كانت " حنين " تـقف في تلك الشـرفة التي تطل من خلالها على الشـارع الشبه خالي من السكـان ...
ولمَ لا .. المنطقة التي يعيشـون فيها قليلة السكان .. لذلك كان حمزة دائمًا يرافقها في مواعيدها المتأخرة دومًا...
وصدفةً وجدته يهبط من سيارته اسفل المنزل، هو يسكن بالقرب منهم .. فلماذا السيارة اذًا ؟!
وجاءتها الاجابة على هيئة تلك الفتاة " السكرتارية " الخاصة به تهبط من السيارة ويدها متشابكة في يده بطريقة حميمية !!!!!
لم تعـرف ما الذي كـور موجات داخلها بالحنق الان .. ولكنها لا تحب تلك الفتاة ابدًا ...
بينما في الاسفل .. وقفت تلك الفتاة فجأة تمسك بيد حمزة، فالتفت لها يسألها في هدوء :
-في إية يا شذى ؟ وقفتي لية ؟
كادت تنطق بشيئ ما .. ولكن اقتربت منه كثيرًا حتى لامست لحيته الخفيفة بشفتاها الناعمة .. وصوتها المؤثر كان كتعويذة تحاول القاؤوها على اذنيه :
-لا يا حبيبي بتأكد من مظهرك بس، اصل مشهد الوداع لازم يبقى حلو
كاد يدفعها عنه صارخًا .. انا لا احبك !
ولكن شيئ ما غيم على تلك الضجة ليسود ال**ت القهري بعدها داخله
" حنين لن تكون ملكك يومًا .. حتمًا ستصبح لأخر .. وانت .. انت مجرد خالها !!!
حاول الابتسام يجاري تلك " شذى " التي تحاول رسم حياة اخرى معه لتكون فيها زوجته .. وهو يعلم ذلك ...
ويحاول ترك المساحة الكافية لنفسه لينفرد بقرارته دون تدخل مشاعر هوجاء تقوده نحو رفض اي انثى !!
وصلوا امام البـاب .. فطرق حمزة الباب ولم تمر ثانية حتى وجد حنين تفتح الباب مندفعـة وهي تهتف ببلاهه :
-كل ده .. انا قولت انتوا جرالكم حاجة في المدخل !!؟
كان ينظـر لهيئتها الغير متزنـة، فشعر بيدا تلك تُقيـده وكأنه تصك ملكية لم تُطبع بأسمها يوما !!
لينظر لحنين متساءلاً :
-امال فين والدتك يا حنين ؟
اجابته ولم ترفع عينيها عن " شذى " :
-في المطبخ .. تعالى يا حمزة !
تعمـدت نطقها دون حواجـز .. نطقها بحرية بل والتمتـع بالاقتراب ولو لمجرد اسم ...
دلفت شذى تمسك بيد حمزة بثقة، وفجأة لوت حنين كعب قدمها عن قصد فمالت على حمـزة فكان هو الاسرع يمسك بها قبل أن تسقط ...
وتلقائيًا اصبحت بين احضانه، فتفرقت يداه عن شذى على الفور.. اغمض عيناه مستمتعًا بذلك القرب الذي رفع الحصار عن مشاعر ساخنة تلهب كلاهمـا !!!
وكأن القدر قرر الغطف عليه بتنفيذ أمنيته الوحيدة !!!
انتبه لـ شذى التي هتفت بضيق :
-مش تاخدي بالك يا حنين
امسكت حنين بقدمها وحمزة يمسكها برفق متساءلاً بشيئ من القلق :
-رجلك مالها ؟ وجعاكي !
همست بخفوت :
-شوية
بينما داخلها تبتسم بخبث .. واخيرًا انتبه حمزة لنفسـه التي تتسرب رويدًا رويدًا خاضعة لتلك الدقات اللعينة
ليترك حنين على الفور في نفس اللحظة التي اتت فيها والدتها مرحبة :
-اهلا يا حمزة، تعالى ادخل مستني اية ؟
هـز رأسه نافيًا بجدية :
-معلش يا كاميليا، انا جاي اسلم عليكم عشان مسافر امريكا فـ شغل النهاردة، وشذى معايا طبعا، ويمكن اطول هناك !
