اِقْتَرَبَ لِيمُورُ مِنْ عَلَاءِ.... عَلَاءُ يَجْذِبُ لِيمُورَ بِيَدِهِ يَأْخُذُ النُّقُودَ مِنْ جُيُوبِ قَمِيصِ لِيمُورَ، يُرَبِّتُ عَلَى
رَأْسِهِ بِرِفْقٍ قَائِلًا: هَيَّا بِنَا...
يَقْفِزُ لِيمُورُ عَلَى
ظَهْرِ عَلَاءِ يَجْلِسُ عَلَى كَتِفِهِ، عَلَاءُ يُظْهِرُ مَهَارَتَهُ مُجَدَّدًا فِي الْقَفْزِ وَالتَّسَلُّقِ وَكَأَنَّهُ قِرْدًا يَحْمِلُ
نَسْنَاسًا وُصُولًا إِلَى مَنْزِلِ بَشَّارَ...
دَخَلَ عَلَاءُ يَحْمِلُ لِيمُورَ فَوْقَ كَتِفِهِ، كَانَ بَشَّارُ يَجْلِسُ فِي غُرْفَةِ
الْمَعِيشَةِ،
نَهَضَ بَشَّارُ وَوَقَفَ فِي مُوَاجَهَةِ عَلَاءِ قَائِلًا: لِمَاذَا جِئْتَ يَا
عَلَاءُ الشُّرْطَةُ تَبْحَثُ عَنْكَ غَالِبٌ وَجُنُودُهُ كَانُوا هُنَا،
لَمْ يُغَادِرُوا إِلَّا مِنْ دَقَائِقَ
قَالَ عَلَاءُ: لَا تَقْلَقْ يَا بَشَّارُ سَأَذْهَبُ بِسُرْعَةٍ
يُخْرِجُ نُقُودًا مِنْ جَيْبِهِ يُنَاوِلُهَا إِلَى بَشَّارَ،
قَالَ عَلَاءُ : خُذْ
تَنَاوَلَ بَشَّارُ النُّقُودَ، اِسْتَدَارَ وَاتَّجَهَ إِلَى بَابِ الْمَنْزِلِ خَرَجَ حَامِلًا
لِيمُورَ فَوْقَ كَتِفِهِ صَرَخَ لِيمُورُ مُحْدِثًا صَوْتًا تَرَدَّدَ دَاخِلَ الْبَيْتِ
وَقَفَتْ سَيَّارَةُ دُكْتُورِ بَاسِلَ أَمَامَ مَنْزِلِهِ بَعْدَ سَاعَاتِ السَّفَرِ
الطَّوِيلَةِ، اِنْفَتَحَ بَابُ السَّيَّارَةِ وَخَرَجَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ مِنْ خَلْفِ الْمِقْوَدِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَاِنْفَتَحَ
الْبَابُ الْمُجَاوِرُ لَهُ وَخَرَجَتِ الْمُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ، وَضَعَتْ مَرْيَمُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِ بَاسِلَ وَاتَّجَهُوا إِلَى
الْفِيلَّا الصَّغِيرَةِ يَسِيرَانِ جِوَارَ بَعْضِهِمْ وَيَبْدُو عَلَى مَرْيَمَ الْإِرْهَاقُ،
كَانَتْ تَقِفُ عَلَى نَاصِيَةِ الشَّارِعِ سَيَّارَةُ الْغَجَرِ يَجْلِسُ دَاخِلَهَا زَيْنٌ
كَانَ يُرَاقِبُ بَاسِلَ وَزَوْجَتَهُ، رَفَعَ زَيْنُ الْهَاتِفَ وَوَضَعَهُ إِلَى أُذُنِهِ وَهُوَ يَحْدِقُ نَحْوَهُمْ.
