يقول عبده صالح :
حينما يأتي المساء طويلاً ..
كالمساء ..
حينما تغزو الشوارع ..
تراتيل الشتاء ..
و تصبح المدينة بلا مدينة ..
حينها أتذكر كل القصص القديمة ..
و الذكريات القديمة ..
و كل الماضي بأحزانه ..
و جرح قديم يتملكني ..
أشعر كل آلامه الأن ..
أصوات غريبة تحاصرني ..
تلاحقني ..
أتذكرها و اتذكرني ..
فأغوص في أحلامٍ بعيدة جداً ..
فتوقظني رائحة الأرض المبتلة ..
والأرصفة الحمقاء ..
حينما يأتي المساء ..
أرى كل العيون الذابلة ..
و الوجوه الذابلة ..
و كل المشاعر المصنوعة ..
أرى كل الطرق مقطوعة ..
و أراني فكر شارد ..
و طريق جارح ..
و مصير بغير ملامح ..
و اراك قريبة جداً ..
و بعيده جداً ..
و جميله جداً ..
كنجم ساكن في كبد السماء ..
حينما يأتي المساء ..
❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️ ❤️
كانت تيا تنظر له بصدمه ، و تتمني ان يكون ما يحدث دعابه ، قالت بصوت خافض ملئ بالالم :
- ماذا ؟
نظر لها رائد نظره تحمل الازدراء مما زاد احساس الالم بداخلها ، ماذا حدث ؟ لماذا يتصرف هكذا ؟؟
- ماذا حدث رائد ؟
- و لماذا تعتقدين ان هناك شئ حدث ؟
لم تعرف ماذا تقول ، لدقائق مضت كان محبا للغايه و الان يبدو قاسى لدرجه انها تكاد لا تتعرف عليه ، كأنه شخص اخر تماما غير زوجها الذي تعرفه .
- هل فعلت شئ اغضبك منى رائد ؟ ثم اكملت بألم هل ندمت على زواجك منى ؟
ضحك رائد لكلامها ضحكه سخريه ام تهكم هي لا تعرف :
- بالع** تيا ، فهذا كان تخطيطى من البدايه ، ان اجعلك تتزوجيني ، ان تكوني زوجتي و تحملي أسمي .
- اذا ماذا يحدث ، ما الذي غيرك الان ، نستطيع ان نتغلب على اى شئ طالما نحب بعضنا .
- و من قال اى شئ عن اننا نحب بعضنا البعض ؟
نظرت له بصدمه و عدم تصديق ، وقالت بهمس :
- لكننى احبك ، و انت ايضا تحبنى !!!
- انا لم استخدم ابدا كلمه الحب معك تيا ، لم اخبرك و لو لمره واحده اننى احبك .
نظرت له نظره ألم و ان**ار ، و قالت بصوت خافض من الالم الذي تشعر به الان :
- اذا لم تزوجتنى ؟ ان لم تكن تحبني لماذا تزوجتني ؟
- تزوجتك للانتقام تيا .
تراجعت للخلف كانه صفعها على وجهها :
- الانتقام ؟؟ من ماذا ؟ من من ؟ انا بعمرى لم اؤذيك !!!
فقال بغضب شديد بعد ان فقد اعصابه :
- الانتقام من والدك الحقير ، الذى اوهم شقيقتى الكبرى ذات الثامنه عشر بالحب ثم تخلى عنها و خ*ف والدتك مما دفع اختى للانتحار هى و الجنين الذى تحمله .
سقطت تيا على الفراش فلم تعد قدامها تحملها ، كل هذا الالم الذي تشعر به الان جعلها غير قادره علي الوقوف :
- كاذب ، انت كاذب ، ابى لم يفعل ذلك ، لم يفعل ، ابى كانت امى اول امرأه بحياته و أول و اخر حب بحياته .
اقترب منها و أمسك يدها بقسوه و اوقفها ، و نظر لها نظره قاسيه تحمل العديد من الغضب و الازدراء:
- بل فعل تيا ، و انا معى الدليل لذلك ، خطابه الذى ارسله لاختى ، عندما توفت كنت ابلغ من العمر احدى عشر عاما ، و قد اخبرتنى امى انها توفت بحادثه سياره ، و من ثمانى شهور عندما مرضت امى و قبل وفاتها ، اخبرتنى بالسبب الحقيقى لوفاه اختى .
انتحرت لان والدك اخبرها انه لن يقبل بها هى الطفله الغير شرعيه بان تحمل اسم عائلته ، و انه لا يعترف بالجنين الذى تحمله ، و بعد شهر خطب والدتك و تزوجوا بعدها بشهرين ، و عندما علمت هى بذلك انتحرت ، لم تستطيع العيش بعده .
هل تعلمى الان لما تزوجتك حتى اخذ اعز ما يملك اشرف الصبان ، و ليس هذا و حسب بل سأدمر شركته الغاليه و اشرد اخيك و عائلته ، سأجعل اسم الصبان بالوحل الي الابد .
نظرت له و دموعها تنهمر و هي تكاد تشعر بالاختناق من الالم ، الالم القلب و الالم النفس .
هي لا تصدق ما سمعت ، لا تستطيع ان تصدق ان والدها الحنون الطيب يفعل ذلك ، و لم تتحمل كل هذه الصدمات فسقطت مغمى عليها بين يده .
حملها رائد و قام بوضعها على السرير و نظر لها بألم ، ثم تركها و صعد لسطح المركب و هو يلعن و يسب نفسه و الظروف .
لم يكن يريد ان يخبرها بماضى ابيها القذر الان ، لكنها اجبرته على ذلك عندما شبهته به ، لكن ما الفرق بينهم فهو ايضا خدعها ليتزوجها لكى ينتقم منها علي ذنب لم تفعله .