كانت حنين تحدق به مصدومة .. سيبتعد عنها !!؟
هي اعتادت وجوده الاساسي في حياتها، استفاقت من شرودها على صوت والدتها تقول بحزن :
-لية كدة يا حمزة .. أنت زي اخويا اللي عوضنا عن وفاة ابو حنين ووحدتنا بين اربع حيطان !؟
تن*د بقوة ليسارع بالقول قبل ان يستسلم :
-معلش شغل مضطر بقا .. اشوفكم على خير
سلم على والدتها وهي تراقبهم ب**ت تام .. ليمد لها يده ونظراته متشبثة بالتوهة بين عينيها .. لترفع يدها ببطئ تختضن كفه بوهن !
وبالفعل خلال دقائق معدودة كان يغادر مع تلك الخبيثة التي تهللت داخيا ..
وقلبه يصرخ فيه " ا**ق أنت لتبتعد عنها بأرادتك " !!!!؟
وغادروا والغضب هو فقط من يحتل صدارة مشاعره وحياته ..
خرجـت حنين من غرفتهـا على صـوت والدتهـا تتحدث في الهاتـف، مع " حمزة " ورغمًا عنها رُسمـت ابتسامـة حانية على ثغرهـا .. تلاشى حنقها منه لعـدم اتصاله بها هذه الأيـام في ثوانٍ !
ليبقى رماد الغضـب فقط .. وقلقه عنهم كفيـل بـمحـوه ليهب ادراج الرياح ...
وما إن رأتها والدتها حتى قالت في هدوء :
-اهي جات خلاص أنا هقولها تمام
-ماشي .. هقفل أنا يا كاميليا
ولكن حنين أشـارت لها مسرعة لتلتقط منها الهاتـف في ثوانٍ تتحدث بنبرة ناعمة :
-وحشتني اوي ... يا انكل، هترجعلنا امتى ؟ !
أغمض عينيـه لدقيقة يعلن الحداد على تلك الدقات التي ثارت داخله ..
وتأثيـرات رهيبة سـارت بين عروقـه كأدمان عاد يُسيطـر على مقاليد حياته !!
واخيرًا تحدث بصوت خشن :
-معلش يا حنين، أنا في شغل مش فاضي للدلع ده ولازم اقفل .. يلا سلام
وكاد يغلق الخط.. ولكن قبل ان يغلق تسرب صوت تعرفه جيدًا لأذنيها، كان كفيل بأعلان بـدأ الأشتعال بين احشاؤوها !!!!
-حمزة .. أنت لسة ما لبستش ؟
رمت الهاتف لوالدتها وهي تردد في حنق واضح :
-اخوكِ ده جاي على نفسه وبيسأل علينا لية !! تعب نفسه بصراحة
اجابتها والدتها بحـزم صلب :
-إنتِ عارفة إنه مش أخويا، يعني كتر خيره مهتم بينا وبيخاف علينا كأنه اخويا فعلًا
جلست بجوارها متنهـدة تقول وكأنها على وشك البكاء :
-طب لية عودنا انه هيكون جمبنا على طول، انا فعلاً بقيت حاسه انه زي بابا الله يرحمه .. فـ حنانه .. وقلقه .. وعصبيته !
ربتت والدتها على كتفها لتخبرها مغيرة الموضوع :
-المهم حمزة بيقولك شريف صاحبه اللي احنا عارفينه ده بيثق فيه هيروح لعميد الكلية بتاعتك عشان يوافقوا يغيروا لك القسم اللي إنت عايزاه
اومأت موافقة، لتسألها مستفسرة :
-طب وهو هيعرفني ازاي والكلية ؟
-حمزة قاله على كليتك وكدة، وهو هيروح للعميد وبعد ما يتكلم معاه هيبعت لك، المهم يلا قومي انزلي الكلية عشان متتأخريش
اومأت بهدوء :
-ماشي يا ست الكل .. سلام
......
