وَبَعْدَ سِنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَانَ غَالِبٌ وَجُنُودُهُ يَهْرُولُونَ خَلْفَ عَلَاءٍ.
عَلَاءُ يَهْرُولُ بِسُرْعَةٍ عَالِيَةٍ وَالْقِرْدُ النَّسْنَاسُ الصَّغِيرُ يَهْرُولُ مَعَهُ.
كَانَ عَلَاءُ يُظْهِرُ مَهَارَتَهُ فِي التَّسَلُّقِ وَالقَفْزِ بَيْنَ أَسْوَارِ المَنَازِلِ، وَتَسَلُّقِهَا بِخِفَّةٍ، يَنْظُرُ خَلْفَهُ الجُنُودُ تَقْتَرِبُ، يَسُوعُ عَلَاءُ مِنْ هَرْوَلَتِهِ.
كَانَ النَّسْنَاسُ يَسَابِقُ عَلَاءَ وَيَقِفِزُ وَيُظْهِرُ أَيْضًا مَهَارَتَهُ فِي التَّسَلُّقِ وَالسُّرْعَةِ.
قَفَزَ النَّسْنَاسُ فَوْقَ أَكْتَافِ عَلَاءَ، وَنَظَرَ خَلْفَهُ وَأَصْدَرَ أَصْوَاتَهُ المُخِيفَةَ.
عَلَاءُ: أَسْتَطِيعُ الهُرُوبَ.
وَتَسَلَّقَ أَحَدَ المَنَازِلِ إِلَى سَطْحِ المَبْنَى، وَنَظَرَ إِلَى أَسْفَلٍ لِيَرَى الضَّابِطَ غَالِبَ سَالِمًا وَجُنُودَهُ يَقِفُونَ مُشْتَتِينَ، تَائِهِينَ فِي الأَزِقَّةِ.
جَلَسَ عَلَاءُ عَلَى السَّطْحِ هُوَ وَنَسْنَاسُهُ لِيمُور، جَلَسَ النَّسْنَاسُ فِي حِجْرِ عَلَاءَ.
عَلَاءُ: تَعَالَى انزِلْ يَا لِيمُور.
نَزَلَ النَّسْنَاسُ وَجَلَسَ فِي حِجْرِ عَلَاءَ.
عَلَاءُ: اِفْتَحْ فَمَكَ.
فَتَحَ النَّسْنَاسُ فَمَهُ.
عَلَاءُ: خُذْ.
وَضَعَ عَلَاءُ مُوزَةً فِي فَمِ النَّسْنَاسِ.
أَخْرَجَ عَلَاءُ مِنْ جَيْبِ سِرْوَالِهِ كِيسًا مُتَوَسِّطَ الحَجْمِ يَحْتَوِي عَلَى نَوْعٍ مُخَدِّرٍ غَالٍ الثَّمَنِ، وَوَضَعَهُ فِي جَيْبِ النَّسْنَاسِ.
عَلَاءُ: أَنْتَ تَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ سَتَذْهَبُ، هَيَّا.
وَرَتَّبَ عَلَاءُ النَّسْنَاسَ عَلَى رَأْسِهِ بِتَحْفِيزٍ.
انْطَلَقَ النَّسْنَاسُ، يَتَسَلَّقُ المَنَازِلَ وَالأَسْوَارَ العَالِيَةَ، يُظْهِرُ مَهَارَتَهُ فِي التَّسَلُّقِ وَالقَفْزِ مِنْ أَعْلَى النِّقَاطِ، وُصُولًا إِلَى بَيْتِ العَمِيلِ، يَقْفِزُ لِيمُور مِنَ النَّافِذَةِ المَفْتُوحَةِ إِلَى دَاخِلِ غُرْفَةِ النَّوْمِ.
كَانَ حَنَشُ الوَهْمِ يَقِفُ فِي الغُرْفَةِ المُضَاءَةِ بِإضَاءَةٍ صَفْرَاءَ، وَيَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ عِنْدَمَا دَخَلَ لِيمُورُ إِلَى الغُرْفَةِ.
حَنَشُ الوَهْمِ يَتَعَاطَى مُخَدِّرَ الهَرِين، شَخْصِيَّةٌ غَجَرِيَّةٌ مُظْلِمَةٌ.
