_أَسْر
أَسْرُ أَحَدُ أَفْرَادِ العِصَابَةِ، رَجُلٌ ضَخْمُ الجِسْمِ، عَرِيضُ الكَتِفَيْنِ، يَبْدُو كَكُتْلَةٍ مِنَ القُوَّةِ الخَالِصَةِ. جِسْدُهُ مُشَدَّدٌ، وَعَضَلَاتُهُ بَارِزَةٌ لَمْ تُصْنَعْ لِلْهُرُوبِ بَلْ لِلِاصْطِدَامِ، حُضُورُهُ يَفْرِضُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَخُطُوَاتُهُ الثَّقِيلَةُ تَسْبِقُ صَوْتَهُ وَتَزْرَعُ القَلَقَ فِي المَكَانِ.
يَتَكَلَّمُ أَسْرُ بِيَدِهِ قَبْلَ لِسَانِهِ؛ قَبْضَتُهُ لُغَتُهُ الأُولَى، وَالضَّرْبُ مَنْطِقُهُ المُفَضَّلُ. لَا يُجِيدُ الجَدَلَ، وَلَا يُؤْمِنُ بِالكَلَامِ الطَّوِيلِ، فَحِينَ يَشْعُرُ بِالإِهَانَةِ أَوِ الخَطَرِ، تَتَحَرَّكُ يَدَاهُ تِلْقَائِيًّا وَكَأَنَّهُمَا سَبَقَتَا تَفْكِيرَهُ. عَيْنَاهُ حَادَّتَانِ، نَظَرَاتُهُ مُبَاشِرَةٌ، تَخْلُو مِنَ التَّرَدُّدِ، وَتَحْمِلُ تَهْدِيدًا صَامِتًا يَكْفِي لِإِسْكَاتِ كَثِيرِينَ.
دَاخِلَ العِصَابَةِ، يُسْتَدْعَى أَسْرُ حِينَ يُصْبِحُ العُنْفُ هُوَ الحَلُّ الوَحِيدُ. لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ فِي المُوَاجَهَةِ، لَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ مُخْلِصٌ لِمَنْ يَعْتَبِرُهُمْ "أَهْلَهُ مِنْ عِصَابَةِ الغَجَرِ"، يُحْمِيهِم بِجِسْمِهِ قَبْلَ سِلَاحِهِ، وَيَقِفُ فِي الصُّفُوفِ الأَمَامِيَّةِ دُونَ خَوْفٍ مِنَ العَوَاقِبِ. يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي العِصَابَةِ، لَكِنَّهُ أَوَّلُهُمْ.
أَسْرُ لَيْسَ ذَكِيًّا فِي التَّخْطِيطِ، لَكِنَّهُ بَالِغُ الخَطَرِ فِي التَّنْفِيذِ. وُجُودُهُ وَحْدَهُ رِسَالَةٌ: هُنَا لَا مَجَالَ لِلْكَلَامِ… هُنَا تُحْسَمُ الأُمُورُ بِالقُوَّةِ فَقَطْ.
_زَيْن
زَيْنُ أَحَدُ أَفْرَادِ العِصَابَةِ، شَابٌّ ذَكِيٌّ وَسَرِيعُ البَدِيهَةِ، يَتَحَرَّكُ بِخِفَّةٍ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ خُطُورَةِ مَا يَفْعَلُ. يَسْتَهْزِئُ بِالخَطَرِ وَلَا يَخَافُهُ، ثِقَتُهُ فِي نَفْسِهِ كَبِيرَةٌ. عَيْنَاهُ يَقِظَتَانِ دَائِمًا، تَلْتَقِطَانِ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يُغْفِلُ عَنْهَا الآخَرُونَ، وَكَأَنَّ عَقْلَهُ يَسْبِقُ خُطْوَةً إِلَى الأَمَامِ مِنَ الجَمِيعِ.
