فَمِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَهَذَا يَحْمِلُ ذَرَّةً مِنَ الحَنَانِ فِي قَلْبِهِ، أَوْ يَشْعُرُ بِالوَلاء أَوِ الذُّنْبِ تُجَاهَ مَا فَعَلَهُ بِنَا فِي المَاضِي،
بِشَار... شَيْطَانٌ عَلَى الأَرْضِ، يَمْتَلِكُ ذَكَاءً وَخُبْثًا نَادِرَيْنِ، ذَكَاءَ الثَّعْلَبِ، وَخُبْثَ الأَفْعَى، لَا تَنْخَدِعِي بِالْكَلَامِ الَّذِي قَالَهُ لَكِ، وَلَا بِالوَجْهِ الَّذِي ارْتَدَاهُ أَمَامَكِ، كَانَ مُجَرَّدَ قِنَاعٍ، لَدَيْهِ أَلْفُ وَجْهٍ، يَتَلَوَّنُ كَالْحَرْبَاءِ مَعَ كُلِّ شَخْصٍ،
وَلَهُ مَبْدَأٌ مُخْتَلِفٌ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ.
قَالَتْ مَرِيْمُ:
إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ تَكْرَهُ أَبَاكَ يَا بَاسِل؟
قَالَ بَاسِلُ:
لَمْ أَكْرَهْ أَحَدًا فِي حَيَاتِي كَمَا أَكْرَهُ بَشَارَ.
قَالَتْ مَرِيْمُ:
إذًا، لِمَاذَا ذَهَبْتَ إِلَى عُرْسِ الغَرِيبِ وَطَعْمَة، وَأَخَذْتَنِي إِلَى هُنَاكَ؟
قَالَ بَاسِلُ:
لِأُثْبِتَ لَهُ أَنَّنِي أَصْبَحْتُ قَوِيًّا… وَأَقْوَى مِنْهُ أَيْضًا،
وَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى إِيذَائِي،
وَلِأَكْسِرَ هَذِهِ العُقَدَ الَّتِي صَنَعَهَا دَاخِلِي طِوَالَ حَيَاتِي بِالخَوْفِ لِي وَلِأُمِّي.
كَانَتْ قِصَّةُ حُبِّ بَاسِل وَمَرِيْم وَزَوَاجُهُمَا تَبْدَأُ يَوْمَ أَنْ مَرِضَ ذَكِيٌّ وَدَخَلَ إِلَى المُسْتَشْفَى،
وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَقَفَ الدُّكْتُورُ بَاسِل أَمَامَ المُهَنْدِسِ ذَكِي بَعْدَ أَنْ أَجْرَى لَهُ الفَحْصَ الأَخِيرَ.
كَانَ الضَّوْءُ الأَبْيَضُ يَنْسَابُ مِنْ نَوَافِذِ الغُرْفَةِ، يَنْعَكِسُ عَلَى مَلَامِحِ ذَكِي الَّتِي بَدَتْ أَكْثَرَ ارْتِيَاحًا مِنَ اليَوْمِ السَّابِقِ.
قَالَ بَاسِل بِابْتِسَامَةٍ مِهْنِيَّةٍ مُطْمَئِنَّةٍ:
«صِحَّتُكَ تَحَسَّنَتْ، وَيُمْكِنُكَ مُغَادَرَةُ المُسْتَشْفَى الآن».
تَنَفَّسَ المُهَنْدِسُ ذَكِي بِعُمقٍ، كَأَنَّ ثِقْلًا كَبِيرًا أُزِيلَ عَن صَدْرِهِ. نَهَضَ بِبُطْءٍ، مُسْتَنِدًا إِلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، بَيْنَمَا كَانَتْ فَادِيَة وَمَرِيْم تُرَاقِبَانِ المَشْهَدَ بِقَلَقٍ مَمْزُوجٍ بِالارْتِيَاحِ.
وَقَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الغُرْفَةِ، اعْتَدَلَ ذَكِي، وَالتَفَتَ نَحْوَ بَاسِل قَائِلًا:
«مِنْ فَضْلِكَ يَا دُكْتُور… هَلْ يُمْكِنُنِي الحُصُولُ عَلَى رَقْمِ هَاتِفِكَ؟ قَدْ أَحْتَاجُكَ لِزِيَارَتِي فِي المَنْزِلِ لاحِقًا».
