قالَ بَشّارُ: حَقًّا أَبْنَاءُ غَجَرٍ.
خَرَجَ عَلاءُ وَزِينٌ مِنْ قَصْرِ بَشّارَ كَبِيرِ الغَجَرِ.
_وَمِنْ قَصْرِ بَشّارَ إِلَى وَكْرِ عِصَابَةِ الغَجَرِ، ذَلِكَ البَيْتِ القَدِيمِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ بَشّارٌ وَأَصْبَحَ وَكْرًا لِلْعِصَابَةِ وَاخْتِبَاءَ المُجْرِمِينَ مِنَ الشُّرْطَةِ، التَّنْظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يَقُودُهُ عَلاءُ وَأَخَوَتُهُ زِينٌ وَأَسْرٌ وَأَمْجَدُ أَصِيلٌ وَيَزْعُمُهُ بَشّارٌ دُونَ تَدَخُّلٍ مُبَاشِرٍ.
جَلَسَ عَلاءُ وَأَصْدِقَاؤُهُ فِي الوَكْرِ...
جَلَسَ عَلاءُ عَلَى كُرْسِيِّهِ فِي وَسَطِ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ فِي وَكْرِ العِصَابَةِ الغَجَرِيَّةِ، وَأَفْرَادُ العِصَابَةِ حَوْلَهُ يَجْلِسُونَ عَلَى الأَرَائِكِ وَالكَرَاسِي يَدَخِنُونَ السِّجَائِرَ وَيَحْتَسُونَ الخَمْرَ يَتَهَامَسُونَ وَيَضْحَكُونَ فِي ضَوْضَاءِ وَفَوْضَى تَعَوَّدُوا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الوَكْرِ. جَمِيعُهُمْ مِنَ الغَجَرِ وَلَكِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَخَصُّصًا: مِنْهُمْ مَنْ يَسْرِقُ السَّيَّارَاتِ، وَآخَرُ يَبِيعُ المَدَّخَرَاتِ، وَآخَرُ تَخَصَّصَ فِي خَطْفِ الأبْرِيَاءِ، وَآخَرُ تَخَصَّصَ فِي بَيْعِ الأَسْلِحَةِ النَّارِيَّةِ.
كَانَ عَلاءُ يَقُودُ عِصَابَتَهُ لِرِبْحِ الأَمْوَالِ بِطَرِيقَةٍ؛ كَانَ عَلاءُ جَشِعًا لا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ بِجَسَدٍ صَغِيرٍ لَكِنَّهُ مَاكِرٌ. كَانَتْ عِصَابَةُ الغَجَرِ تُعَدُّ أَكْبَرَ عِصَابَةٍ فِي مِصْرَ نَظَرًا لِتَعَدُّدِ مَهَارَةِ أَفْرَادِهَا وَذَكَاءِ عَلاءَ الفَائِقِ الَّذِي يُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجَدِيدَةٍ وَمُبْتَكَرَةٍ دَائِمًا. يَسْتَخْدِمُ البَشَرَ وَيَسْتَخْدِمُ القُرُودَ وَيَسْتَخْدِمُ ظُرُوفَ البَلْدَةِ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخْدِمُ الهَوَاءَ الطَّائِرَ لِتَنْفِيذِ أَهْدَافِهِ وَخُطَطِهِ الغَيْرِ مَشْرُوعَةِ. كَانَ طُمُوحًا وَيَنْظُرُ إِلَى المَافِيَاتِ العَالَمِيَّةِ الَّتِي سَيْطَرَتْ عَلَى بِلَادٍ كَامِلَةٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِسَيْطَرَةِ عِصَابَتِهِ عَلَى بَلْدَةِ الغَجَرِ فَقَطْ بَلْ سَيْطَرَ عَلَى بَلْدَاتٍ أُخْرَى مُجَاوِرَةٍ؛ كَانُوا يَخْشَوْنَ مِنْ عِصَابَةِ الغَجَرِ الغَيْرِ تَقْلِيدِيَّةِ الَّتِي لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ تَخْرُجُ أَوْ أَيْنَ يَسْكُنُونَ.