دَاخِلَ مَنْزِلِ بَاسِلَ، جَلَسَ بَاسِلُ عَلَى الْكُرْسِيِّ بَعْدَ أَنْ بَدَّلَ
مَلَابِسَهُ،
قَالَتْ مَرْيَمُ : لِمَاذَا بَدَّلْتَ ثِيَابَكَ، لَمْ تَخْرُجْ إِلَى الْمُسْتَشْفَى؟
قَالَ بَاسِلُ : لَنْ أَذْهَبَ إِلَى الْمُسْتَشْفَى وَلَا الْعِيَادَةِ، أَحْتَاجُ أَنْ
أَشْعُرَ بِالرَّاحَةِ بَعْدَ هَذَا السَّفَرِ الطَّوِيلِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَقُودُ السَّيَّارَةَ لِهَذَا الْوَقْتِ أَشْعُرُ وَأَنَّ
جَسَدِي مُتَكَسِّرٌ وَغَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْحَرَكَةِ،
قَالَتْ مَرْيَمُ : إِذًا لِمَاذَا قُلْتَ أَنَّكَ سَتَذْهَبُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ عَاجِلَةٍ
وَجَعَلْتَنَا نُغَادِرُ الْبَلْدَةَ وَنَأْتِي... اِحْكِ لِي يَا بَاسِلُ مَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِلَتِكَ يَجْعَلُكَ
تَتَحَدَّثُ عَنْ وَالِدِكَ بِهَذَا الشَّكْلِ وَجَعَلَنَا نُغَادِرُ فَجْأَةً أَيْضًا
يَصْدُرُ صَوْتُ رَنِينِ هَاتِفِ بَاسِلَ،
قَالَ بَاسِلُ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى الْكُرْسِيِّ: مِنْ فَضْلِكِ أَعْطِينِي هَاتِفِي مِنَ
الطَّاوِلَةِ
تَنَاوَلَتْ مَرْيَمُ الْهَاتِفَ
نَظَرَتْ إِلَى شَاشَتِهِ وَقَالَتْ: عَمِّي بَشَّارُ يَتَّصِلُ
نَاوَلَتْ مَرْيَمُ الْهَاتِفَ إِلَى بَاسِلَ تَنَاوَلَهُ وَفَتَحَ الْمُكَالَمَةَ وَوَضَعَ الْهَاتِفَ إِلَى أُذُنِهِ لِيَسْمَعَ
صَوْتَ بَشَّارَ
: لِمَاذَا ذَهَبْتَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ يَا بَاسِلُ، كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تَقْضِيَ فِي بَلْدَةِ الْغَجَرِ شُهُورَ إِجَازَتِكَ
قَالَ بَاسِلُ: شُهُورَ إِجَازَةٍ !
قَالَ بَشَّارُ : نَعَمْ يَا اِبْنِي أَنَا أَنْتَظِرُ رُؤْيَتَكَ مُنْذُ ثَلَاثُونَ عَامًا،
كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَعْرِفَ عُنْوَانَكَ آتِي إِلَيْكَ أَسْمَعَ صَوْتَكَ
قَالَ بَاسِلُ : أَنْتَ طَيِّبٌ جِدًّا يَا حَاجُّ، سَأُعَاوِدُ الِاتِّصَالَ بِكَ، أَنَا
الْآنَ فِي الْمُسْتَشْفَى وَلَيْسَ لَدَيَّ وَقْتًا
أَغْلَقَ بَاسِلُ الْخَطَّ،
وَضَعَ رَقْمَ بَشَّارَ عَلَى قَائِمَةِ الْأَرْقَامِ الْمَحْظُورَةِ ،
قَالَتْ مَرْيَمُ : هَلْ وَضَعْتَ رَقْمَ وَالِدِكَ إِلَى قَائِمَةِ الْحَظْرِ، هَذَا
يُثِيرُ قَلَقِي وَفُضُولِي أَكْثَرَ، يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ مَاذَا يَجْرِي
سَأَحْكِي لَكِ يَا مَرْيَمُ، مَعَ أَنِّي لَا أَرْغَبُ فِي الْخَوْضِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ
الَّذِي يُرْهِقُ رُوحِي، لَكِنَّ مِنْ حَقِّكِ كَزَوْجَةٍ أَنْ تَعْرِفِي الْحَقِيقَةَ الَّتِي لَمْ أَقُلْهَا لَكِ مِنْ قَبْلُ،