هُوَ ابْنُ بَشَّارَ، وَيُشْتَرَكُ فِي الدَّمِ مَعَ أَخَوَيْهِ عَلَاء وَبَاسِل مِنْ أُمٍّ أُخْرَى غَيْرُ وَلَدَةِ بَاسِلَ وَغَيْرُ هَلَا أَيْضًا وَلَدَةُ عَلَاء، عَلَاقَةٌ بِعَلَاء يَشُوبُهَا التَّنَافُسُ الْمَكْتُومُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشُوبُهَا الوُدُّ. يَعْرِفُ كَيْفَ يُحَافِظُ عَلَى مَكَانِهِ بَيْنَهُمْ دُونَ صِدَامٍ مُبَاشِرٍ، يَعْتَمِدُ عَلَى الذَّكَاءِ وَالمَرَاوَغَةِ بَدَلَ القُوَّةِ أَوِ التَّهْدِيدِ.
دَاخِلَ العِصَابَةِ، يُعَدُّ زَيْنُ عُنْصُرًا حَاسِمًا فِي اللَّحَظَاتِ الحَرِجَةِ؛ سَرِيعُ القَرَارِ، قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ الخُطَّةِ فِي ثَوَانٍ، وَلَا يَتَجَمَّدُ تَحْتَ الضَّغْطِ. لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ حِينَ يَتَكَلَّمُ يَكُونُ كَلَامُهُ مُحْسُوبًا، مُخْتَصَرًا، وَيُصِيبُ الهَدَفَ دَائِمًا.
زَيْنُ لَا يُحِبُّ المُوَاجَهَاتِ المُبَاشِرَةَ، يُفَضِّلُ الفَوْزَ دُونَ ضَجِيجٍ، وَيُؤْمِنُ أَنَّ النَّجَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي القُوَّةِ وَلَا فِي العَدَدِ، بَلْ فِي العَقْلِ الَّذِي يَعْرِفُ مَتَى يَتَقَدَّمُ… وَمَتَى يَخْتَفِي.
انْطَلَقَتْ سَيَّارَةُ دُكْتُورِ بَاسِلَ فِي شَوَارِعِ القَاهِرَةِ، يَحْتَفِلُونَ بِسَرِقَةِ السَّيَّارَةِ وَتَنْفِيذِ المُهِمَّةِ فِي صَخَبِ الأَغَانِي دَاخِلَ السَّيَّارَةِ وَأَدْخِنَةِ السَّجَائِرِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن نَوَافِذِهَا وَرَائِحَةِ الخَمْرِ. تَتَسَلَّلُ السَّيَّارَةُ بَخِفَّةٍ وَسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ كَأَنَّهَا حَيَّةٌ غَجَرِيَّةٌ تَجُوبُ شَوَارِعَ القَاهِرَةِ.
_عَلَاء
أَمَّا عَلَاء فَكَانَ فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ الَّتِي لَا تَهْدَأُ أَبَدًا.
جَلَسَ عَلَاء فِي الوَكْرِ وَالنَّسْنَاسَةُ يَجْلِسُ عَلَى أَقْدَامِهِ، وَبَعْضُ أَفْرَادِ العِصَابَةِ يَفْتَحُونَ صَنَادِيقَ الأَسْلِحَةِ يُنَظِّفُونَ الأَسْلِحَةَ وَيُرَتِّبُونَهَا وَيُعِيدُونَهَا إِلَى الصَّنَادِيقِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْمِلُ الصَّنَادِيقَ المُغْلَقَةَ، وَيُخْرِجُونَهَا مِنْ بَابِ الوَكْرِ، يَضَعُونَهَا فِي السَّيَّارَاتِ.
كَانَ عَلَاء يَجْلِسُ يُلَاعِبُ النَّسْنَاسَ بِكُلِّ ثِقَةٍ، يَصُبُّ الخَمْرَ فِي الكَأْسِ، يُسْقِي النَّسْنَاسَ وَيَبْتَسِمُ، فِي هُدُوءٍ تَامٍ وَكَأَنَّهُمْ يَبِيعُونَ شَيْئًا غَيْرَ مَمْنُوعٍ. نَهَضَ عَلَاء فَقَفَزَ النَّسْنَاسُ إِلَى كَتِفِهِ، قَالَ عَلَاء:
كَم صُنْدُوقًا تَبَقَّى؟
قَالَ أَحَدُهُمْ: جَمِيعُ الصَّنَادِيقِ بِحَالَةٍ جَيِّدَةٍ.
