_رُشَا فَتَاةٌ فِي أَوَائِلِ الثَّلَاثِينَاتِ مِنْ عُمْرِهَا، تَعْمَلُ مُمَرِّضَةً وَسِكْرِتِيرَةً خَاصَّةً لِلدُّكْتُورِ بَاسِلٍ، تَجْمَعُ بَيْنَ الِانْضِبَاطِ الْمِهَنِيِّ وَالذَّكَاءِ الْعَمَلِيِّ. مَلَامِحُهَا هَادِئَةٌ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا تَكْشِفَانِ عَنْ يَقَظَةٍ دَائِمَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى الْمُلَاحَظَةِ لَا يُسْتَهَانُ بِهَا، وَكَأَنَّهَا تَرَى مَا لَا يَنْتَبِهُ إِلَيْهِ الْآخَرُونَ.
تَتَّسِمُ رُشَا بِالدِّقَّةِ الشَّدِيدَةِ فِي عَمَلِهَا، مُنَظَّمَةٌ إِلَى حَدِّ الْوَسْوَاسِ، تَحْفَظُ مَوَاعِيدَ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ وَأَسْرَارَهُ الطِّبِّيَّةَ وَالشَّخْصِيَّةَ، وَتَتَعَامَلُ مَعَ الْمَرْضَى بِإِنْسَانِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا بِبُرُودِ الْمِهْنَةِ. صَوْتُهَا مُنْخَفِضٌ، وَطَرِيقَتُهَا رَزِينَةٌ، لَكِنَّهَا حِينَ تَتَكَلَّمُ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ يَكُونُ لِكَلِمَاتِهَا وَزْنٌ وَاضِحٌ.
شَخْصِيَّتُهَا مُتَّزِنَةٌ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُ وُجُودَهَا قَرِيبًا مِنَ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ.
_وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى بَيْتِ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ وَقَفَتِ السَّيَّارَةُ أَمَامَ الْبَيْتِ، قَالَ بَاسِلٌ: شُكْرًا يَا رُشَا، أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوكِ عَلَى شَايٍ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ مِيعَادَ نَوْمِكِ قَدْ ذَهَبَ.
قَالَتْ رُشَا: بِالْفِعْلِ، أَنَا أَنَامُ مُبَكِّرًا، بَعْدَ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْعِيَادَةِ السَّاعَةَ التَّاسِعَةَ وَأَعُودَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فِي تَمَامِ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ أَكُونُ قَدْ نِمْتُ.
ابْتَسَمَتْ، وَابْتَسَمَ بَاسِلٌ وَقَالَ: تُصْبِحِينَ بِخَيْرٍ.
قَالَتْ رُشَا: وَأَنْتَ.
فَتَحَ بَاسِلٌ بَابَ السَّيَّارَةِ وَخَرَجَ، يَتَعَكَّزُ عَلَى عُكَّازَةٍ، غَادَرَتِ السَّيَّارَةُ، وَدَخَلَ بَاسِلٌ مِنْ بَوَّابَةِ الْبَيْتِ إِلَى الْمَنْزِلِ يَنْقُلُ أَقْدَامَهُ الثَّلَاثَةَ بِبُطْءٍ.
وَحِينَما كَانَ بَاسِلٌ يَحَاوِلُ فَتْحَ بَابِ مَنْزِلِهِ وَيَدْخُلُ، كَانَتْ عِصَابَةُ الْغَجَرِ يُحَطِّمُونَ عِيَادَةَ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ.
زَيْنٌ وَعَلَاءُ وَأَمْجَدُ وَأَسَرُ وَأَصِيلٌ وَبَاقِي أَفْرَادِ الْعِصَابَةِ الْغَجَرِيَّةِ.