بَشَّارُ… أَبِي، تَزَوَّجَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ النِّسَاءِ، إِلَى حَدٍّ رُبَّمَا
لَا يَعْرِفُ هُوَ نَفْسُهُ عَدَدَهُنَّ. وَأَنْجَبَ مِنْهُنَّ بَنَاتٍ وَأَبْنَاءَ كَثْرَةً إِلَى حَدٍّ لَا يَعْرِفُ أَيْضًا عَدَدَهُمْ،
أُمِّي كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ النِّسَاءِ، وَقَدْ تَوَفَّتْ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ
عَامًا وَأَنَا لَا أَعْلَمُ، عَلِمْتُ ذَلِكَ أَيْضًا مُتَأَخِّرًا
أَمَّا هَلَا فَهِيَ لَيْسَتْ أُمِّي، بَلْ وَاحِدَةٌ مِنَ النِّسَاءِ الَّوَاتِي تَزَوَّجَهُنَّ
لَاحِقًا، رَحْمَةُ اللهِ عَلَى أُمِّي مَاتَتْ بِسَبَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِهَا.
كَانَ يُجْبِرُهَا عَلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ إِشَارَاتِ الْمُرُورِ، تَدُورُ بَيْنَ السَّيَّارَاتِ
حَامِلَةً الْمَنَادِيلَ، تَتَسَوَّلُ فِي الشَّوَارِعِ.
كَانَ ذَلِكَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، قَبْلَ أَنْ يَمْتَلِكَ الْقَصْرَ وَالثَّرَاءَ الَّذِي
يَعِيشُ فِيهِ الْيَوْمَ، وَالَّذِي لَا أَعْرِفُ مَصْدَرَهُ حَتَّى الآن وَغَالِبًا سَيَكُونُ مِنْ تِجَارَةِ السَّرِقَةِ
وَالاحْتِيَالِ،
وَفِي نِهَايَةِ كُلِّ يَوْمٍ، كَانَتْ تَعُودُ لِتَضَعَ كُلَّ مَا جَمَعَتْهُ مِنْ نُقُودٍ بَيْنَ
يَدَيْ بَشَّارَ، لَيْسَتْ هِيَ فَقَطْ هِيَ وَكُلُّ زَوْجَاتِهِ
وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ الْأَطْفَالُ،
كُنَّ نِسَاؤُهُ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ
عَمَلُهَا الَّذِي تُسَاقُ إِلَيْهِ قَسْرًا:
مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ تَتَسَوَّلُ مِثْلَ أُمِّي، وَمِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ تَرْقُصُ فِي حَفَلَاتٍ
خَاصَّةٍ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تُمَارِسُ السِّحْرَ وَالأَعْمَالَ لِلناسِ مُقَابِلَ الْمَالِ، وَأُخْرَى يَعْمَلْنَ خَدَمَاتٍ فِي الْبُيُوتِ،
وَبَعْضُهُنَّ كُنَّ يُجْبَرْنَ عَلَى النَّوْمِ مَعَ الرِّجَالِ، ثُمَّ يَعُدْنَ فِي نِهَايَةِ الْيَوْمِ حَامِلَاتِ الْمَالِ.
وَمَنْ كَانَتْ تَعُودُ دُونَ نُقُودٍ…
كَانَ عِقَابُهَا الضَّرْبُ، وَالْإِهَانَةُ، وَرَبْطُهَا مِنْ قَدَمَيْهَا كَمَا تُرْبَطُ
الْمَوَاشِي أَوْ جَرُّهَا مِنْ شَعْرِهَا،
وَبَلَغَ شَرُّهُ حَدًّا لَا يُحْتَمَلُ، حِينَ شَوَّهَ وَجْهَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ لِأَنَّهَا
لَمْ تُحْضِرْ مَالًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَانَ غَاضِبًا، أَمْسَكَ مِطْوَاةً، وَرَاحَ يَجْرَحُ وَجْهَهَا بِلَا رَحْمَةٍ.