أَوْمَأَ بَاسِل مُوَافِقًا، وَأَعْطَاهُ رَقْمَهُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، التَقَتْ عَيْنَا بَاسِل وَمَرِيْم لِثَوَانٍ صَامِتَةٍ،
نَظْرَةٌ عَابِرَةٌ، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِزَرْعِ شَيْءٍ جَدِيدٍ…
شَيْءٍ لَمْ يُقَالْ، لَكِنَّهُ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ بِهُدُوءٍ فِي القَلْبَيْنِ.
وَهَكَذَا، وَمِنْ دُونِ أَنْ يُدْرِكَا، بَدَأَتْ قِصَّةُ حُبِّ بَاسِل وَمَرِيْم الَّتِي كَانَ يَرَاهَا بَاسِل مُسْتَحِيلَةً؟
وَمَعَ أَوَّلِ زِيَارَةٍ لِبَاسِل فِي مَنْزِلِ المُهَنْدِسِ ذَكِي، كَانَ الانْجِذَابُ إِلَيْهِ وَاضِحًا.
يَدْخُلُ بَاسِل مَنْزِلَ المُهَنْدِسِ ذَكِي…
مَنْزِلٌ وَاسِعٌ، أَنِيقٌ، يَعْكِسُ الثَّرَاءَ وَالنِّظَامَ، عَلَى النَّقِيضِ التَّامِّ مِنْ عَالَمِ عَزْبَةِ الغَجَرِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بَاسِل.
تَسْتَقْبِلُهُ فَادِيَة بِحَفَاوَةٍ وَاحْتِرَامٍ زَائِدَيْنِ:
«اتَّفَضَّلْ يَا دُكْتُور، يَنْتَظِرُكَ».
بَيْنَمَا يَدْخُلُ بَاسِل غُرْفَةَ المَكْتَبِ لِتَحْضِيرِ الكَشْفِ، تَخْرُجُ مَرِيْم مِنْ غُرْفَتِهَا، لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ بَاسِل سَيَحْضُرُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ، تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً عِنْدَمَا رَأَتْ بَاسِل، نَظْرَةٌ قَصِيرَةٌ… مُرْتَبِكَةٌ… نَفْسُ النَّظْرَةِ الَّتِي تَبَادَلَاهَا فِي المُسْتَشْفَى، لَكِنَّهَا هَذِهِ المَرَّةَ أَطْوَلُ، أَعْمَقُ.
تُحَاوِلُ مَرِيْم كَسْرَ الصَّمْتِ: التَقَتْ عَيْنَاهُمَا مَرَّةً أُخْرَى فِي صَمْتٍ، قَالَتْ مَرِيْم: «مَرْحَبًا يَا دُكْتُور بَاسِل».
قَالَ بَاسِل: «مَرْحَبًا يَا مَرِيْم».
قَالَتْ فَادِيَة: «مَرِيْم ابْنَتِي مُهَنْدِسَةٌ فِي السَّنَةِ الأَخِيرَةِ. تُحِبُّ شُرْبَ الشَّاي أَمِ القَهْوَةَ يَا دُكْتُور؟»
يَرُدُّ بَاسِل بِهُدُوءٍ، مُحَاوِلًا إِخْفَاءَ ارْتِبَاكِهِ:
«أُفَضِّلُ الشَّاي…»
أَثْنَاءَ الكَشْفِ عَلَى ذَكِي، طَلَبَتْ فَادِيَة مِنْ مَرِيْم أَنْ تُحْضِرَ بَعْضَ التَّقَارِيرِ الطِّبِّيَّةِ المَوْضُوعَةِ فِي غُرْفَةِ المَكْتَبِ، مَرِيْم قَدَّمَتِ الأَوْرَاقَ لِبَاسِل، فَتَلَاحَظُ تَرْكِيزَهُ الشَّدِيدَ، دِقَّتَهُ، وَنَبْرَةَ صَوْتِهِ الوَاثِقَةِ وَهُوَ يَشْرَحُ الحَالَةَ لِوَالِدِهِ بِلُغَةٍ بَسِيطَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الاسْتِعْلَاءِ.
بَعْدَ اِنْتِهَاءِ الكَشْفِ، جَلَسَ الجَمِيعُ.