_أَصِيلٌ أَحَدُ أَفْرَادِ الْعِصَابَةِ، رَجُلٌ ضَخْمُ الْجَسَدِ، عَرِيضُ الْمَنْكِبَيْنِ، يَبْدُو كَكُتْلَةٍ مِنَ الْقُوَّةِ الْخَامِ أَكْثَرَ مِنْهُ إِنْسَانًا عَادِيًّا. عَضَلَاتُهُ بَارِزَةٌ، وَحَرَكَاتُهُ ثَقِيلَةٌ لَكِنَّهَا حَاسِمَةٌ، كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا مَحْسُوبَةٌ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْعَقْلِ. وَجْهُهُ قَاسٍ، مَلَامِحُهُ جَامِدَةٌ، وَعَيْنَاهُ ضَيِّقَتَانِ تَحْمِلَانِ نَظْرَةً بَارِدَةً خَالِيَةً مِنَ التَّعَاطُفِ.
لَا يُكْثِرُ أَصِيلٌ مِنَ الْكَلَامِ؛ يُفَضِّلُ أَنْ تَسْبِقَهُ قَبْضَتُهُ إِلَى الْحَدِيثِ. حِينَ يَتَكَلَّمُ، تَكُونُ كَلِمَاتُهُ قَصِيرَةً، جَافَّةً، تَحْمِلُ تَهْدِيدًا صَرِيحًا أَوْ مُبَطَّنًا. وُجُودُهُ وَحْدَهُ كَافٍ لِبَثِّ الرُّعْبِ فِيمَنْ أَمَامَهُ، فَهُوَ أَدَاةُ الْعِصَابَةِ فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّنْفِيذِ الْعَنِيفِ.
يُطِيعُ الْأَوَامِرَ بِلَا نِقَاشٍ، وَلَا يَعْرِفُ التَّرَدُّدَ، وَيَسْتَمْتِعُ بِإِظْهَارِ قُوَّتِهِ الْجَسَدِيَّةِ عَلَى الْآخَرِينَ، مُعْتَبِرًا الْعُنْفَ لُغَةً مَشْرُوعَةً لِإِثْبَاتِ السَّيْطَرَةِ. خَلْفَ هَذِهِ الْقَسْوَةِ عَقْلٌ بَسِيطٌ لَا يَمِيلُ لِلتَّخْطِيطِ، لَكِنَّهُ شَدِيدُ الْوَلَاءِ، يَسْتَخْدِمُهُ قَادَةُ الْعِصَابَةِ كَسِلَاحٍ بَشَرِيٍّ فِي الْمُوَاجَهَاتِ الْمُبَاشِرَةِ، وَكَحَائِطِ صَدٍّ لَا يَتَرَاجَعُ مَهْمَا كَانَتِ الْعَوَاقِبُ.
يَقْتَرِبُ أَصِيلٌ مِنْ بَابِ الْعِيَادَةِ، يَدْفَعُ الْبَابَ بِقُوَّةٍ، فَيَتَهَشَّمُ بَابُ الْعِيَادَةِ، تَدْخُلُ أَفْرَادُ الْعِصَابَةِ إِلَى الْعِيَادَةِ، يَحْمِلُونَ الْأَجْهِزَةَ الطِّبِّيَّةَ الْحَدِيثَةَ...
...وَتَنْطَلِقُ السَّيَّارَةُ الْغَجَرِيَّةُ مُخَلِّفِينَ خَلْفَهُمْ خَرَابًا جَائِرًا.