كَانَ حَنَشُ الوَهْمِ رَجُلًا نَحِيفًا كَأَنَّ جِسْمَهُ تَآكَلَ مِنَ الدَّاخِلِ، جِلْدُهُ شَاحِبٌ يَمِيلُ إِلَى الأَصْفَرَارِ، كَجِلْدِ أَفْعَى بَدَّلَتْ جِلْدَهَا مَرَارًا حَتَّى فَقَدَتْ بَرِيقَهَا.
عَيْنَاهُ غَائِرَتَانِ، مُحَاطَتَانِ بِهالاتٍ سَوْدَاءَ كَثِيفَةٍ، لَا تَنْظُرَانِ مُبَاشَرَةً إِلَى أَحَدٍ، دَائِمًا مُرَاوِغَتَانِ، زَائِغَتَانِ، كَأَنَّهُمَا تَبْحَثَانِ عَنْ جُرْعَةٍ لَا عَنْ بَشَرٍ.
أَنْفُهُ طَوِيلٌ وَحَادٌّ، فَمُهُ ضَيِّقٌ، تَتَحَرَّكُ شَفَتَاهُ بِعَصَبِيَّةٍ دَائِمَةٍ، كَأَنَّهُمَا تَهْمِسَانِ بِأَسْرَارٍ لَا يَسْمَعُهَا سِوَاهُ. أَسْنَانُهُ غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ، مُصْبُوغَةٌ بِلَوْنٍ دَاكِنٍ مِنْ أَثَرِ المُخَدِّرِ وَالدُّخَانِ.
وَابْتِسَامَتُهُ حِينَ تَظْهَرُ تَكُونُ مُقْلِقَةً، بِلَا فَرَحٍ، أَقْرَبُ إِلَى تَشَنُّجٍ مُؤْلِمٍ.
شَعْرُهُ طَوِيلٌ نِسْبِيًّا، أَجْعَدٌ وَمَهْمَلٌ، مَرْبُوطٌ أَحْيَانًا بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ قَدِيمَةٍ، تَتَخَلَّلُ خُصَالُهُ البَيْضَاءُ المُبَكِّرَةُ، عَلَامَةٌ عَلَى عُمُرٍ لَمْ يَعِشْهُ حَقًّا بَلِ اسْتُهْلِكَ قَبْلَ أَوَانِهِ.
لِحْيَتُهُ خَفِيفَةٌ مَبَعْثَرَةٌ، لَا تَهْذِيبَ فِيهَا، كَوَجْهِ رَجُلٍ اسْتَسْلَمَ مُنْذُ زَمَنٍ.
يَرْتَدِي دَائِمًا مَلَابِسَ وَاسِعَةً مُتَّسِخَةً، تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ عَرَقٍ قَدِيمٍ وَمُخَدِّرٍ رَخِيسٍ. يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ حِينَ يَكُونُ تَحْتَ تَأْثِيرِ الجُرْعَةِ، وَبِعَصَبِيَّةٍ قَاتِلَةٍ حِينَ يَفْقِدُهَا.
أَصَابِعُهُ نَحِيفَةٌ، مُرْتَعِشَةٌ، وَعُرُوقُ يَدَيْهِ بَارِزَةٌ كَحِبَالٍ مَشْدُودَةٍ، آثَارُ الحُقُنِ القَدِيمَةِ تُزَيِّنُ ذِرَاعَيْهِ كَشَمٍّ قَبِيحٍ لَا يُمْحَى.
صَوْتُهُ أَجَشّ، مُبَحْوَح، يَعْلُو وَيَنْخَفِضُ بِلَا مَنْطِقٍ، ضَحِكَتُهُ قَصِيرَةٌ حَادَّةٌ، تَنْتَهِي دَائِمًا بِسُعَالٍ جَافٍّ أَوْ شَهَقَةٍ مُفْزِعَةٍ. حِينَ يَتَكَلَّمُ، يَبْدُو كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً… لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَيَّ شَيْءٍ.
كَانُوا يَقُولُونَ عَنْهُ فِي أَزِقَّةِ الغَجَرِ:
"حَنَشُ الوَهْمِ مَا يَعُضّش… هُوَ يَلِفُّ عَلَيْك لِحَدِّ مَا تَمُوت وَحْدَك."
