الدُّكْتُورُ بَاسِلُ لِإِجْرَاءِ
الكَشْفِ، يَقْتَرِبُ مِنَ السَّرِيرِ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ ثَابِتَةٍ فِي عَيْنَيْهِ مَزِيجٌ مُعَقَّدٌ مِنَ المِهْنِيَّةِ وَالقَلَقِ
الإِنْسَانِيِّ وَالتَّعَاطُفِ مَعَ المُهَنْدِسِ ذَكِيِّ دُونَ سَبَبٍ لَا يَعْرِفُ لِمَاذَا تَعَاطَفَ مَعَهُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ،
وَضَعَ السَّمَّاعَةَ الطِّبِّيَّةَ عَلَى صَدْرِ ذَكِيِّ، يَنْصِتُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، بَيْنَمَا
تَتَقَاطَعُ نَظَرَاتُهُمَا لِلَحْظَةٍ صَامِتَةٍ، تَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ لِلكَلِمَاتِ قَوْلُهُ
كَانَتْ نَظَرَاتُ المُهَنْدِسِ ذَكِيِّ مَحْمَلَةً بِالخَوْفِ وَالأَمَلِ، دُكْتُورُ
بَاسِلُ يَتَحَسَّسُ النَّبْضَ، يُرَاجِعُ المُؤَشِّرَاتِ بِجِدِّيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ،
كَانَتْ فَادِيَةُ زَوْجَةُ المُهَنْدِسِ ذَكِيِّ تَقِفُ جِوَارَهُ بِقَلَقٍ
فَادِيَةُ امْرَأَةٌ فِي أَوَاخِرِ الأَرْبَعِينَاتِ، تَحْمِلُ مَلَامِحَ أُنْثَى عَرَفَتِ الرَّفَاهِيَّةَ،
قِوَامُهَا مَا زَالَ مُتَنَاسِقًا، تَهْتَمُّ بِأَنَاقَتِهَا، إِلَّا أَنَّ الخَوْفَ صَارَ يَسْكُنُ تَفَاصِيلَهَا بَعْدَ
المَرَضِ المُفَاجِئِ لِزَوْجِهَا؛ فِي انْحِنَاءَةِ كَتِفَيْهَا الخَفِيفَةِ، وَفِي نَظْرَةِ عَيْنَيْهَا القَلِقَةِ الَّتِي لَا
تَسْتَقِرُّ طَوِيلًا بَدَا حُبُّهَا وَاضِحًا لِزَوْجِهَا
وَجْهُهَا بَيْضَاوِيٌّ نَاعِمٌ، غَيْرَ أَنَّ الزَّمَنَ رَسَمَ عِنْدَ أَطْرَافِ عَيْنَيْهَا خُطُوطًا
رَفِيعَةً لَا تُخْفِيهَا المَسَاحِيقُ، كَأَنَّهَا شَوَاهِدُ عَلَى سَنَوَاتٍ مِنَ القَلَقِ الصُّمُودِ وَالعَمَلِ الجَادِّ
إِلَى جِوَارِ الزَّوْجِ،
عَيْنَاهَا وَاسِعَتَانِ، دَاكِنَتَانِ، تَحْمِلَانِ مَزِيجًا مِنَ الحَنَانِ وَالحَذَرِ؛ حَنَانُ زَوْجَةٍ
لَا تَتَوَقَّفُ عَنِ الخَوْفِ عَلَى زَوْجِهَا، وَحَذَرُ زَوْجَةٍ عَاشَتْ طَوِيلًا إِلَى جِوَارِ رَجُلٍ قَوِيٍّ مِثْلَ ذَكِيِّ، فَتَعَلَّمَتْ
أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ الحُبِّ وَالخَشْيَةِ مِنْ فَقْدِهِ،
شَعْرُهَا بُنِّيٌّ دَاكِنٌ، تَعْتَنِي بِهِ بِعِنَايَةٍ وَاضِحَةٍ، تَرْفَعُهُ
بِعَجَلَةٍ، تَبْدُو فَادِيَةُ أَقَلَّ صَلَابَةً مِنْ ذَكِيِّ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ ضَعِيفَةً
هِيَ العَمُودُ الصَّامِتُ الَّذِي يَحْمِلُ البَيْتَ دُونَ ضَجِيجٍ، تَتَحَمَّلُ
القَلَقَ، وَتُخْفِي مَخَاوِفَهَا حَتَّى لَا تَزِيدَ عَلَى الآخَرِينَ ثِقْلًا،
وَحِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمَرْيَمَ، تَتَحَوَّلُ