دَخَلَ دُكْتُورُ بَاسِلٍ إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، يَتَسَنَّدُ إِلَى عِكَازَةٍ، كَانَتْ مَرْيَمُ تَجْلِسُ عَلَى الكُرْسِ، نَظَرَتْ إِلَى بَاسِلٍ وَقَالَتْ: «كَيْفَ حَالُكَ اليَوْمَ يَا دُكْتُورُ؟»
اِقْتَرَبَ بَاسِلٌ مِنْ مَرْيَمَ مُتَعَكِّزًا عَلَى عِصَاتِهِ وَجَلَسَ بِجِوَارِهَا وَقَالَ: «مُتْعَبٌ جِدًّا يَا مَرْيَمُ، أَوَّلُ يَوْمِ عَمَلٍ لِلْعِيَادَةِ بَعْدَ إِغْلَاقِ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ لَدَيَّ الكَثِيرُ مِنَ المُقَابَلَاتِ المُتَأَخِّرَةِ الَّتِي حَجَزَهَا المَرْضَى، وَأَيْضًا رَشَا المُمَرِّضَةُ تَعِبَتْ بَعْدَ بَذْلِ الكَثِيرِ مِنَ الجُهْدِ حَتَّى غَفَوْتُ عَلَى الكُرْسِ نَائِمَةً، تَبْدُو فَتَاةً جَيِّدَةً حَدًّا، لَقَدْ أَصَرَّتْ أَنْ تُوَصِلَنِي بِسَيَّارَتِهَا».
قَالَتْ مَرْيَمُ: «حَقًّا، مَاذَا سَتَفْعَلُ فِي السَّيَّارَةِ؟»
قَالَ بَاسِلٌ: «لا أَعْلَمُ، أُفَكِّرُ أَنْ أَشْتَرِي سَيَّارَةً أُخْرَى، لَكِنَّنِي لَسْتُ مُسْتَعِدًّا الآنَ بَعْدَ آخِرِ جِهَازٍ طِبِّيٍّ اشْتَرَيْتُهُ كَانَ غَالِيًا جِدًّا، لَكِنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ حَتَّى لا يُسَافِرَ المَرْضَى إِلَى الخَارِجِ، لَكِنْ أَقُولُ إِنَّهُ رُبَّمَا يَجِبُ عَلَيَّ الانتِظَارُ، يُمْكِنُ أَنْ يَعْثُرَ البُولِيسُ عَلَى السَّيَّارَةِ».
أَصْدَرَ هَاتِفُ بَاسِلٍ رَنِينًا فَوَضَعَ العِكَازَ جَانِبًا وَأَخْرَجَ الهَاتِفَ مِنْ جَيْبِهِ، فَتَحَ المُكَالَمَةَ:
لِيَسْمَعَ الصَّوْتُ: «العِيَادَةُ تَحْتَرِقُ يَا دُكْتُورُ بَاسِل».
وَقَفَ بَاسِلٌ مِنَ الكُرْسِيِّ مُذْعُورًا مِنْ هُولِ الخَبَرِ، حَتَّى أَنَّهُ نَسِي أَنَّ قَدَمَهُ مَكْسُورَةٌ وَلَمْ يَتَعَكَّزْ إِلَى عِصَاتِهِ، فَوَقَعَ أَرْضًا وَصَرَخَ قَائِلًا: «آخْ!»
فَزِعَتْ مَرْيَمُ وَهَرَعَتْ مُسْرِعَةً إِلَى بَاسِلٍ، جَلَسَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا جِوَارَهُ، مَدَّتْ يَدَهَا وَتَنَاوَلَتْ يَدَيْهِ تُسَاعِدُهُ عَلَى النُّهُوضِ، نَهَضَ بَاسِلٌ يَسَانِدُهُ مَرْيَمُ، تَنَاوَلَ عِصَاتَهُ وَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا.
قَالَتْ مَرْيَمُ: «مَاذَا يَجْرِي يَا بَاسِلُ؟»
اِنْسَالَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْ بَاسِلٍ عَلَى خَدِّهِ،
قَالَ بَاسِلٌ: «العِيَادَةُ تَحْتَرِقُ».