قَالَ عَلَاء: تَتَحَرَّكُ السَّيَّارَاتُ الآن.
خَرَجَ عَلَاء مِنَ الوَكْرِ مُتْرُكًا خَلْفَهُ رِجَالَ العِصَابَةِ يَحْمِلُونَ الصَّنَادِيقَ إِلَى الخَارِجِ، وَكَأَنَّ عِصَابَةَ الغَجَرِ لَا تَهْدَأُ أَبَدًا، فَمِنْهُم مَنْ يَعْمَلُ فِي عَمَلِيَّةِ ببَيْع أَسْلِحَةِ وَمِنْهُم مَنْ يَعْمَلُ فِي عَمَلِيَّةِ سَرِقَةِ السَّيَّارَةِ، وَرُبَّمَا مَنْ يَكُونُ مِنْهُم قَدْ كُلِّفَ بِمُهِمَّةٍ أُخْرَى مِنْ عَلَاء.
وَفِي اليَوْمِ التَّالِي كَانَ عَلَاءُ فِي وَكْرِ العِصَابَةِ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ بَيْنَ الغَجَرِ، وَيَجْلِسُ جِوَارَهُ زَيْنٌ وَأَمْجَدُ وَأَسْرُ، قَالَ عَلَاءُ:
عَلَاءُ: أَبْلَيْتُمْ حَسَنًا يَا رِجَالُ، عَمَلٌ جَيِّدٌ كَمَا رَتَّبْتُ لَهُ بِالضَّبْطِ.
قَالَ زَيْنٌ: مَاذَا سَنَفْعَلُ فِي هَذِهِ السَّيَّارَةِ؟
قَالَ عَلَاءُ: يُمْكِنُ أَنْ تَبِيعَهَا.
قَالَ أَمْجَدُ: لَكِنِّي أَخْشَى أَنْ يُبَلِّغَ الشُّرْطَةَ، وَنَحْنُ لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى زِيَادَةِ البَلَاغَاتِ ضِدَّنَا، وَالِاشْتِبَاكِ حَالِيًّا مَعَ الشُّرْطَةِ، خَاصَّةً أَنَّ هُنَاكَ سَيَّارَةً حَاوَلَتْ إِيقَافَنَا إِلَّا أَنَّنَا اسْتَطَعْنَا الهُرُوبَ مِنْهَا، يُمْكِنُ أَنْ يُبَلِّغَ عَنَّا.
قَالَ عَلَاءُ: السَّيَّارَةُ سَتُقَطَّعُ أَجْزَاءً وَتُبَاعُ، يُبَلِّغْ كَمَا يَشَاءُ… مَا نَوْعُ هَذِهِ السَّيَّارَةِ؟
قَالَ أَمْجَدُ: بِي إم دَبْلِيُو.
قَالَ عَلَاءُ: جَيِّدٌ جِدًّا.
نَهَضَ عَلَاءُ مِنَ الأَرِيكَةِ وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَفْرَادُ العِصَابَةِ خَلْفَهُ، تَنَاوَلَ زُجَاجَةَ الخَمْرِ وَاحْتَسَى رَشْفَةً، وَوَضَعَ الزُّجَاجَةَ إِلَى الطَّاوِلَةِ جِوَارَ النَّسْنَاسِ حَيْثُ كَانَ جَالِسًا عَلَى الطَّاوِلَةِ.
مَدَّ النَّسْنَاسُ قَدَمَهُ إِلَى زُجَاجَةِ الخَمْرِ فَوَقَعَتِ الزُّجَاجَةُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَانْسَكَبَ الخَمْرُ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَانْسَالَ أَرْضًا.
قَفَزَ النَّسْنَاسُ فِي الغُرْفَةِ، يَتَسَلَّقُ الجُدْرَانَ وَيَصْرُخُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ عَلَاءُ بِانْدِهَاشٍ، ضَحِكَ أَفْرَادُ العِصَابَةِ، لَكِنَّ عَلَاءَ لَمْ يَضْحَكْ، كَانَ يَفْهَمُ مَا يَعْنِيهِ النَّسْنَاسُ…
وَمِنْ وَكْرِ الغَجَرِ المُظْلِمِ الَّذِي انْتَشَرَ شَرُّهُ فِي أَرْجَاءِ البَلْدَةِ، إِلَى مَنْزِلِ الدُّكْتُورِ بَاسِلَ الغَجَرِيِّ الَّذِي انْتَشَرَ خَيْرُهُ وَوَسِعَتْ شُهْرَتُهُ بَيْنَ الأَطِبَّاءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ شَرِّ الغَجَرِ وَإِيذَائِهِمْ.
كَانَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى سَرِيرِهِ مَرِيضًا فِي بَيْتِهِ، وَعَلَى قَدَمِهِ الجَبِيرَةُ، يَحْدِقُ إِلَى الفَرَاغِ، وَكَأَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتًا يَقُولُ:
مَنْ يَا طَبِيبُ الَّذِي ابْتَلَاكَ؟
عِرْقٌ وَدَمٌ بِالمَوْتِ يُدَاهِمُكَ،
وَيَدُ الغَجَرِ تَتَمَنَّاكَ…
أَبًا وَأَخًا لِلْمَوْتِ دَعَاكَ،
شَرًّا هَرَبْتَ مِنْهُ قَدِيمًا،
عَادَ غَائِرًا يُرِيدُ الهَلَاكَ…
وَقَفَتْ مَرْيَمُ جِوَارَ الدُّكْتُورِ بَاسِلَ تُمْسِكُ بِيَدِهِ، وَبَدَا عَلَيْهَا القَلَقُ وَالحُزْنُ، وَوَقَفَ جِوَارَهَا المُهَنْدِسُ ذَكِيٌّ وَفَادِيَةُ وَالِدَةُ مَرْيَمَ.
قَالَ ذَكِيٌّ:
مَنْ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذَا يَا دُكْتُورُ؟ أَنْتَ لَيْسَ لَكَ أَعْدَاءٌ!
قَالَ بَاسِلُ:
لَا أَعْرِفُ… لَا أَعْرِفُ، كَانُوا يَضَعُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَقْنِعَةً سَوْدَاءَ تُخْفِي مَلَامِحَهُمْ.
قَالَ ذَكِيٌّ:
أَنَا سَأُبَلِّغُ الشُّرْطَةَ حَالًا.
وَعِنْدَمَا كَانَ بَاسِلُ مَرِيضًا، كَانَ عَلَاءُ وَبِشَارُ فِي مَنْزِلِ بَشَّارَ، وَقَفَ عَلَاءُ أَمَامَ بَشَّارَ قَائِلًا: كَمَا طَلَبْتَ، أَوَّلُ طَعْنَةٍ لِبَاسِلَ كَانَتْ: سَرِقَةُ سَيَّارَتِهِ وَضَرْبَةٌ حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ.
بِشَارُ: لَا يَبْدُو هَذَا كَافِيًا يَا عَلَاءُ، يَجِبُ أَنْ يَقَعَ، يَفْتَتُ إِلَى أَجْزَاءٍ لَا يُسْتَطَاعُ النُّهُوضُ مَرَّةً أُخْرَى… سَيَّارَةٌ تُسْرَقُ مِنْهُ سَيَسْتَطِيعُ شِرَاؤُهَا غَيْرَهَا. أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ الضَّرَبَاتُ مُتَوَالِيَةً حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ الوُقُوفَ عَلَى أَقْدَامِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
عَلَاءُ: يَبْدُو أَنَّ وُجُودَهُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ يُزْعِجُكَ، نَقْتُلُهُ وَنُنْهِى الأَمْرَ.
بِشَارُ: لَا تَقْتُلْهُ، أُرِيدُ أَنْ يَشْعُرَ بِالعَذَابِ عَلَى كُلِّ الأَيَّامِ الَّتِي قَضَاهَا خَارِجَ الغَجَرِ.
عَلَاءُ: لَا زَالَ يُعَانِي مِنَ الطَّعْنَةِ الأُولَى، عِنْدَمَا يَقِفُ عَلَى قَدَمَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، سَتَكُونُ الطَّعْنَةُ الثَّانِيَةُ جَاهِزَةً، الضَّرْبَةُ الثَّقِيلَةُ.