وُجُودُهُ لَا يَجْلِبُ سِلْمًا، كُلُّ مَنْ اقْتَرَبَ مِنْهُ خَرَجَ نَاقِصًا:
مَالًا، عَقْلًا، أَوْ رُوحًا.
مُدْمِنٌ لَا يَبْحَثُ عَنْ النَّجَاةِ، بَلْ عَنْ اسْتِمْرَارِ الوَهْمِ… وَلَوْ عَلَى حِسَابِ الجَمِيعِ.
التَفَتَ حَنشُ الوَهْمِ إِلَى لِيمورٍ
وقالَ: كَيْفَ حَالُكَ يا لِيمورُ، صَدِيقُكَ عَلَى وَشَكِ الانْهِيَارِ، أَيْنَ المُخَدِّرُ؟!
يَقْتَرِبُ حَنشُ الوَهْمِ مِنْ لِيمورٍ مُبْتَسِمًا وَيَدْخُلُ يَدَهُ إِلَى جَيْبِهِ وَيُخْرِجُ كِيسَ اله*******نَ المُخَدِّرِ مِنْ جَيْبِ لِيمورٍ، يَنْظُرُ إِلَى كِيسِ المُخَدِّرِ مُبْتَسِمًا بِفَرَحٍ، يَتَّجِهُ إِلَى الطَّاوِلَةِ جِوَارَ السَّرِيرِ يَفْتَحُ الدُّرَجَ وَيُخْرِجُ نُقُودًا يَضَعُهَا فِي جَيْبِ قَمِيصِ لِيمورٍ، يُرَتِّبُ عَلَى رَأْسِ لِيمورٍ مُحَفِّزًا لَهُ قَائِلًا:
شُكْرًا لَكَ يا لِيمورُ، هَيَّا اذْهَبْ.
يَقْفِزُ لِيمورٌ مِنْ نَافِذَةِ الغُرْفَةِ إِلَى خَارِجِهَا، يَظْهَرُ مَهَارَتَهُ وَبِرَاعَتَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي تَسَلُّقِ وَقَفْزِ الحَوَاجِزِ وَالْأَسْوَارِ العَالِيَةِ.
جَلَسَ حَنشُ الوَهْمِ عَلَى الكُرْسِيِّ يَتَنَاوَلُ جُرْعَةَ اله*******نَ.
قِصَّةُ حَنشِ الوَهْمِ
كَانَ حَنشُ الوَهْمِ يَعِيشُ وَحِيدًا فِي مَنْزِلِهِ المُتَهَالِكِ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَتْ فِيهَا زَوْجَتُهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ عَلَى يَدِ شَابٍّ مِنَ الغَجَرِ.
لَيْلَةٌ لَنْ تُنْسَى أَبَدًا… بَلْ ظَلَّتْ تَتَكَرَّرُ دَاخِلَهُ كُلَّمَا أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
كَانَ حَنشٌ فِي مَطْلَعِ شَبَابِهِ آنَذَاكَ، جَسَدُهُ مَا زَالَ قَوِيًّا، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ جَشَعَ الحَيَاةِ وَحُبَّهَا مِثْلَ مَا كَانَ يُحِبُّ زَوْجَتَهُ، كَانَ حَنشُ الوَهْمِ لا يُخْرِجُ زَوْجَتَهُ إِلَى العَمَلِ مِثْلَ بَاقِي الغَجَرِ. دَخَلَ غُرْفَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَأَغْلَقَ البَابَ خَلْفَهُ، ثُمَّ أَلْقَى رُزُمَ النُّقُودِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الخَشَبِيَّةِ المُهْتَرِئَةِ وَزَوْجَتُهُ تَسْتَلْقِي السَّرِيرَ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِابْتِسَامَةٍ.
رَبْطَة… تِلْوَ الأُخْرَى تَسْقُطُ مِنْ يَدِ حَنشٍ إِلَى الطَّاوِلَةِ.