جَلَسَ عَلاءُ يُفَكِّرُ فِي مَا قَالَهُ لَهُ بَشّارٌ شاردًا لَا يَسْمَعُ ضَجِيجَ أَفْرَادِ عِصَابَتِهِ مِنْ حَوَالِهِ، وَكَعَادَتِهِ دَائِمًا يُخْتَرِعُ الحِيَلَ الجَدِيدَةَ لِتَنْفِيذِ جَرَائِمِهِ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ وَذَكِيَّةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ وَغَيْرِ تَقْلِيدِيَّةٍ، أَفْكَارُهُ دَائِمًا مُبْهِرَةٌ لِأَفْرَادِ العِصَابَةِ وَالَّذِينَ بِدَوْرِهِمْ يُنَفِّذُونَ تَعْلِيمَاتِهِ دُونَ نِقَاشٍ.
وَبَعْدَ أَنْ احْتَسَى عَلاءُ زُجَاجَةَ الخَمْرِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَهَضَ تَارِكًا كُرْسِيَّهُ وَاسْتَدَارَ نَاظِرًا إِلَى رِجَالِهِ؛ صَمَتَ الجَمِيعُ وَتَوَقَّفُوا عَنِ الضَّجِيجِ وَالقَهْقَهَةِ.
وَقَالَ عَلاءُ: أُرِيدُ ثَلَاثَةً فَقَطْ مِنْكُمْ لِمُهِمَّةٍ فِي القَاهِرَةِ، وَلَكِنْ مَنْ سَأَخْتَارُ؟ ظَلَّ يُحَدِّقُ فِي أَفْرَادِ العِصَابَةِ لِثَوَانٍ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ زِينٍ قَائِلًا: أَنْتَ يَا زِينٌ، لِأَنَّكَ تَعْرِفُ الطَّرِيقَ.
ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ أَدْهَمَ وَقَالَ: وَأَنْتَ يَا أَمْجَدُ، لِأَنَّكَ سَائِقٌ مَاهِرٌ.
ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ أَسْرٍ وَقَالَ: أَنْتَ يَا أَسْرٌ، لِأَنَّكَ تَمْتَلِكُ العَضَلَاتِ وَالمُخَّ.
المُهِمَّةُ لَيْسَتْ صَعْبَةً، إِنَّهَا مُهِمَّةٌ خَفِيفَةٌ وَسَهْلَةٌ عَلَيْكُمْ؛
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ سَتَضْرِبُونَهُ وَتُشْبِعُونَهُ ضَرْبًا حَتَّى المَوْتِ، تَسْرِقُونَ سَيَّارَتَهُ وَتَأْتُونَ بِهَا إِلَى هُنَا. مِنَ الغَدِ صَبَاحًا يَا رِجَالُ الخُطَّةِ، سَتَخْرُجُونَ دُونَ سَيَّارَاتٍ مِتْرَجِلِينَ مُسْتَخْدِمِينَ وَسَائِلَ المُوَاصَلَاتِ حَتَّى لَا يُتَبَعَكُمُ الشُّرْطَةُ، وَسَتَعُودُونَ إِلَى بَلْدَةِ الغَجَرِ بِسَيَّارَةِ بَاسِلٍ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي كَانَ الثُّلاثِيُّ الَّذِي كُلِّفَهُم عَلاءُ بِالمُهِمَّةِ فِي القَاهِرَةِ.
وَقَفَ زِينٌ وَأَمْجَدُ وَأَسْرٌ دَاخِلَ إِحْدَى عَرَبَاتِ وَسَائِلِ المُوَاصَلَاتِ العَامَّةِ، المُتْرُو. كَانُوا يَشْعُرُونَ وَكَأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَيَتَخَفَّوْنَ مِنْ نَظَرَاتِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ فِي هَذِهِ المَلَابِسِ الشِّتَوِيَّةِ الَّتِي يَرْتَدُونَهَا، يَضَعُونَ عَلَى رُؤُوسِهِم مِعْطَفَ الرَّأْسِ الَّذِي يُخْفِي وُجُوهَهُمْ وَيَنْظُرُونَ تَحْتَ أَقْدَامِهِم.
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِخْفَاءِ هُوِيَّتِهِم الغَجَرِيَّةِ الوَاضِحَةِ مِنْ هَذِهِ الحُلِيِّ الكَثِيرَةِ الَّتِي يَرْتَدُونَهَا فِي أَعْنَاقِهِم وَمَعَاصِمِهِم وَالخَوَاتِمِ فِي أَصَابِعِهِم. كَانَتِ الهُوِيَّةُ الغَجَرِيَّةُ تُسَيْطِرُ عَلَى هُوِيَّتِهِم حَتَّى وَإِنْ تَخَفُّوا.