بِشَارُ: أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تَائِهًا، لَا يَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ مِنْ ضَرْبَةٍ فَيَجِدُ التَّالِيَةَ، اجْعَلْ حَيَاتَهُ مُظْلِمَةً.
عَلَاءُ: أَتْرُكِ الأَمْرَ لِي، سَأَجْعَلُهُ فِي نَفَقٍ مِنَ الظَّلَامِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ، يُسْحَبُ نَحْوَ الأَسْفَلِ دَائِمًا.
وَبَعْدَ مُرُورِ أَسَابِيعَ مِنْ حَادِثَةِ سَرِقَةِ سَيَّارَةِ الدُّكْتُورِ بَاسِل وَضَرْبَتِهِ، كَانَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَجْمِعَ قُوَاهُ وَيَذْهَبَ إِلَى العِيَادَةِ بَعْدَ الأَيَّامِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي قَضَاهَا مُسْتَلْقِيًا عَلَى سَرِيرِهِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِ سَاكِنٍ.
فِي العِيَادَةِ لَيْلًا بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، جَلَسَ خَلْفَ المَكْتَبِ، الهَاتِفُ عَلَى أُذْنِهِ، قَائِلًا:
لَا يَا مَرْيَمُ، شُكْرًا يَا حَبِيبَتِي، سَأَطْلُبُ تَاكْسِي.
أَغْلَقَ بَاسِلُ المُكَالَمَةَ وَوَضَعَ الهَاتِفَ فِي جَيْبِهِ، تَنَاوَلَ عُكَّازَتَهُ لِيَعْتَمِدَ عَلَيْهَا وَنَهَضَ، اتَّجَهَ إِلَى بَابِ المَكْتَبِ مُتَعَكِّزًا بِبُطْءٍ عَلَى عِصَاتِهِ. فَتَحَ بَابَ المَكْتَبِ وَخَرَجَ، كَانَتْ تَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبِهَا المُمرِّضَةُ رَشَا فِي صَالَةِ العِيَادَةِ، وَقَدْ غَلَبَهَا النَّعَاسُ، تَضَعُ يَدَيْهَا إِلَى خَدِّهَا وَتُغْلِقُ عَيْنَيْهَا.
وَقَفَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ وَنَظَرَ إِلَيْهَا لِثَوَانٍ، قَالَ: رَشَا…
اسْتَيْقَظَتْ رَشَا مِنْ غَفْوَتِهَا، انْتَفَضَتْ قَلِيلًا وَنَظَرَتْ إِلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلَ بِانْتِبَاهٍ وَابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ.
قَالَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ: السَّاعَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ، أَمَا تُرِيدِينَ المُغَادَرَةَ؟
نَهَضَتْ رَشَا وَقَالَتْ: بِالطَّبْعِ أُرِيدُ المُغَادَرَةَ، غَفَوْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ خَلْفَ المَكْتَبِ، يَبْدُو أَنَّ الجُلُوسَ كَثِيرًا فِي المَنْزِلِ جَعَلَنِي أَغْفُو سَرِيعًا، اِسْمَحْ لِي أَنْ أَوْصِلَكَ إِلَى المَنْزِلِ بِسَيَّارَتِي المُتَوَاضِعَةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلُ: لَا، شُكْرًا يَا رَشَا، سَأَطْلُبُ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ.
قَالَتْ رَشَا: لَنْ أَتْرُكَكَ تَسْتَقِلُّ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ وَأَنْتَ بِهَذَا الحَالِ، حَتَّى أَبَدًا، وَكَأَنِّي لَا أَمْلِكُ مِنَ الزُّوقِ شَيْئًا، حَضَرْتُكَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى قَدَمَيْكَ.
تَنَاوَلَتْ رَشَا مَفَاتِحَ السَّيَّارَةِ مِنَ المَكْتَبِ وَنَاوَلَتْهَا إِلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلَ، قَالَتْ: إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَقُودَ،
قَالَ بَاسِلُ: لَا، سَتَقُودِينَ أَنْتِ.
خَرَجَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ وَرَشَا مِنَ العِيَادَةِ، أَغْلَقَتْ رَشَا بَابَ العِيَادَةِ، اسْتَقْلُوا السَّيَّارَةَ.