كُنْتُ صَغِيرًا حِينَذَا،
وَكُنْتُ أَرَى كُلَّ ذَلِكَ بِعَيْنَيَّ… كُلَّ يَوْمٍ.
وَبَعْدَ أَنْ اِنْتَهَى مِنْ تَعْذِيبِهَا، نَادَانِي وَقَالَ لِي:
«هَلْ سَتَظَلُّ مُمْسِكًا بِالْكِتَابِ كَأَنَّكَ فَتَاةٌ لَا فَائِدَةَ مِنْهَا؟ اُخْرُجْ وَابْحَثْ
لَكَ عَنْ عَمَلٍ تَجْلُبُ مِنْهُ الْمَالَ. اِسْرِقْ سَرِقَةً، أَوِ اعْمَلْ مَعَ إِخْوَتِكَ، أَوْ مَعَ أَبْنَاءِ عُمُومَتِكَ، وَوَزِّعْ
أَكْيَاسَ الْحَشِيشِ مَعَهُمْ، وَإِلَّا سَأَشَوِّهُ وَجْهَكَ كَمَا فَعَلْتُ بِهَا، وَأَجْعَلُكُمَا تَتَسَوَّلَانِ فِي الشَّارِعِ
سَوِيًّا».
خَرَجْتُ مِنَ الْمَنْزِلِ مُتَسَلِّلًا دُونَ أَنْ يَرَانِي، خَرَجَتْ أُمِّي خَلْفِي، دُونَ أَنْ يَرَاهَا بَشَّارُ، وَنَادَتْنِي، تَوَقَّفْتُ وَأَنَا خَائِفٌ، أَبْكِي، أَخْرَجَتْ مِنْ صَدْرِهَا نُقُودًا كَانَتْ تُخْفِيهَا
عَنْ أَبِي، وَقَالَتْ لِي:
«خُذْ هَذِهِ النُّقُودَ وَاهْرُبْ مِنْ أَبِيكَ، لَا تَعُدْ إِلَى هُنَا مَرَّةً أُخْرَى،
تَعَلَّمْ حِرْفَةً، اعْمَلْ، وَأَكْمِلْ تَعْلِيمَكَ، إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ إِلَى بَلْدَةِ الْغَجَرِ، أَنْتَ ذَكِيٌّ يَا بَاسِلُ، وَأَنَا
أَعْرِفُكَ، سَتَنْجَحُ فِي التَّعْلِيمِ، أَمَّا أَنَا… فَاللَّهُ يَكُونُ فِي عَوْنِي».
أَخَذْتُ الْمَالَ مِنْهَا، وَرَحَلْتُ.
ذَهَبْتُ إِلَى الْجِيزَةِ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ عَنْهَا سِوَى الْأَهْرَامَاتِ وَأَبُو الْهُولِ،
كَمَا رَأَيْتُهُمَا فِي كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ.
عَمِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ كَبِيرٍ فِي السِّنِّ، طَيِّبِ الْقَلْبِ، يَمْلِكُ مَصْنَعًا لِلْأَحْذِيَةِ،
عَمِلْتُ مَعَهُ، وَأَكْمَلْتُ تَعْلِيمِي،
دَخَلْتُ الْجَامِعَةَ وَأَنَا مَا زِلْتُ أَعْمَلُ لَدَيْهِ، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي أَحَدِ مَحَالِّهِ،
تَوَفَّى الرَّجُلُ بَعْدَ أَوَّلِ يَوْمٍ لِي فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ، زَوْجَتُهُ وَأَبْنَاؤُهُ لَمْ يَحْتَمِلُوا فِكْرَةَ أَنَّ أَكُونَ طَالِبَ طِبٍّ، وَأَن أُصْبِحَ طَبِيبًا، وَهُمْ لَا يَحْمِلُونَ سِوَى مُؤَهِّلَاتٍ مُتَوَسِّطَةٍ.