ذهب باتجاه البار و اخذ زجاجه من الخمر لعله ينسى ما حدث ، و ينسي نظره الالم و الان**ار الذين ظهروا بعينها .
كان معتز يراقبه من مسافه ، و يشعر به ، فلقد سمع كل ما حدث بينهم ، لان بابهم كان مفتوح و كان هو بالمطبخ .
اقترب منه و سأله ببطء :
- لماذا فعلت معها هذا ؟ لقد اعتقدت انك تشعر بشئ ناحيتها ؟
اعترف رائد لنفسه انه فعلا بدء يشعر بشئ ناحيتها ، و هذا سبب انفجاره ، انه اراد ان ينهى اى مشاعر يشعر بها ناحيه ابنت الصبان ، لكنه لن يعترف بهذا ابدا ، و لا حتي بينه و بين نفسه ، لن يعترف ابدا .
- انا لا اكن ناحيتها سوى مشاعر الازدراء و الانتقام ، و ليس اى شئ اخر ، هي مجرد وسيله لي لانتقم من والدها .
- ماذا اذا قررت الرحيل ؟
- لن تفعل ، قالها بقوه وغضب : و اذا فكرت بالبعد سوف امحى شركه الصبان من الوجود ، و اشرد اخيها و زوجته الحامل ، فلقد اخذوا منى قرض كبير لتوسيع الشركه ، و لن يستطيعوا سداده بأى وقت قريب ، لقد حرصت علي السيطره عليهم جيدا .
هى لن تسمح بان يصيب شقيقها الاذى و سوف ادمره اذا فكرت بالرحيل .
هز معتز براسه برفض لكلامه ، لكنه لم يتحدث ، و لم يعرف الاثنين ان تيا فاقت ، و استمعت لكلامهم ، و عندما قال انه لا يشعر ناحيتها سوى بالازدراء كانت هذه اللحظه التى اصبحت تيا بهم جسد بدون روح .
عادت تيا للغرفه و نامت على السرير و ظهرها للباب حتى لا يراها ، لم تبكى و لم تصرخ ، اصبحت خاليه المشاعر ، كأن احد انتزع روحها منها ، لن تتركه ستبقى معه حتى تخرج اخيها من براثنه ، ستبقى معه جثه جسد بلا بروح .
لقد قتلها ، فلا يوجد ما يستطيع ان يفعله بها اكثر من ذلك ، اغمضت عينها و ذهبت فى النوم سريعا و كأن النوم احس بالشفقه عليها فاخذها لعالم اخر غير هذا العالم القاسى الذى تسكن به رحما بها .
اشرقت الشمس و كانها تواسيها ، و جاءت على وجهها لتوقظها ، استيقظت على اشعه الشمس لكنها لم تعد تشعر بأى دفء يلمسها ، قامت من سريرها و حمدت الله لعدم وجوده ، و دخلت للحمام و فتحت عليها المياه البارده و هي تحاول ان تشعر باى شئ غير الخواء الذى تشعر به الان .
جاء لعلقها كل ما حدث بينهم من اول مره راته بها ، لقد اخبرها عقلها ان تبتعد عنه لانه نذير خطر ، لكنها لم تستمع ، لماذا لم تستمع لعقلها كما تفعل كل مره ، اهو القدر ؟؟ لا تعرف ..
تذكرت انه بكل اوقاتهم معها لم يخبرها و لو لمره واحده انه يحبها ، لكنها كانت مغيبه بحبها له فلم ترى الاشارات الواضحه ، لكن فات وقت الندم ، و الان جاء وقت التفكير بما سوف يحدث و كيف ستتصرف .
كيف تساعد كريم بتسديد دينه بدون ان يعرف ما حدث معها ؟؟ كيف تحمى اخيها الوحيد من براثن هذا الشيطان ؟؟ كيف تخرجه من بين عائلتها بدون ان يؤذي احد منهم .
لعنت نفسها ، و لعنت قلبها لانه وقع بحبه ، لكن كل هذا لا يهم ، ما يهم هو ما سوف يأتى ، و ليس ما مضى و حدث .
ابدلت ملابسها و خرجت لسطح المركب فوجدت الفطار معد ، و رائد لا وجود له ، جلست على المائده و تناولت طعامها و هي لا تشعر بطعمه بفمها ، ثم سمعت خطوات خلفها ، علمت انه هو من رائحته التي كانت تدمنها ولكن الان اصبحت تكرهها . جلس رائد على المائده بوجه جامد لا يظهر عليه اى مشاعر .
قامت تيا لمغادره المائده و لكن اوقفها صوته الذى يشوبه الجمود و البرود :
- سوف نرجع لمصر اليوم ، فلا داعى لان نكمل تمثليه شهر العسل بما انك تعرفين الحقيقه الان فلتستعدى سنغادر بعد ساعتين .
لم تتحدث تيا ، و لم تنظر اليه حتي ، اتجهت لغرفتها بهدوء و اغلقت الباب خلفها و بدءت بتحضير ملابسها و وضعها بحقيبتها .
تعجب رائد انها لم تجادل و لم تعاركه ، و أحس بألم بص*ره عندما رأى نظره الخضوع و الاستسلام بعينها عندما كان يجلس على المائده و كأن شعله النار التى كانت تضيئهم قد انطفئت ، لكنه لن يضعف و لن يسمح لنفسه ان يضعف امامها او امام اى شخص اخر .
الحب لا يأتى الا بالعذاب .
ذكر نفسه بهذا و هو يعطى تعليماته لمعتز لتجهيز الطائره الخاصه للرجوع لمصر