وَقَفَ بَاسِلٌ يَسْتَنِدُ إِلَى عِصَاتِهِ، بِعَيْنَيْنِ حَمْرَتَيْنِ أَنْحَبَسَتِ الدَّمْعَةُ فِيهِمَا، وَهُوَ يُنْظُرُ إِلَى عِيَادَتِهِ المُحْتَرِقَةِ، وَيَقِفُ جِوَارَهُ دَاخِلَ العِيَادَةِ صِهْرُهُ المُهَنْدِسُ ذَكِيٌّ، وَتَقِفُ مَرْيَمُ وَفَادِيَةُ جِوَارَهُمَا، كَانَتِ النِّيرَانُ قَدْ أَكَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي العِيَادَةِ حَتَّى الجُدْرَانِ وَالأَبْوَابِ وَالرَّمَادُ عَلَى الجُدْرَانِ يُلَوِّنُهَا بِالأَسْوَدِ، وَبَدَتِ العِيَادَةُ الفَاخِرَةُ كَخَرَابَةٍ مِنْ تِلْكَ الخَرَبَاتِ الَّتِي يَسْكُنُهَا الغُجَرُ، وَبَدَا عَلَى بَاسِلَ الخُزْنُ الشَّدِيدُ حَتَّى كَانَتْ يَدَاهُ تَهْتَزُّ وَشَفَاهُهُ تَهْتَزُّ بِشَكْلٍ مَلْمُوسٍ.
رَتَّبَ ذَكِي عَلَى كَتِفِ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ وَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ سَيُعَوَّضُ يَا بَاسِلُ، سَتَعُودُ العِيَادَةُ مِثْلَ مَا كَانَتْ وَأَفْضَلُ، لا تَحْزَنْ، سَأَتَكَلَّفُ بِكُلِّ شَيْءٍ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْفَقْتَ كُلَّ أَمْوَالِكَ عَلَى تَجْهِيزِ العِيَادَةِ بِأَحْدَثِ الأَجْهِزَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتَهَا مِنْ أُورُوبَّا».
نَظَرَ ذَكِي حَوْلَهُ وَبَدَا عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ، وَقَالَ: «لَكِنْ أَيْنَ الأَجْهِزَةُ؟ النَّارُ لا تَأْكُلُ هَذِهِ الأَجْسَادَ المَعْدَنِيَّةَ، حَتَّى وَإِنْ أَكَلَتْهَا فَأَيْنَ البَقَايَا؟ الأَجْهِزَةُ سُرِقَتْ يَا دُكْتُورُ بَاسِلُ».
دَخَلَ ضَابِطُ الشُّرْطَةِ إِلَى العِيَادَةِ الخَرِبَةِ بَعْدَ أَنْ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى جُنُودِهِ بِالانتِظَارِ فِي الخَارِجِ،
قَالَ الضَّابِطُ: «مَرْحَبًا يَا دُكْتُورُ بَاسِلُ، النَّارُ لَمْ تُحْرِقِ الأَجْهِزَةَ كَمَا قَالَ المُهَنْدِسُ ذَكِيٌّ، الأَجْهِزَةُ سُرِقَتْ وَالكَامِيرَاتُ أَمَامَ المَبْنَى رَصَدَتِ السَّرِقَةَ، وَأَيْضًا كَانَ حَارِسُ العَقَارِ مُقْتُولًا بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ العِصَابَةِ وَسُرْعَتِهِمْ فِي السَّرِقَةِ».
«أَتَعَاطَفُ مَعَكَ جِدًّا يَا دُكْتُورُ بَاسِلُ وَأَرْجُو أَنْ تُسَاعِدَنَا بِأَيِّ مَعْلُومَةٍ تَعْرِفُهَا عَنِ العِصَابَةِ».
قَالَ دُكْتُورُ بَاسِلٌ: «أَنَا لا أَعْلَمُ شَيْئًا، لا أَعْرِفُ مَا الَّذِي يَحْدُثُ فِي حَيَاتِي».