وَبَعْدَ انْتِظَارِ دَقَائِقَ دَاخِلَ عَرَبَةِ مِتْرُو الأَنْفَاقِ، كَانَتْ الدَّقَائِقُ طَوِيلَةً عَلَيْهِمْ، يُحَاوِلُونَ فِيهَا الهُرُوبَ مِنْ نَظَرَاتِ مُسْتَقِلِّي العَرَبَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُحَلِّلُونَهُمْ وَيَتَفَحَّصُونَهُمْ بِأَعْيُنٍ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالغَرَابَةِ، وَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ زَمَنٍ آخَرَ.
مَعَ وُصُولِ المِتْرُو إِلَى المَحَطَّةِ، خَرَجَ أَسْرٌ وَزِينٌ وَأَمْجَدُ مِنْ عَرَبَةِ المِتْرُو إِلَى المَحَطَّةِ المَزْدَحِمَةِ بِالنَّاسِ. سَارُوا وَسْطَ النَّاسِ إِلَى حِوَارٍ بَعْضُهُمْ بَدَا فِي أَعْيُنِهِمُ الشَّرُّ وَاضِحًا. خَرَجُوا مِنَ المَحَطَّةِ بَعْدَ تَجَاوُزِ مَاكِينَاتِ المَرُورِ إِلَى الشَّارِعِ، مِتْرَجِلِينَ وَسْطَ أَعْيُنِ النَّهَارِ إِلَى فِيلَا الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ.
وَقَفُوا عَلَى الرَّصِيفِ عَلَى مُقَرَّبَةٍ مِنَ الفِيلَا، يَنْتَظِرُونَ عَوْدَةَ الطَّبِيبِ المَشْهُورِ بَاسِلٍ، وَاسْمُهُ يَعْلُو مَكْتُوبًا عَلَى يَافِطَةٍ صَغِيرَةٍ جَوَارَ بَابِ الفِيلَا. أَشْعَلُوا السِّجَائِرَ، عَالَ الدُّخَانُ فِي الهَوَاءِ وَاحْتَكَّتْ أَيْدِيهِمْ بِبَعْضِهَا، يَشْعُرُونَ بِبُرُودَةِ الجَوِّ مَعَ اقْتِرَابِ اللَّيْلِ. تَكَرَّرَ تَدْخِينُهُم إِلَى السِّجَائِرِ.
ابْتَسَمَ أَمْجَدُ وَهُوَ يُظْهِرُ سُلُوكَهُ السَّيِّئَ مِنَ التَّبَوُّلِ عَلَى الرَّصِيفِ. فَرَكَ أَسْرٌ يَدَيْهِ يَشْعُرُ بِدَفْءِ الاحْتِكَاكِ. عَادَل وَأَمْجَدُ وَقَفُوا إِلَى جَوَارِهِم، أَطْفَأُوا السِّجَائِرَ تَحْتَ أَحْذِيَتِهِمْ عَلَى بُلُوكَاتِ الرَّصِيفِ.
نَزَعَ زِينٌ مَعْصَمَ الرَّأْسِ وَنَظَرَ نَحْوَ نِهَايَةِ الشَّارِعِ المُمتَدِّ أَمَامَهُ. كَانَ اللَّيْلُ قَدْ خَلَّى عَلَى القَاهِرَةِ، وَإضَاءةُ أَعْمِدَةِ الإنَارَةِ تَمْلَأُ الشَّارِعَ بِإضَاءةٍ صَفْرَاءَ خَافِتَةٍ فِي هُدُوءِ الحَيِّ الرَّاقِيِّ الَّذِي يَسْكُنُهُ الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ.
قَالَ أَسْرٌ: لِفْ سِجَارَةَ حَشِيشٍ يَا أَمْجَدُ.
قَالَ أَمْجَدُ: أَنَا لَا أُرِيدُ الحَشِيشَ الآنَ.
قَالَ زِينٌ: أَنَا سَأَلِفُ.
قَالَ أَسْرٌ: أَفْضَلُ مَا بِكَ يَا زِينُ أَنْكَ تُحِيدُ لَفَّ السِّجَائِرِ فِي أَيِّ مَكَانٍ.
أَشْعَلَ زِينٌ سِجَارَةَ الحَشِيشِ، تَبَادَلُوا شُرْبَ السِّجَارَةِ أَسْرٌ وَزِينٌ. وَفَجْأَةً ظَهَرَتْ سَيَّارَةُ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ فِي بَدَايَةِ الطَّرِيقِ تَقْتَرِبُ مِنَ الفِيلَا.