سَأَلَ ذَكِي بَاسِل:
«يَبْدُو أَنَّكَ تُحِبُّ عَمَلَكَ وَتَهْتَمُّ بِالمَرْضَى يَا دُكْتُور؟»
تَرَدَّدَ بَاسِل لَحْظَةً… ثُمَّ أَجَابَ بِإيجازٍ:
«الطِّبُّ رِسَالَةٌ وَأَرْوَاحُ المَرْضَى مَسْؤُولِيَّةٌ».
قَالَ ذَكِي: «أَنَا أُحِبُّ العَمَلَ وَالإِخْلَاصَ لَهُ يَا دُكْتُور بَاسِل وَأُقَدِّرُ الأَطِبَّاءَ المُخْلِصِينَ مِثْلَكَ».
قَالَتْ فَادِيَة: «وَلِهَذَا وَقَعَ ذَكِي مَرِيضًا مِنْ كَثْرَةِ العَمَلِ».
قَالَ بَاسِل: «لا، يَجِبُ أَنْ تَحْظَى بِرَاحَةٍ فِي الأَيَّامِ القَادِمَةِ بَعِيدًا عَنِ العَمَلِ».
تَتَدَخَّلُ مَرِيْم بِهُدُوءٍ، بِنَبْرَةِ فُضُولٍ صَادِقٍ وَإِعْجَابٍ:
قَالَ ذَكِي: «لا رَاحَةَ فِي عَمَلِي يَا دُكْتُور وَلَا إِجَازَاتُ الشَّرِكَةِ كُلُّهَا مُحْمَلَةٌ عَلَى كَاهِلِي، مُنْذُ أَن كَانَ مَكْتَبًا صَغِيرًا لِلْمُقَاوَلَاتِ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ إِحْدَى أَكْبَرِ شَرِكَاتِ المُقَاوَلَاتِ فِي مِصْر… مَشْوَارُ كِفَاحٍ طَوِيلٍ مِنَ الصِّفْرِ إِلَى الآن بَذَلْتُ فِيهِ كُلَّ طَاقَتِي، أَتَمَنَّى لَكَ مَسِيرَةً مِهْنِيَّةً مُوَافِقَةً وَأَنْ تَحْصُلَ عَلَى عِيَادَةٍ خَاصَّةٍ بِكَ وَتَجْعَلَهَا مُسْتَشْفًى كَبِيرًا».
«يَبْدُو أَنَّكَ مُكَافِحٌ مِثْلَ وَالِدِي يَا دُكْتُور».
يَنْظُرُ إِلَيْهَا بَاسِل لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِإِمْعَانٍ،
لَا يَرَى مُهَنْدِسَةً فَقَط… بَلْ فَتَاةً تَفْهَمُ مَعْنَى الكِفَاحِ.
يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً:
«يُمْكِن… لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ اخْتِيَارٌ آخَر».
لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ طَوِيلًا لَكِنَّهُ كَانَ كَافٍ لِخَلْقِ رَابِطٍ قَوِيٍّ وَعَلَاقَةٍ
جَدِيدَةٍ فِي حَيَاةِ الدُّكْتُورِ بَاسِلِ وَعِنْدَ مُغَادَرَةِ بَاسِلِ مَنْزِلَ المُهَنْدِسِ ذَكِي قَالَتْ مَرْيَم: "
شُكْرًا لِزِيَارَتِكَ يَا دُكْتُور"
رَدَّ بَاسِل " شُكْرًا لَكُمْ عَلَى حَفَاوَةِ الاسْتِقْبَالِ، وَسَعِيدٌ
لِأَنِّي تَطَمَّنْتُ عَلَى المُهَنْدِسِ ذَكِي "
غَادَرَ بَاسِلُ مَنْزِلَ المُهَنْدِسِ ذَكِي وَأَغْلَقَتْ مَرْيَمُ البَابَ خَلْفَهُ إِلَّا
أَنَّهُ تَرَكَ بِذْرَةً فِي قَلْبِهَا بِدَايَةَ إِعْجَابٍ
وَانْجِذَابٍ بِشَابٍّ مُجْتَهِدٍ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِ، مَرَّتِ الأَيَّامُ وَأَصْبَحَ بَاسِلُ يَزُورُ ذَكِي فِي المَنْزِلِ بِاسْتِمْرَارٍ