بينما على الطرف الأخـر .. إلتفت حمزة بص*ره العاري لـ " شذى " التي وضعت يدها على ص*ره تعيد سؤالها بدلال كان وكأنه عصاها السحرية مع كل الرجال :
-انت لسة ما لبستش لية يا حبيبي ؟
نفـض يدها عنه مسرعًا بحدة، وإلتقطت هي وهـج عيناه السوداء الذي اشتعـل بلهيبٍ أحمر غريب وهو ينهرها :
-شذى .. سبق وقولتلك ماتقربيش مني بالطريقة دي قبل كدة، إنت مابتفهميش ولا إية ؟
هـزت رأسها نافية لتقترب منه ببطئ حتى إلتصقت بص*ره العاري تهمس له :
-لأ بفهم ..بس سبق وقولتلك بردو إني بحبك وأنت مش عايز تفهم !
وتقريبًا هو رجـل .. يُنعش قلبه تلك الحروف بالحب من شفتاها هي .. " حنينه " تلك الصغيـرة التي أسقطته بين براثن عشقها الأسـر !!!
يتمناها هي .. يتخيلها هي .. يريدها هي وبشدة .. !
إنتبه لأصابع تلك التي بدأت تلامس ص*ره بطريقة حميمية، فأمسك يدها بقوة مؤلمة يخبرها بحدة :
-اسمعي .. إنتِ عارفة كويس أني مابحبكيش، وماوعدتكيش بأي حاجة !! فبلاش الشغل ده مش هياكل معايا .. إنتِ هنا بمزاجك .. مش جاية على وعودي بالجواز يعني !
تأوهـت هي من قبضته القويـة، لتومئ بألم :
-طيب .. ايدي يا حمزة
تركها كلفظةٍ يمقتها أستهلكت غضبـه المرتكز داخله كنقطة يزداد عمقهـا مبتلعة كل دقـة مُشتاقة تص*ر منه ...
ليقول وهو يتجه للمرحاض بجمود :
-اطلعي برة وأنا هخلص وألبس واجي
اسرعت تمسك به ترتمي بين احضانه، لتهمس وهي مقتربة بوجهها منه :
-أنا عايزاك .. خليني معاك .. مراتك ولو ليلة واحدة حتى !
نظر لها باستحقار ليستدير ويدلف للمرحاض،
اغلق باب المرحاض خلفه، ليقف تحت المياه بملابسه .. يتحسس خصلاته وهو شـارد في صوت تلك أسرة الفؤاد
" وحشتني " !!
كانت مجـرد حروف .. كلمة عابرة وفطرية لمن هو كمثل " خالها " او شخص اعتادت وجوده في حياتهـا ...
ولكن كان لها تأثيرًا اخر على كومة مشاعـر تضاربت من تلك الحروف الواهية !!
على تلك الدقـات التي تخضـع لكلمتها البسيطـة ... في إطـار عشق حديدي .. !
ضـرب الحائط امامه بقوته يهتف في غضب خلقه صراعه النفسي :
-امتى هقدر ابعد عنها بقا .. امتى هبطل احلم بيها وهي نايمة في حضني .. امتى هبطل اعشقها !!!!
*********
دلفـت " لارا " بخطى بطيئة نحـو مكتب " أسر " .. ذاك المكان الذي أصبحت تخشـاه وتخشى ذاك " اسر " الذي يعاملها بحدة زائدة عن باقي الموظفين ...
لم ولن تنسى أنه تقريبًا بحث عن كل حياتها، فأصبحت امامه " شبه مُعراه " من اي خبايا ..
ولكنه لم يصل لكل شيئ سوى المعلومات الطبيعية فقط !!
وهذا ما سنح لقلبها أن يرفرف بسلام ..
فتحت الباب ببطئ وهي تمسك بالقهوة بين يديهـا .. ليرفـع نظره تلقائيًا يحدج بها بنظرات مُخشبـة ومفاجأة كادت تجعلها تشهق ..
فتقدمت ببطئ شديد حتى سمعته يزمجر بخشونة جامدة :
-ماتخلصي إنتِ هتزحفي ولا إية !! مش كفاية كل ده تأخير .. القهوة دي مفروض أشربها قبل ما اوصل يا استاذة ؟!
وضعت القهوة .. ونظرت ارضًا تعض على شفتاها بحرج قبل أن تهمس :
-دي اول مرة اتأخر .. محصلش مصيبة يعني !!؟
فجأة نهـض ليُلقي بالقهوة على الارض فتحطمت مص*رة صوت الشظايا التي ماثـلت شعورها المرتعد في إنفجاره ..