اِلْتَفَتَ المُهَنْدِسُ ذَكِيٌّ إِلَى الضَّابِطِ وَقَالَ بِحِدَّةٍ: «السَّيَّارَةُ تُسْرَقُ وَيُشْبَعُ ضَرْبًا أَمَامَ مَنْزِلِهِ وَعِيَادَتِهِ الَّتِي كَلَّفَتْ مِلَايِينَ تُحْرَقُ، يَجِبُ أَنْ تُنْهِيَ الشُّرْطَةُ مَا يَحْدُثُ لِزَوْجِ ابْنَتِي، أَمْ أَنْ البِلَدَ أَصْبَحَتْ غَابَةً وَتَرَكْتُمْ العِصَابَاتِ تُخَرِّبُ؟»
قَالَ الضَّابِطُ: «أُقَدِّرُ انْفِعَالَكَ وَحُزْنَكَ عَلَى مَا يَحْدُثُ لِزَوْجِ ابْنَتِكَ الدُّكْتُورِ بَاسِلُ الَّذِي كُلُّنَا نُحِبُّهُ وَنُقَدِّرُهُ، لَكِنَّ البِلَدَ لَمْ تُصْبِحْ غَابَةً كَمَا تَقُولُ، وَهَذِهِ العِصَابَةُ سَتَسْقُطُ قَرِيبًا».
وَفِي مَنْزِلِ المُهَنْدِسِ ذَكِيٍّ بَعْدَ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظَّلَامِ، جَلَسَ ذَكِيٌّ وَفَادِيَةُ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ يَتَبَادَلُونَ النِّقَاشَ:
قَالَ ذَكِيٌّ: «هُنَاكَ مَنْ يَقْصِدُ بَاسِلًا بِشَرٍّ وَيُرِيدُ إِنْهَاءَهُ مِنْ مَجَالِ الطِّبِّ، يَسْتَحِيلُ أَنْ تَتَوَالَى عَلَيْهِ المَصَائِبُ صُدْفَةً، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَهُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الأَطِبَّاءِ المَشْهُورِينَ الَّذِينَ حَدَثَ لَهُم مَا حَدَثَ لِبَاسِلٍ قَبْلَ ذَلِكَ».
قَالَتْ فَادِيَةُ: «بَاسِلٌ مُنْذُ أَنْ عَرَفْنَاهُ وَهُوَ إِنْسَانٌ وَيُظْهِرُ إِنْسَانِيَّتَهُ فِي كُلِّ المَوَاقِفِ مَعَ المَرْضَى، مِنْ يَعْرِفُهُمْ وَمِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، وَلَيْسَ بِهِ أَيُّ أَعْدَاءٍ، فَمَنْ يَفْعَلُ كُلَّ ذَلِكَ؟»
قَالَ ذَكِيٌّ: «أَصْبَحْتُ خَائِفًا عَلَى مَرْيَمَ وَبَاسِلَ، لَقَدْ وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى القَتْلِ، لَقَدْ قَتَلُوا حَارِثَ العَقَارِ عِنْدَمَا حَاوَلَ مَنْعَهُم مِنْ سَرِقَةِ الأَجْهِزَةِ، إِذَا لَوْ كَانَ بَاسِلٌ أَوْ مَرْيَمُ يَقِفَانِ أَمَامَهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْقِفِ لَقَتَلُوهُم».
قَالَتْ فَادِيَةُ: «لا أَعْرِفُ كَيْفَ يَفْكِّرُ هَؤُلَاءِ السَّارِقُونَ، يَقْتُلُونَ وَيُحْرِقُونَ مِنْ أَجْلِ الأَجْهِزَةِ».
قَالَ ذَكِيٌّ: «الأَجْهِزَةُ ذَاتُ ثَمَنٍ ثَمِينٍ، بَاسِلٌ أَنْفَقَ كُلَّ مَا يَمْتَلِكُ عَلَيْهَا مَا يُقَارِبُ أَرْبَعِينَ مِلْيُونَ جُنَيْهٍ، كَانَتْ كُلُّ ثَرْوَتِهِ فِي الحَيَاةِ، اللهُ مَعَكَ يَا بَاسِلُ، لَكِنْ لَنْ تَكُونَ الأَمْوَالُ عِنْدِي أَغْلَى مِنْ رُوحِ بَاسِلَ وَمَرْيَمَ».