قَالُوا: كَيْفَ لِمَنْ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا وَلَا فَصْلًا أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبًا؟
سَمِعْتُهُمْ فِي أَحَدِ الْمَرَّاتِ يَتَهَامَسُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
وَبَدَأُوا يَفْتَعِلُونَ الْمُشْكِلَاتِ مَعِي عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ،
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اتَّهَمَتْنِي زَوْجَةُ الرَّجُلِ ظُلْمًا، بَيْنَمَا كُنْتُ أُسَلِّمُهَا إِيرَادَ الْمَحَلِّ، وَقَالَتْ:
«لِمَاذَا تُمْسِكُ بِيَدِي وَأَنْتَ تُعْطِينِي الْمَالَ؟»
ثُمَّ صَفَعَتْنِي،
قُلْتُ لَهَا: كَيْفَ أُمْسِكُ يَدَكِ؟ أَنْتِ مِثْلُ أُمِّي، لَمْ أَلْمِسْ يَدَكِ.
قَالَتْ: «أَنْتَ تَكْذِبُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يُعْجِبْكَ الْأَمْرُ، أَتْرُكِ الْعَمَلَ».
فَهِمْتُ أَنَّهَا تَتَذَرَّعُ لِطَرْدِي، فَغَادَرْتُ الْعَمَلَ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.
شَعَرْتُ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا تَرْفُضُنِي، وَأَنَّنِي أَعُودُ إِلَى الْخَلْفِ.
وَجَدْتُ نَفْسِي جَالِسًا أَمَامَ بَابِ الْجَامِعَةِ لَيْلًا، حَتَّى طَلَعَ الصُّبْحُ.
دَخَلْتُ الْكُلِّيَّةَ، وَطَلَبْتُ سَكَنًا مِنْ مُدِيرِ الْكُلِّيَّةِ، فَوَافَقَ، وَمَنَحَنِي
سَرِيرًا فِي سَكَنِ الطُّلَّابِ.
ثُمَّ وَجَدْتُ عَمَلًا فِي مَحَلِّ أَحْذِيَةٍ قَرِيبٍ مِنَ الْجَامِعَةِ، بَعْدَ أَنْ طُفْتُ
عَلَى كُلِّ مَحَالِّ الْأَحْذِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ.
مَرَّتِ الْأَيَّامُ وَأَنَا أَدْرُسُ فِي الْجَامِعَةِ، وَأَعْمَلُ فِي مَحَلِّ الْأَحْذِيَةِ،
تَخَرَّجْتُ وَحَصَلْتُ عَلَى تَقْدِيرٍ لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِ حَتَّى أَبْنَاءُ الأَطِبَّاءِ أَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّنِي كُنْتُ دَائِمًا أَشْعُرُ
بِالْكَرَاهِيَةِ وَالْحِسَادِ فِي عُيُونِ زُمَلَائِي، إِلَى دَرَجَةٍ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُ أَيَّ أَصْدِقَاءٍ، وَأَخِيرًا… تَخَرَّجْتُ،
وَأَصْبَحْتُ طَبِيبًا،
طِيلَةَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ، لَمْ أَعْرِفْ شَيْئًا عَنْ أَبِي أَوْ أُمِّي، وَلَمْ أَكُنْ أَرْغَبُ فِي الْمَعْرِفَةِ،
كَانَ الْخَوْفُ مِنْهُ يَقِفُ دَائِمًا أَمَامِي، وَالآنَ يَتَّصِلُ بِي، يَسْأَلُنِي لِمَاذَا رَحَلْتُ، وَيُحَاوِلُ اسْتِعَادَتِي،
بِالتَّأْكِيدِ يُرِيدُ إِيذَائِي، الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ فِعْلَهُ فِي يَوْمَيْنِ فَقَطْ.