يُتَابِعُ صِحَّتَهُ وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ وَبَعْدَ مُرُورِ عَامًا كَانَ يَوْمَ تَخَرُّجِ مَرْيَمَ مِنْ كُلِّيَّةِ الهَنْدَسَةِ
وَكَانَتْ حَفْلَةٌ صَغِيرَةٌ عَائِلِيَّةٌ فِي المَنْزِلِ كَانَ بَاسِلُ يَزُورُ دُكْتُورَ زَكِي كَعَادَتِهِ، وَعَرَفَ بَاسِلُ أَنَّ
مَرْيَمَ تَخَرَّجَتْ مِنَ الكُلِّيَّةِ عِنْدَمَا قَدَّمَتْ لَهُ مَرْيَمُ
قِطْعَةً مِنَ الكَيْكَةِ وَأَخْبَرَتْهُ،
قَالَ بَاسِل: مُبَارَكٌ يَا مَرْيَم
قَالَتْ مَرْيَم: شُكْرًا يَا دُكْتُورَ بَاسِل
قَالَ بَاسِل: وَمَاذَا سَتَفْعَلِي بَعْدَ التَّخَرُّجِ
قَالَ ذَكِي: بِالطَّبْعِ سَتَعْمَلُ مَعِي فِي الشَّرِكَةِ وَلَنْ أَرْحَمَهَا
ضَحِكَ زَكِي وَبَاسِلُ وَضَحِكَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ وَفَادِيَةُ، وَبَدَا أَنَّ عَلَاقَةَ
بَاسِلَ بِعَائِلَةِ الدُّكْتُورِ بَاسِلِ أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ قُرْبًا وَأَقْوَى رَابِطَةً، وَوَجَدَ فِيهَا الدُّكْتُورُ بَاسِلُ السَّكَنَ
وَالطُّمَأْنِينَةَ الَّتِي كَانَتْ عِوَضًا لَهُ عَنْ عَائِلَتِهِ الغَجَرِيَّةِ، وَفِي اليَوْمِ التَّالِي تَفَاجَأَ بَاسِلُ
بِتَرْقِيَتِهِ فِي المُسْتَشْفَى وَتَكْرِيمِهِ عَلَى إِخْلَاصِهِ وَتَفَانِيهِ فِي العَمَلِ وَمَبِيتِهِ فِي المُسْتَشْفَى لِسَنَةٍ
كَامِلَةٍ، وَبَدَأَتِ الحَيَاةُ تُعْطِي بَاسِلَ مَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ مَسِيرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الكِفَاحِ، كَانَتْ مَرْيَمُ
حُلْمَ الدُّكْتُورِ بَاسِلِ الَّذِي يَحْلُمُ بِهِ وَيَظُنُّهُ بَعِيدًا وَكَانَ كُلَّمَا رَاوَدَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يُصَارِحَهَا بِحُبِّهِ
تَقِفُ أَمَامَهُ حَوَاجِزُ كَثِيرَةٌ يَصْعُبُ عَلَيْهِ تَحَاوُزُهَا حَاجِزُ المَالِ وَحَاجِزُ العَائِلَةِ، وَلَكِنْ تَفَاجَأَ
عِنْدَمَا صَارَحَ مَرْيَمَ بِحُبِّهِ فِي إِحْدَى زِيَارَتِهِ لِمَنْزِلِهِمْ عِنْدَمَا وَجَدَ مِنْهَا القَبُولَ، بَدَتْ عَلَيْهِ
السَّعَادَةُ وَبَدَا كَأَنَّهُ وُلِدَ لِلتَّوِّ، لَمْ تَكُنْ فَتْرَةُ تَعَارُفٍ كَبِيرَةٌ بَيْنَهُمْ وَاعْتَادُوا عَلَى تِلْكَ
الفَتْرَةِ الَّتِي كَانَ يَتَرَدَّدُ فِيهَا عَلَى مَنْزِلِهِمْ وَتَمَّ زِفَافُهُمْ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مَرْيَمُ حَقِيقَةَ العَائِلَةِ
الَّتِي لَمْ تَسْأَلْهُ عَنْهَا مِنْ قَبْلُ كَانَتْ، عَائِلَةُ المُهَنْدِسِ ذَكِي عَائِلَةً مُتَفَتِّحَةً لَا تَهْتَمُّ لِمَا خَلْفَهُ