لتهشق عاليًا :
-اية ده ! حرام عليك انا ظبطها بصعوبة
سمعته يصرخ فيها بغضب جم :
-جيبهالي متأخر .. ومتأخرة عن شغلك وكمان بتبجحي !!!
ظل يقترب منها ببطئ وهي تعود للخلف بقلق .. نعم هي شجاعة ... ولكن أمام نظراته الحادة تلك التي تسقط عليها كصوت رعد يعلن نهاية الحياة !!!
هي جبانة .. !
إلتصقت بالباب خلفها تغلق عينيها بتوتر، لتشعر بأنفاسه تلفح صفحة وجهها التي شحبت حرفيًا وهي تسمعه يقول :
-الظاهر إنك محتاجة تربية من اول وجديد عشان تعرفي الأصول
إبتلعت ريقها بازداء وصدى تلك الإهانة يتردد داخلها ..
لتهتف بغيظ شابه الحنق :
-لا انا متربية كويس .. ماسمحلكش تقولي كدة !
حاولت فتح الباب بيدها ولكنه كان الأسرع فـ التصق بها يكبل يدها الاثنان بيديه العريضة السمراء ..
نظر في عيناها مباشرةً .. وكانت تلك تقريبًا اول مرة تتعمق خيوط عيناه البنيـة عن قرب ..
فهمست بصوت مبحوح :
-لو سمحت سيبني اخرج
اقترب منها اكثر .. ونظراته مصوبة على شفتاهـا .. !
خلايـاها تُفـجر احسـاس حار من ذاك القرب الذي لم يسبق لها أن تعرضت له ...
تحسس وجهها رويدًا رويدًا وبرفق ليهمس :
-مش هاكذب .. انا صريح جدًا، إنتِ عجباني !
للحظـة تردد بخلدها صوت الطبيب وهو يخبرها عن حالة والدتها المريضة
" ماخبيش عليكِ يا أنسة لارا، والدتك حالة قلبها صعبة اوي، ولازم لها عملية للقلب بس يمكن مكلفة شوية .. 100 ألف جنية، وللأسف لازم يتدفعوا قبل العملية !! "
تذكـرت ايضًا توسلها له
" ارجوك .. هجيب والله الفلوس، بس العملية تتعمل .. انا مليش غير ماما والله "
ولكن تحطمت امالها في ثوانٍ
" انا اسف .. لو كنت انا المسؤل لوحدي مكنتش اتأخر عن مساعدتك، لكن دي قوانين المستشفى ومقدرش اخالفها، وده مش مبلغ صغير .. دول 100 ألف جنية !! "
إنتبهت ليـداه التي كادت تستبيح لمسات لجسدها .. فدفعته بقوة صارخة فيه :
-ابعد عني انت مجنون !!!!
رفـع حاجبه الايسر باستحقار يتهكم :
-يا سلام ! دلوقتي فوقتي .. إية كانوا مشربينك حاجة أصفرة لما كنتي في الواحات ولا إية !!
إتسعت حدقتا عينـاها بصدمـة .. فجوة الألم تزداد انتصارًا في الأتساع بين ثنايا روحها .. وهي تضعف اكثر !!!
من أين علم ؟! وكيف اصلًا !!
لم تدري .. ولم تشعر سوى أنها بقيت تحدق به مصدومة .. ليكمل هو :
-حظك أنك وقعتي معايا، فمتحاوليش تمثلي الاحترام ؟!
هـزت رأسها نافية بهيسترية، لتض*به على ص*ره وهي تردد باكية :
-لا .. ابعد عني ملكش دعوة ملعوون ابو الفقر !
ارادت الخروج ولكنه امسك بها يكبلها .. وإلتصق بها اكثر وهي تحاول الفرار من حرارة جسـده ..
ومن دون تردد كانت تصفعه بكل ما تملك من شظايا قوة لتسرع بالفرار من بين قبضته !!!!!!!!
فهمس هو يجز على أسنانـه حتى اص*رت صوتًا قويًا:
-على اساس محترمة اوي !!! بس وحياة امي لاعرفك إن الله حق .. !
**********