أَخْرَجَ المَالَ مِنْ جُيُوبِ سِرْوَالِهِ وَمِنْ دَاخِلِ قَمِيصِهِ، حَتَّى امْتَلَأَتِ الطَّاوِلَةُ بِالنُّقُودِ كَأَنَّهَا غَنِيمَةٌ أَوْ كَنْزٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ. كَانَ أَمْوَالُهُ الَّتِي حَصَلَ عَلَيْهَا بِطَرِيقَةٍ مَشْرُوعَةٍ، لَمْ يَسْرِقْ وَلَا يَنْهَبْ وَلَا يَحْتَالْ حَنشٌ مِثْلَ بَاقِي شَبَابِ الغَجَرِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِجِدٍّ وَهَذَا مَا أَثَارَ غِيرَةَ شَبَابِ الغَجَرِ مِنْ حَنشٍ.
وَقَبْلَ أَنْ يَلْتَقِطَ حَنشُ الوَهْمِ أَنْفَاسَهُ، انْكَسَرَ بَابُ البَيْتِ فَجْأَةً، خَشَبٌ يَتَنَاثَرُ، وَصَوْتُ ارْتِطَامٍ عَنِيفٍ، تَلَاهُ دُخُولُ مَجْمُوعَةٍ مِنْ شَبَابِ الغَجَرِ وَجُوهُهُمْ قَاسِيَةٌ، وَأَيْدِيهِمْ تَمْسِكُ بِأَسْلِحَةٍ بَيْضَاءَ تَلْمَعُ الشَّفَرَاتُ تَحْتَ الإِضَاءَةِ الخَافِتَةِ فِي غُرْفَةِ النَّوْمِ المُتَوَاضِعَةِ. تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَقَالَ آمِرًا: «اعْطِنِي النُّقُودَ يا حَنشُ».
مَدَّ حَنشٌ يَدَهُ بِبُطْءٍ إِلَى الشَّفْرَةِ الحَادَّةِ الَّتِي أَخْفَاهَا فِي سِرْوَالِهِ، أَخْرَجَهَا وَوَقَفَ أَمَامَهُمْ وَظَهْرُهُ مُشَدُّودٌ وَصَوْتُهُ ثَابِتٌ عَلَى غَيْرِ مَا تَوَقَّعَ شَبَابُ الغَجَرِ وَقَالَ:
لَنْ أُعْطِيَكُمْ النُّقُودَ.
انْدَفَعَ أَحَدُهُمْ نَحْوَهُ رَافِعًا شَفْرَتَهُ فِي وَجْهِ حَنشٍ، لَكِنَّ حَنشَ الوَهْمِ كَانَ أَسْرَعَ وَرَفَعَ شَفْرَتَهُ بِسُرْعَةٍ، شَقَّ وَجْهَ الشَّابِّ الغَجَرِيِّ شَقًّا طَوِيلًا، فَتَعَالَتْ صَرَخَاتُ الشَّبَابِ الغَجَرِيِّ وَانْفَجَرَ الغَضَبُ وَتَحَوَّلَ البَيْتُ إِلَى جَحِيمِ الدِّمَاءِ.
ثَارَ الغَجَرُ عَلَى حَنشٍ… وَعَلَى زَوْجَتِهِ،
أَمْسَكُوا بِزَوْجَتِهِ أَمَامَهُ وَذ*بَحُوهَا فَوْقَ سَرِيرِهَا دُونَ رَحْمَةٍ لِحُبِّ حَنشٍ لِزَوْجَتِهِ، الدِّمَاءُ غَمَرَتِ المَلَاءَاتِ وَصَرَاخُهَا انْقَطَعَ فَجْأَةً، بَيْنَمَا عَيْنَا حَنشٍ اتَّسَعَتَا حَتَّى بِيَاضِهِمَا، عَاجِزًا، مُكْسُورًا، يَنْزِفُ، طَعْنَةٌ اسْتَقَرَّتْ فِي خَاصِرَتِهِ، أَصَابَت كُلِيَّتَهُ، سَقَطَ أَرْضًا، الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ جَانِبِهِ، أَنْفَاسُهُ تَتَقَطَّعُ، وَزَوْجَتُهُ فَوْقَ السَّرِيرِ جُثَّةٌ مُذْبُوحَةٌ، وَالبَيْتُ صَامِتٌ إِلَّا مِنْ رَائِحَةِ الدِّمَاءِ وَالخَرَابِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الغَجَرُ فِي حَنشِ الوَهْمِ وَزَوْجَتِهِ.
هَرَبَ شَبَابُ الغَجَرِ السَّبْعَةُ مِهْرُولِينَ، وَتَرَكُوا خَلْفَهُمْ رَجُلًا لَمْ يَمُتْ… لَكِنَّهُ فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ.
مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ يَعُدْ حَنشُ الوَهْمِ كَمَا كَانَ، بَدَأَ يَتَعَاطَى اله*******نَ، لا هَرَبًا مِنَ الأَلَمِ، بَلْ لِيُبْقِيهِ حَيًّا دَاخِلَهُ يَسْتَمِدُّ مِنْهُ قُوَّتَهُ وَقَسْوَةَ قَلْبِهِ الَّتِي خَافَ مِنْهَا جَمِيعُ الغَجَرِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمَعَ زِيَادَةِ جُرَعَاتِ اله*******نَ الَّتِي كَانَ يَتَعَاطَاهَا حَنشُ الوَهْمِ، أَصْبَحَ وَجْهُهُ شَاحِبًا، رُوحُهُ مَسْكُونَةٌ، وَعَيْنَاهُ لا تَعْرِفَانِ النَّوْمَ لَيْلًا نَهَارًا.
وَسَرْعَانَ مَا انْتَشَرَتِ الحِكَايَاتُ فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ عَنْ حَنشِ الوَهْمِ وَأَسْرَارِهِ لَيْلًا، كَانَ الغَجَرُ يَقُولُونَ إِنَّ حَنشَ الوَهْمِ يَخْرُجُ لَيْلًا يَصْطَادُ شَبَابَ الغَجَرِ السَّبْعَةِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ كَأَنَّهُ يَصْطَادُ عُصْفُورًا ضَعِيفًا وَيَذْبَحُهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عُصْفُورًا، كَانَ يَسْتَدْرِجُ أَحَدَهُمْ إِلَى أَحَدِ الأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ المُظْلِمَةِ لَيْلًا وَيُنْهِي حَيَاتَهُ ذ*بْحًا بِشَفْرَتِهِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ الغَجَرُ وَلَا يُتْرِكُ أَثَرًا لِجَرِيمَتِهِ لَا صُرَاخَ وَلَا شُهُودَ وَاحِدًا، تِلْوَ الآخَرِ حَتَّى قَتَلَ حَنشُ الوَهْمِ السَّبْعَةَ، تُكْتَشَفُ الجُثَثُ فِي الأَزِقَّةِ مَعَ بُزُوغِ الفَجْرِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ أَصْبَحَ الغَجَرُ يَهْمِسُونَ فِي الخَفَاءِ: «الرَّجُلُ الَّذِي نَجَا مِنَ المَوْتِ وَعَادَ لِيَقْتُلَ الغَجَرَ».
وَمِنْ حَنشِ الوَهْمِ إِلَى عَلاء وَلِيمورٍ فَوْقَ سَطْحِ المَبْنَى العَالِي فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ لِتَتَوَالَى قِصَصٌ وَحِكَايَاتٌ وَأَسْرَارُ الغَجَرِ فِي الانْكِشَافِ.
وَصَلَ لِيمورٌ إِلَى المَبْنَى الَّذِي يَجْلِسُ فَوْقَهُ عَلاءُ ابْنُ بَشَّارَ كَبِيرِ بَلْدَةِ الغَجَرِ المُمتَلِئَةِ بِالأَسْرَارِ المُخْفِيَةِ المُظْلِمَةِ.
وَقَفَ لِيمورُ النَّسْنَاسُ الصَّغِيرُ أَمَامَ عَلاءٍ فِي عِلَاقَةٍ نَادِرَةٍ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَحَيَوَانٍ، عِلَاقَةٌ وَصَلَتْ إِلَى ذُرْوَتِهَا مِنْ حَيْثُ الطَّاعَةِ وَالانْصِيَاغِ وَالخَوْفِ المُتَبَادَلِ.
قَالَ عَلاءُ: اقْتَرِبْ يا لِيمورُ.
رَفَضَ لِيمورٌ وَرَجَعَ خُطُوَاتٍ لِلْخَلْفِ مُزَاحًا وَدَاعِبَ عَلاءَ.
قَالَ عَلاءُ: هَلْ تَمْزَحُ مَعِي؟ اقْتَرِبْ!
تَرَاجَعَ لِيمورٌ لِلْخَلْفِ.
ابْتَسَمَ عَلاءُ وَقَالَ: اقْتَرِبْ هُنَا.