بَلْ نَظَرُوا إِلَى بَاسِلَ الشَّابِّ الطَّبِيبِ المُجْتَهِدِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ ابْنَتُهُمْ،
وَكَانَتْ صَدْمَةُ مَرْيَمَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ قِصَّةَ عَائِلَةِ بَاسِلَ مِنْهُ، لَمْ تَكُنْ
لِتَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ هَذَا الشَّرَّ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الحَيَاةِ، وَلَكِنْ كَانَ بَاسِلُ حَقِيقِيًّا وَوَاضِحًا كَمَا
يُمْلِيهِ عَلَيْهِ ضَمِيرُهُ وَقَصَّ كُلَّ الحِكَايَةِ دُونَ أَنْ يُخْفِيَ عَنْهَا شَيْئًا وَتَرَكَ الأَمْرَ فِي دِرَاسَتِهَا
تُكْمِلُ مَعَهُ أَوْ تَرْفُضُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَرْيَمَ
لَنْ تَتْرُكَهُ وَأَنَّهَا عَلَى عَقْلٍ كَبِيرٍ وَلَنْ تَزْدَرِيهِ،
فِي قَصْرِ بَشَّارَ الكَبِيرِ كَانَ بَشَّارُ جَالِسًا عَلَى الأَرِيكَةِ فِي غُرْفَةِ
المَعِيشَةِ، عِنْدَمَا دَخَلَ زَيْنٌ وَوَقَفَ أَمَامَهُ، قَالَ
بَشَّارُ: هَلْ عَلِمْتَ مَكَانَ سَاكِنِ بَاسِل
قَالَ زَيْنٌ: نَعَمْ عَرَفْتُهُ
قَالَ بَشَّارُ: جَيِّدٌ جِدًّا،
أَيْنَ عَلَاءُ الآن
قَالَ زَيْنٌ: لَا أَعْلَمُ
قَالَ بَشَّارُ: اتَّصِلْ بِعَلَاءَ أَحْضِرْهُ لِي الآن،
أَخْبِرْهُ أَنَّنِي أُرِيدُهُ دَعْهُ يَأْخُذُ حَذَرَهُ مِنَ الشُّرْطَةِ غَالِبٌ
يَبْحَثُ عَنْهُ،
أَخْرَجَ زَيْنٌ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ عَلَى عَلَاءَ
لَمْ لَكِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَلَاءُ، وَانْفَتَحَ بَابُ القَصْرِ وَدَخَلَ عَلَاءُ،
وَقَفَ عَلَاءُ جَوَارَ زَيْنٍ وَلِيمُورُ فَوْقَ كَتِفِهِ، قَالَ عَلَاءُ: أَنَا هُنَا
قَالَ بَشَّارُ: سَافِرْ زَيْنٌ خَلْفَ بَاسِلَ وَأَحْضِرْ عُنْوَانَ سَكَنِهِ
قَالَ عَلَاءُ بِاسْتِهْزَاءٍ:
مِنْ عَلَاء
قَالَ بَشَّارُ: عَلَاءُ أَخِيكَ،
قَالَ عَلَاءُ: أَعْرِفُ أَنَّهُ أَخِي وَلَكِنْ مَاذَا تُرِيدُ مِنْهُ
قَالَ بَشَّارُ: بَشَّارُ بَاسِلُ خَرَجَ عَنْ طَوْعِي وَتَرَكَنِي هَارِبًا إِلَى
القَاهِرَةِ لِيُصْبِحَ طَبِيبًا، هَذَا الوَلَدُ لَنْ يَكْسِبَنِي، أُرِيدُ أَنْ يَهْوِيَ أَرْضًا يَعُودَا كَمَا خَرَجَ مِنْ
بَلْدَةِ الغَجَر
قَالَ عَلَاءُ: أَخْبِرْنِي مَا تُرِيدُ فِعْلَهُ بِهِ، وَأَنَا سَأَفْعَلُ دُونَ أَعْرِفَ
تَفَاصِيلَهُ فَلَدَيَّ فِي رَأْسِي مَا يَكْفِي مِنَ العَمَلِ لِلتَّفْكِيرِ بِهِ،
كَانَ عَلَاءُ رَئِيسَ العِصَابَةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى الكَثِيرِ مِنْ أَفْرَادِ