قَالَتْ فَادِيَةُ: «أَنَا أُلَاحِظُ أَنَّهُ مُنْذُ رُجُوعِهِمْ مِنْ بَلْدَةِ الغُجَرِ الَّتِي يَقُولُونَ عَنْهَا وَالمَصَائِبُ، بَدَأَتْ تَأْتِي إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ».
قَالَ ذَكِيٌّ: «مَاذَا تَقْصِدِينَ؟»
قَالَتْ فَادِيَةُ: «أَقْصِدُ أَنَّ أَعْيُنَ الحَاسِدِينَ فِي بَلْدَةٍ كَهَذِهِ… لا، أَوْ رُبَّمَا تَتْبَعُهُمْ أَحَدٌ؟… لا أَعْرِفُ فِي الحَقِيقَةِ مَا السَّبَبُ فِي كُلِّ هَذِهِ المَصَائِبِ، لَكِنْ هَذَا هُوَ شَكِّي».
صَمَتَ ذَكِيٌّ وَفَادِيَةُ، وَبَدَا عَلَى ذَكِيٍّ الشُّرُودُ وَهُوَ يُفَكِّرُ فِي مَا قَالَتْهُ فَادِيَةُ عَنْ بَلْدَةِ الغُجَرِ.
أَمَّا فِي بَلْدَةِ الغُجَرِ، بَعْدَ أَنْ وَصَلَتِ العِصَابَةُ، جَلَسَ عَلَاءٌ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، وَنَزَلَ بَشَّارُ دَرَجَ السُّلَّمِ مِنَ الطَّابِقِ الثَّانِي، جَلَسَ فِي مُوَاجَهَةِ عَلَاءٍ وَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتُمْ؟»
قَالَ عَلَاءٌ: «س***قْنَا أَجْهِزَةَ العِيَادَةِ وَأَشْعَلْنَا النَّارَ فِيهَا… لَكِنْ…»
قَالَ بَشَّارُ: «لَكِنْ مَاذَا؟»
قَالَ عَلَاءٌ: «حَارِسُ المَبْنَى اكْتَشَفَنَا، وَقَتَلْنَا أَسْرَهُ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَسْرَهُ لا يَتَفَاهَمُ».
قَالَ بَشَّارُ: «وَأَيْنَ هُوَ؟»
قَالَ عَلَاءٌ: «أَعَادَ الجُثَّةَ إِلَى غُرْفَتِهِ».
قَالَ بَشَّارُ: «ابْتَعِدْ عَنْ بَاسِلٍ حَتَّى أَرَى مَاذَا سَيَفْعَلُ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَأْتِي إِلَى الغُجَرِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ لَا يَمْتَلِكُ شَيْئًا».
نَهَضَ بَشَّارُ وَصَعِدَ دَرَجَاتِ السُّلَّمِ، وَخَرَجَ عَلَاءٌ مِنَ القَصْرِ.
اسْتَلْقَى بَشَّارُ وَهِلَا عَلَى السَّرِيرِ فِي غُرْفَتِهِمَا، قَالَ بَشَّارُ: «كَيْفَ لَمْ يَتَّصِلْ بِي بَاسِلٌ إِلَى الآن؟ كَيْفَ لَمْ يَرْكَعْ تَحْتَ أَقْدَامِي وَيَطْلُبْ مِنِّي الرَّحْمَةَ بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلْتُهُ بِهِ؟»
قَالَت هِلَا: «مَرْيَمُ زَوْجَتُهُ تَقِفُ جَوَارَهُ وَعَائِلَتُهَا فِي مِثْلِ مَا يَحْدُثُ، هُوَ وَجَدَ فِيهِمِ العَائِلَةَ، لِذَلِكَ لَنْ يَتَّصِلَ بِكَ وَلَنْ يَرْكَعَ تَحْتَ أَقْدَامِكَ كَمَا تَقُول».
قَالَ بَشَّارُ: «لَمْ أَفْكِرْ أَن يَكُونَ فِي عَائِلَةِ مَرْيَمَ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ».