أَطْفَأَ أَسْرٌ السِّجَارَةَ تَحْتَ حِذَائِهِ.
قَالَ أَمْجَدُ: إِنَّهُ بَاسِلٌ.
مَعَ وُصُولِ سَيَّارَةِ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ، اقْتَرَبَ أَسْرٌ مِنَ الفِيلَا وَوَقَفَ أَمَامَ البَوَّابَةِ، بَدَا كَأَنَّهُ جِسْمٌ ضَخْمٌ يُغْلِقُ البَوَّابَةَ. وَقَفَتْ سَيَّارَةُ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ مُنْدَهِشَةً مِنْ هَذِهِ الكُتْلَةِ العَضَلِيَّةِ الَّتِي تَقِفُ تَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ مَنْزِلِهِ. فَتَحَ بَابَ السَّيَّارَةِ وَخَرَجَ، وَمَعَ خُرُوجِهِ كَانَ زِينٌ وَأَمْجَدُ وَأَسْرٌ يَضْرِبُونَهُ وَيَرْكُلُونَهُ بِقُوَّةٍ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ جِسْمِهِ. وَقَعَ أَرْضًا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ.
إِنْهَالَ عَلَيْهِ الثُّلاثِيُّ الإِجْرَامِيُّ بِرَكَلٍ قَوِيَّةٍ تُهَشِّمُ العِظَامَ، أَنحَى أَسْرٌ وَتَنَاوَلَ قَدَمَ الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ فِي يَدِهِ وَلَفَّهَا بِقُوَّةٍ حَتَّى تَهَشَّمَتْ عِظَامُهَا وَسَمِعَ صَوْتَهَا بِأُذْنِهِ. كَانَ وَجْهُ بَاسِلٍ لَا يُمَكَّنُ أَنْ يُرَى مِنَ الدِّمَاءِ الَّتِي تَنْسَالُ مِنْ وَجْهِهِ. جَرَّ أَسْرٌ بَاسِلَ مِنْ قَدَمِهِ وَأَلْقَاهُ فَوْقَ الرَّصِيفِ.
اسْتَقَلَّ الثُّلاثَةُ السَّيَّارَةَ بِسُرْعَةٍ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ سَيَّارَةٌ فِي بَدَايَةِ الشَّارِعِ تَقْتَرِبُ مِنْهُمْ. جَلَسَ أَمْجَدُ خَلْفَ المُقُودِ، وَأَسْرٌ جَوَارَهُ، وَزِينٌ فِي الأَرِيكَةِ الخَلْفِيَّةِ. وَانْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ بِسُرْعَةٍ مُحْدِثَةً صَوْتَ صَرَاخِ العَجَلَاتِ عَلَى الطَّرِيقِ الأَسْفَلَتِيِّ مُخْتَلِطًا بِرَائِحَةِ الزَّيْتِ وَأَدْخِنَةِ المُحَرِّكِ.
مِنْ دَاخِلِ السَّيَّارَةِ الَّتِي تُوَاجِهُهُم كَانَ يَجْلِسُ خَلْفَ المُقُودِ أَحَدُ الرِّجَالِ الَّذِي رَأَى الدُّكْتُورَ بَاسِلَ عَلَى الرَّصِيفِ يَنْزِفُ الدِّمَاءَ، فَنَحَرَفَ بِالمُقُودِ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ سَيَّارَةِ بَاسِلَ الَّتِي يَقُودُهَا أَمْجَدُ مُحَاوِلًا إِيقَافَهُمْ. ضَاقَ الطَّرِيقُ أَمَامَ أَمْجَدَ، الَّذِي لَنْ يُبَالِي وَانْحَرَّ نَحْوَ سَيَّارَةِ الرَّجُلِ فَتَرَاجَعَ الرَّجُلُ أَفْسَحَ لَهُمْ الطَّرِيقَ وَصَعِدَتْ سَيَّارَتُهُ إِلَى الرَّصِيفِ وَتَعَطَّلَتْ فَوْقَهُ. فَتَحَ بَابَ السَّيَّارَةِ وَخَرَجَ مُسْرِعًا وَاتَّجَهَ إِلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ، أَنحَى وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ وَجْهِهِ. كَانَ بَاسِلٌ يَبْدُو كَأَنَّهُ فَارَقَ الحَيَاةَ.