نَظَرَاتُهَا إِلَى دِرْعٍ وَاقٍ،
فِي لَحَظَاتِ المَرَضِ، خُصُوصًا الآنَ وَهِيَ تَرَاهُ عَلَى سَرِيرِ المُسْتَشْفَى،
تَتَكَشَّفُ فَادِيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا: امْرَأَةٌ تَخْشَى الفَقْدَ أَكْثَرَ مِمَّا تَخْشَى أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ، وَتُدْرِكُ أَنَّ القُوَّةَ
الَّتِي بَنَتْ حَيَاتَهَا حَوْلَهَا عَلَى حَافَةِ الهَاوِيَةِ،
كَانَتْ تَدْرِكُ فِي دَاخِلِهَا أَنَّ هذَا السَّرِيرَ، وَهذِهِ الغُرْفَةَ البَيْضَاءَ
المُعَقَّمَةَ، قَدْ نُزِعَتْ عَنْ ذَكِي كُلُّ مَظَاهِرِ السُّلْطَةِ وَالقُوَّةِ وَلَمْ تُبْقِ سِوَى الإِنسَانِ… ضَعِيفًا، قَلِقًا،
وَمُعَلَّقًا بَيْنَ الخَوْفِ وَالأَمَلِ،
كَانَتْ مَرْيَمُ، لَا تَزَالُ فِي العِشْرِينَاتِ مِنْ عُمُرِهَا آنَذَاكَ، تَقِفُ إِلَى
جَوَارِ أُمِّهَا فَادِيَةَ فِي رُكْنِ الغُرْفَةِ البَيْضَاءِ بِالمُسْتَشْفَى. جَسَدُهَا مُشَدَّدٌ، وَيَدَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ بِتَوَتُّرٍ،
كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُمْسِكَ بِخَوْفِهَا، عَيْنَاهَا لَمْ تُفَارِقَا سَرِيرَ وَالِدِهَا ذَكِي، تُرَاقِبَانِ صَدْرَهُ وَهُوَ
يَعْلُو وَيَهْبِطُ بِصُعُوبَةٍ، وَكُلُّ حَرَكَةٍ مِنْهُ كَانَتْ تُحْدِثُ رَجْفَةً خَفِيفَةً فِي قَلْبِهَا.
مَلَامِحُهَا شَابَّةٌ نَاعِمَةٌ، لَكِنَّ القَلَقَ رَسَمَ عَلَيْهَا ظِلَالًا مُبَكِّرَةً؛ شُحُوبٌ
خَفِيفٌ فِي وَجْهِهَا، وَنَظْرَةٌ مُتَوَتِّرَةٌ تُخْفِي خَلْفَهَا خَوْفًا حَقِيقِيًّا مِنْ فَقْدِ الأَبِ، الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ
بِالنِّسْبَةِ لَهَا السَّنَدَ وَالقُوَّةَ. كَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْدُو مُتَمَاسِكَةً أَمَامَ أُمِّهَا، إِلَّا أَنَّ ارْتِعَاشَةَ شَفَتَيْهَا
كَانَتْ تُفْصِحُ مَا تَعْجِزُ عَنْ قَوْلِهِ.
وَحِينَ أَنْهَى دُكْتُورُ بَاسِلِ الكَشْفَ عَلَى ذَكِي وَالتَفَتَ، التَقَتْ عَيْنَاهَا
بِعَيْنَيْهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، كَانَ ذَلِكَ اللِّقَاءُ عَابِرًا فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ،
نَظْرَةٌ قَصِيرَةٌ، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتُوقِظَ شُعُورًا خَفِيًّا دَاخِلَهَا؛ إِحْسَاسٌ غَامِضٌ بِالأَمَانِ، بِشَخْصٍ
يُمْكِنُ الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَسْطَ هذَا الخَوْفِ العَارِمِ، أَمَّا بَاسِلُ، فَقَدْ لَمَحَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ ابْنَةِ
مَرِيضٍ، رَأَى شَابَّةً تَقِفُ بِشَجَاعَةٍ رَغْمَ ارْتِبَاكِهَا، تَحْمِلُ قَلَقًا صَادِقًا وَصِدْقًا نَادِرًا فِي عَيْنَيْهَا.
وَمِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَانَتْ بَدَايَةٌ خَفِيَّةٌ، بَدَايَةُ إِعْجَابٍ صَامِتٍ تَسَلَّلَ إِلَى
قَلْبِ مَرْيَمَ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، وَبُذْرَةُ اهْتِمَامٍ زُرِعَتْ نَفْسَهَا فِي قَلْبِ بَاسِلَ، غَيْرُ مُدْرِكٍ أَنَّ لِقَاءَهُ الأَوَّلَ
بِهَا لَن يَكُونَ عَابِرًا كَمَا ظَنَّ.
بَيْنَمَا تَقَاطَعَتْ
نَظَرَاتُ بَاسِلَ وَمَرْيَمَ لِلْحَظَةٍ صَامِتَةٍ، تَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا
يُمْكِنُ لِلْكَلِمَاتِ قَوْلُهُ،
تَقْتَرِبُ مَرْيَمُ مِنْ ذَكِي وَتَقُولُ: أَبِي كَيْفَ حَالُكَ؟
ذَكِي يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً بَاهِتَةً، كَأَنَّهَا مُحَاوَلَةٌ أَخِيرَةٌ لِلتَّمَاسُكِ،
وَيَقُولُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: أَنَا بِخَيْرٍ.
كَانَ هذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ بَيْنَ بَاسِلَ وَعَائِلَةِ المُهَنْدِسِ ذَكِي،
كَانَ اِعْجَابُ بَاسِلَ بِمَرْيَمَ بَدَا وَاضِحًا فِي عَيْنَيْهِ تَارِكًا أَثَرًا فِي قَلْبِهِ وَذَاكِرَتِهِ، لَمْ يَكُن حُبًّا
إِنَّمَا كَانَتِ البُذْرَةُ الَّتِي زَرَعَتْهَا مَرْيَمُ بِحُبٍّ فِي قَلْبِ الطَّبِيبِ الغَجَرِيِّ الشَّابِّ.
عَادَ بَاسِلُ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي المُسْتَشْفَى، دَخَلَ وَأَغْلَقَ البَابَ، خَلَعَ
مِعْطَفَهُ الأَبْيَضَ، وَجَلَسَ عَلَى الكُرْسِيِّ، بَدَتْ تَطَارِدُهُ فِي تَفْكِيرِهِ مَرْيَمُ، لَكِنَّهُ سَرِيعًا مَا تَوَقَّفَ
وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: أَنْتَ رَجُلٌ غَجَرِيٌّ وَهذِهِ.. مِنْ هذِهِ؟!.. إِنَّهَا ابْنَةُ المَرِيضِ!.. نَهَضَ، ارْتَدَى مِعْطَفَهُ
مَرَّةً أُخْرَى وَخَرَجَ مِنَ الغُرْفَةِ. كَانَ ذَكِي فِي تَحَسُّنٍ وَيَتَبَادَلُ الحَدِيثَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَادِيَةَ وَمَرْيَمَ فِي
غُرْفَةِ الاسْتِقْبَالِ، عَادَ بَاسِلُ وَدَخَلَ إِلَى غُرْفَتِهِ بِيَدِهِ مِلَفًّا وَرَقِيًّا، قَرَأَهُ وَوَضَعَهُ أَمَامَهُ قَائِلًا:
المُهَنْدِسُ ذَكِي صَاحِبُ شَرِكَةِ عَقَارَاتٍ كُبْرَى وَأَنْتَ طَبِيبٌ صَغِيرٌ مِن
الغَجَرِ، رَاتِبُكَ يُسَاوِي حَجْزَ اللَّيْلِيَّةِ الَّتِي قَضَاهَا فِي المُسْتَشْفَى، يَبْدُو التَّفْكِيرُ فِي ابْنَتِهِ شَيْئًا
خَيَالِيًّا. نَهَضَ ذَكِي وَخَلَعَ مِعْطَفَهُ وَاسْتَلَقَى عَلَى
السَّرِيرِ وَشَدَّ الفِرَاشَ وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهُ.