قَالَت هِلَا: «اتْرُكْ لِي الأَمْرَ، سَأَجْعَلُهَا تَكْرَهُهُ وَتَتْرُكُهُ، وَلَنْ يَجِدَ غَيْرَكَ لِيَعُودَ إِلَيْكَ وَيَرْكَعَ تَحْتَ أَقْدَامِكَ».
قَالَ بَشَّارُ: «كَيْفَ سَتَفْعَلِينَ ذَلِكَ؟»
قَالَت هِلَا: «سَأَذْهَبُ إِلَى يَتْمَاسِ العَرَّافَةِ لِتَصْنَعَ لَهُمَا السِّحْرَ».
ابْتَسَمَ بَشَّارُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً خَبِيثَةً.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الحَادِثِ، كَانَ دُكْتُورُ بَاسِلٍ يَبْدُو عَلَيْهِ الحُزْنُ وَكَأَنَّهُ يَبْلُغُ عُمُرًا أَكْبَرَ مِنْ عُمُرِهِ.
جَلَسَ بَاسِلٌ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ عَلَى الكُرْسِيِّ وَعَكَازَتِهِ الَّتِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ شَخْصِيَّتِهِ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، يَمْسِكُ بِيَدِهِ سِيجَارَةً يَدَخِّنُهَا عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ.
خَرَجَت مَرْيَمُ إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ وَجَلَسَتْ فِي مُوَاجَهَتِهِ وَقَالَتْ: «لَقَدْ أَصْبَحْتَ تَدَخِّنُ الكَثِيرَ مِنَ السِّجَائِرِ، لَا تَحْزَنْ وَتَحَمَّلْ هُمُومًا أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِكَ، كُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَام».
قَالَ بَاسِلٌ: «كَيْفَ سَتَعُودُ كَمَا كَانَتْ؟ أَنْتِ تَعْرِفِينَ كُلَّ شَيْءٍ، لَقَدْ وَضَعْتُ كُلَّ مَا أَمْلِكُهُ فِي العِيَادَةِ وَتَعْرِفِينَ كَمْ تَعِبْتُ حَتَّى أَدْخِلَ هَذِهِ الأَجْهِزَةَ إِلَى مِصْر».
قَالَت مَرْيَمُ: «قَالَ وَالِدِي إِنَّهُ سَيَتَكَفَّلُ بِشِرَاءِ أَجْهِزَةٍ جَدِيدَةٍ وَكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَعُودَ العِيَادَةُ كَمَا كَانَتْ وَأَفْضَل».
بَدَا عَلَى بَاسِلٍ الحُزْنُ وَهُوَ يُشْعِلُ سِيجَارَةً أُخْرَى.
مِنْ حُزْنِ بَاسِلٍ عَلَى ضِيَاعِ عِيَادَتِهِ وَخَزْنِ زَوْجَتِهِ وَتَعَاطُفِهَا مَعَهُ، إِلَى بَلْدَةِ الغُجَرِ حَيْثُ الشَّرُّ لَا يَتَوَقَّفُ، جَلَسَتِ العَرَّافَةُ يَتْمَاسُ وَهِلَا لِيَصْنَعُوا السِّحْرَ لِمَرْيَمَ وَبَاسِلَ.
جَلَسَت يَتْمَاسُ عَلَى أَرِيكَةٍ وَأَمَامَهَا طَاوِلَةٌ، تَحْمِلُ كُرَةً أَرْضِيَّةً، وَكُرَةً زُجَاجِيَّةً مُموَّهَةً بِألْوَانٍ مُتَدَاخِلَةٍ وَمُطْمُوسَةٍ، وَحَلَسَ جَوَارَهَا هِلَا.
أَدَارَت يَتْمَاسُ الكُرَةَ الزُّجَاجِيَّةَ المُلَوَّنَةَ فَدَارَتِ الكُرَةُ، وَأَدَارَت الكُرَةَ الأَرْضِيَّةَ، دَارَتِ الكُرَتَانِ بِسُرْعَةٍ.