الغَجَرِ الخَطِرَةِ ذَكِيًّا جِدًّا وَسَرِيعًا جِدًّا وَيَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِ أَخْطَرِ الجَرَائِمِ، وَمِثْلَ الدُّكْتُورِ بَاسِلِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ صَيْدًا سَهْلًا
وَضَعِيفًا،
بَشَّارُ: أُرِيدُ إِزْلَالَةً، أَرْبِدُ كَثَرَ أَنْفِهِ،
أُرِيدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَلْدَةِ الغَجَرِ مِنْ جَدِيدٍ، يَنْصَاغُ
إِلَى أَمْرِي
وَيَظَلُّ تَحْتَ طَوْعِي وَإِرَادَتِي،
مِثْلَهُ مِثْلَ أَيِّ شَخْصٍ مِنَ الغَجَر،
قَالَ عَلَاءُ: سَأَقُومُ بِأَزْلَالَةٍ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ
تَفْعَلَ بِالضَّبْطِ حَتَّى لَا أَقُومَ بِقَتْلِهِ،
قَالَ بَشْتَرُ: سَنَكْسِرُ عِظَامَهُ لَكِنْ بِهُدُوءٍ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى،
سَنُحْرِقُ سَيَّارَتَهُ، نَقْتُلُ زَوْجَتَهُ، إِذَا كَانَ لَدَيْهِ أَطْفَالٌ نَقْتُلُهُمْ، يَعُودُ إِلَى بَلْدَةِ الغَجَرِ مِثْلَ
يَوْمِ وِلَادَتِهِ، مِلْطَا زَلْطَا عَبْطَا
صَحَكَ عَلَاءُ وَزَيْنٌ مُقَهْقِهِينَ
قَالَ عَلَاءُ: أَمْلَطَة...
فِي مَشْهَدًا حَيٍّ نَادِرٍ حَيْثُ الشَّرُّ يَتَجَسَّدُ فِي بَشَّارَ الطَّرِيقِ
الغَجَرِي الَّذِي يُرِيدُ الانتِقَامَ مِنِ ابْنِهِ الَّذِي خَرَجَ طَوْعَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْيَا حَيَاةً كَرِيمَةً وَشَرِيفَةً،
وَيَفْتَخِرُ بِأَبْنَائِهِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنِ الشَّرَفِ
وَالكَرَامَةِ شَيْئًا، وَيَتَبَادَلُونَ الضَّحِكَ بِكَلِمَاتٍ شَعْبِيٍّ غَجَرِيَّةٍ عَامِّيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى رَدَاءَةِ أَخْلَاقِهِمْ
وَبَذَاءَةِ أَلْفَاظِهِمْ،
عَلَاءُ: الأَمْرُ سَهْلٌ يَا كَبِيرُ،
لَنْ أَسْتَحِقَّ لَقَبَ عَلَاءَ القَرَادَاتِي ابْنَ بَشَّارَ كَبِيرِ
بَلْدَةِ الغَجَرِ إِذَا لَمْ أَجْعَلْهُ تَحْتَ أَقْدَامِكَ مِثْلَ مَا أَنْجَبَتْهُ أُمُّهُ
نَظَرَ عَلَاءُ إِلَى بَشَّارَ وَقَالَ: قُلْتَ لِي مَاذَا يَعْمَلُ هُوَ؟
قَالَ بَشَّارُ: دُكْتُور
قَالَ عَلَاءُ بِاسْتِهْزَاءٍ: دُكْتُور!
جَمِيعُنَا دَكَاتِرَةٌ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى زَيْنٍ وَقَالَ: مَا رَأْيُكَ
يَا زَيْن
قَالَ زَيْنٌ: بِالطَّبْعِ جَمِيعُنَا دَكَاتِرَةٌ أَنَا لَدَيَّ كَشْفٌ عَاجِلًا الآن
انْفَجَرَ زَيْنٌ ضَحِكًا وَعَلَاءُ وَبَشَّارُ مُقَهْقِهِينَ بِوَقَاحَةٍ