس؟!"
في الحقيقة أنا أعرف كيف أقوم بحشو مسدس ولكن طالما كنت أخشى الأصوات العالية وارتعبُ منها، لذا أنا دائماً أكره الشجار وأكره أن يصرخ في وجهي أحد.
نهض والدي ثم أخذ نفساً عميقاً بعد أن فقد الأمل من تبريراتي وقال: "أنتِ معاقبة، ابتداءً من الغد ستقومين بتوزيع الأطعمة على الغرف بدلاً من السيدة ميلز، هل هذا مفهوم؟"
أومأتُ برأسي نعم. كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون والدي؟
"إنصرفي." قال بهدوء دون أن ينظر لي.
هذا الرجل يفقد إحترامي له مع كل دقيقة.
في منتصف الليل أيقظتني ضجة قادمة من الجناح الغربي.
وددتُ النهوض والتحقيق في الأمر ولكني متعبة ولدي عمل في الغد لذا قررتُ النوم.
في صباح اليوم التالي استيقظتُ مبكراً وذهبتُ للسيدة ميلز مديرة المطبخ فألبستني ثياب العمل وشرحت لي القواعد ثم عبّئت لي العربة بأطعمة الإفطار وأخيراً أعطتني قائمة بالغرف التي سأمر عليها.
دفعتُ العربة وبدأتُ بتوزيع الأطعمة ولكن الممر كان هادئاً لابد أنهم نائمون.
مررتُ من جانب غرفة في آخر الممر وكنت على وشك الاستمرار في المشي إلى أن لاحظتُ شيئاً.
كانت هذه غرفةُ الكهرباء الغرفة التي يمسحون فيها ذاكرة المجندين الجدد، الغرفة التي سمعتُ منها ضجيجاً بالأمس فانتابني الفضول لاستكشافها.
وضعتُ لائحة الاسماء جانباً ونظرتُ يمنة ويسرة للتأكد من خلو الممر ثم دفعتُ الباب ودخلت.
كانت رائحة الغرفة كريهة كرائحة مشفى الأسنان.
ثمة أجهزة وأسلاك في كل ركن وفي كل شبر.
وأخيراً كان هنالك سريراً ضخماً ورجُلا مستلقٍ عليه.
تقدمتُ بحذر لاستطيع رؤيتهُ بشكلٍ أفضل.
كان شاباً يبدو في العشرينات وعلى عنقه ندوباً طفيفة، لفائف شعرهُ البنية الداكنة تناثرت فوق الوسادة.
لمحتُ اسمه على بذلته الضيقة: "الرقم ثلاثة عشر"
لأكن ص**حة كان جميلاً جداً، اتساءل ما الذي يفعلهُ رجلٌ مثله في مكانٍ كهذا؟
مددتُ يدي وأزحتُ عدة خصلات من وجهه.
فجأة انتفض الرجل وفتح عيناه بغضب وأمسك بيدي.
صرخت بكل قوتي بهلع!
لم يخفني غضبه ولكن عيناه أخاف*ني فعينه اليُسرى زرقاء واليُمنى خضراء.
في غضون ثوانٍ فقط وقبل أن استوعب مايحصل وقبل أن ادرس شكل هذا الرجل جيداً فُتح الباب ودخلت فرقة الطوارئ لتسيطر على الوضع.
وحينها لم ادرك حجم الورطة التي أقحمتُ نفسي فيها.
لم ادرك أنه منذ اللحظة التي وقعت عيناي عليه ستتغير حياتي للأبد.