أَمَّا دَاخِلَ سَيَّارَةِ بَاسِلَ فَكَانَ أَمْجَدُ خَلْفَ المُقُودِ يُقَهْقِهُ، وَأَسْرٌ وَزِينٌ. عَلَتِ الضَّحِكَاتُ، وَقَالَ أَسْرٌ وَهُوَ يَنْظُرُ خَلْفَهُ لِيَرَى سَيَّارَةَ الرَّجُلِ فَوْقَ الرَّصِيفِ مِنْ خَلْفِ الزُّجَاجِ: لَقَدْ أَصَبْتَ سَيَّارَةَ الرَّجُلِ.
تَوَاصَلَتِ الضَّحِكَاتُ دَاخِلَ السَّيَّارَةِ المَسْرُوقَةِ، وَبَدَأَتِ احْتِفَالَاتُ الغَجَرِ الثُّلاثَةِ دَاخِلَ السَّيَّارَةِ بَعْدَ تَنْفِيذِ المُهِمَّةِ. أَخْرَجَ أَسْرٌ مِنْ جَيْبِ سِتْرَتِهِ الشِّتَوِيَّةِ الكَبِيرَةِ زُجَاجَةَ الخَمْرِ وَاحْتَسَى مِنْهَا، وَأَشْعَلَ زِينٌ السِّجَائِرَ المَلْفُوفَةَ بِالحَشِيشِ.
أَمْجَدٌ
أَحَدُ أَفْرَادِ عِصَابَةِ الغَجَرِ، رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ العِشْرِينَاتِ، نَحِيلُ الجِسْمِ لَكِنَّهُ مُشَدَّدٌ كَوتَرٍ مُشَحَّونٍ. تَتَحَرَّكُ عَضَلَاتُهُ بِعَصَبِيَّةٍ خَفِيفَةٍ حَتَّى وَهُوَ ثَابِتٌ فِي مَكَانِهِ. عَيْنَاهُ حَادَّتَانِ، لَا تَسْتَقِرَّانِ طَوِيلًا، كَأَنَّهُمَا تَبْحَثَانِ دَائِمًا عَنْ طَرِيقٍ لِلْهُرُوبِ أَوْ مُطَارَدَةٍ قَادِمَةٍ. بَشَرَتُهُ سَمْرَاءُ دَاكِنَةٌ لَفَحَتْهَا الشَّمْسُ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ آثَارَ حَيَاةٍ قَاسِيَةٍ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ رَفَاهِيَّةَ الهُدُوءِ.
يَمْتَلِكُ أَمْجَدُ مَهَارَةً اسْتِثْنَائِيَّةً فِي قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ بِفِطْرَتِهِ؛ يَتَعَامَلُ مَعَ عَجَلَةِ القِيَادَةِ كَأَنَّهَا إِمْتِدَادٌ لِيَدَيْهِ، يَشْعُرُ بِالطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَيَقْرَأُ حَرَكَةَ المُرَكَّبَاتِ بِغَرِيزَةِ صَيَّادٍ. فِي المُطَارَدَاتِ، يَتَحَوَّلُ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ: هَادِئٌ، بَارِدُ الأعْصَابِ، يَحْسُبُ المَسَافَاتِ فِي أَجْزَاءِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَيَنْزَلِقُ بَيْنَ السَّيَّارَاتِ بِثِقَةٍ خَطِرَةٍ، لَا يَتَرَدَّدُ وَلَا وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْخَلْفِ إِلَّا لِيَقِيسَ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَطَرِ.
دَاخِلَ الْعِصَابَةِ، يُعْتَبَرُ أَمْجَدُ سِلَاحَ الْهُرُوبِ وَالْمُطَارَدَةِ، الرَّجُلُ الَّذِي يُسْتَدْعَى حِينَ تَضِيقُ الطُّرُقُ وَتَشْتَدُّ الْقَبْضَةُ الْأَمْنِيَّةُ. لَدَيْهِ شَجَاعَةٌ كَبِيرَةٌ وَيَدٌ ثَابِتَةٌ، وَنَفَسٌ طَوِيلٌ، وَقُدْرَةٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَتَرَدَّدُ فِيهَا الْآخَرُونَ.
وَرَغْمَ قَسْوَتِهِ الظَّاهِرَةِ، يَحْمِلُ أَمْجَدُ فِي دَاخِلِهِ خَوْفًا قَدِيمًا مِنَ التَّوَقُّفِ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ، بِالنِّسْبَةِ لَهُ، يَعْنِي السُّقُوطَ… وَلِذَلِكَ يَظَلُّ دَائِمًا خَلْفَ الْمُقُودِ، هَارِبًا أَوْ مُطَارَدًا، وَلَكِنْ حَيًّا.