نَكْمِلُ رِحْلَتَنَا
المُمْتِعَةَ فِي عَالَمِ الغَجَرِ نَسْتَكْشِفُ خَبَايَا وَأَسْرَارًا لَمْ نَعْرِفْهَا عَنْهُمْ مِنْ قَبْلُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ... وَبَيْنَ الوَاقِعِ وَالخَيَالِ الوَاقِعِيِّ... بَدَايَةُ ظُهُورِ الشَّرِّ...
فِي مَنْزِلِ بَشَّارِ ذَلِكَ القَصْرِ الكَبِيرِ الَّذِي أَسَّسَهُ مِنْ تِجَارَةِ
المُخَدِّرَاتِ وَالسَّرِقَةِ وَأَعْمَالِ النَّهْبِ وَالاحْتِيَالِ وَأَصْبَحَ كَبِيرًا لِلغَجَرِ...
جَلَسَ بَشَّارُ عَلَى الأَرِيكَةِ وَزَوْجَتُهُ هِلَا بَعْدَ مُغَادَرَةِ الدُّكْتُورِ
بَاسِلَ وَزَوْجَتِهِ المُهَنْدِسَةِ مَرْيَمَ،
قَالَتْ هِلَا: كَيْفَ تَرَكْتَ بَاسِلَ يُغَادِرُ الغَجَرَ يَا بَشَّارُ؟
قَالَ بَشَّارُ: وَمَاذَا أَفْعَلُ؟ لَقَدْ غَادَرَ فَجْأَةً كَمَا رَأَيْتِ.
قَالَتْ هِلَا: كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ إِيقَافُهُ.
قَالَ بَشَّارُ: هَلْ قَابَلْتَ مَرْيَمَ يَتَمَاسَ؟
قَالَتْ هِلَا: قَابَلْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا مَا يُغْضِبُهَا.
وَفَجْأَةً صَوْتُ طَرْقِ البَابِ،
وَقَفَ الضَّابِطُ غَالِبُ سَالِمٍ أَمَامَ مَنْزِلِ بَشَّارٍ وَيَقِفُ جَوَارَهُ الجُنُودُ.
فَتَحَ بَشَّارُ البَابَ،
دَخَلَ غَالِبٌ وَجُنُودُهُ بِانْدِفَاعٍ إِلَى المَنْزِلِ،
قَالَ غَالِبُ: أَيْنَ
عَلَاءُ يَا بَشَّارُ؟
قَالَ بَشَّارُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنْهُ يَا غَالِبُ بَكْ.
تَلَفَّتَ غَالِبُ إِلَى هِلَا وَقَالَ: كَيْفَ حَالُكِ يَا هِلَا.. أَيْنَ عَلَاءُ؟
نَهَضَتْ هِلَا وَقَالَتْ: لَا أَعْرِفُ يَا غَالِبُ بَكْ.
غَالِبُ: كَبُرْتِ بَكِ العمرُ يَا هِلَا، لَكِنْ لَا تَزَالِينَ جَمِيلَةً.
يَنْظُرُ بَشَّارُ إِلَى أَسْفَلِهِ، يَبْدُو أَنَّهُ كَانَتْ تَرْبِطُ الضَّابِطَ وَهِلَا عِلَاقَةٌ قَدِيمَةٌ وَبَيْنَهُمَا قِصَّةٌ.
دَخَلَ أَحَدُ الجُنُودِ مُنْدَفِعًا إِلَى بَيْتِ بَشَّارٍ وَوَقَفَ أَمَامَ الضَّابِطِ
غَالِبَ وَقَالَ: عَلَاءُ فِي الخَارِجِ يَا غَالِبُ بَكْ.
خَرَجَ الضَّابِطُ مِنْ بَيْتِ بَشَّارٍ مُهَرُولًا يَبْحَثُ عَنْ عَلَاءٍ وَالجُنُودُ خَلْفَهُ.
قِصَّةُ الضَّابِطِ غَالِبَ وَهِلَا زَوْجَةِ بَشَّارٍ
قَبْلَ أَنْ يَكُونَ غَالِبٌ ضَابِطًا، كَانَ شَابًّا مِنَ الغَجَرِ يُعَشِّقُ
الغَجَرِيَّةَ الجَمِيلَةَ وَتُعَشِّقُهُ هِلَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا
اللِّقَاءاتُ سِرًّا فِي الأَزِقَّةِ يَتَبَادَلُونَ القُبَلَاتِ وَالكَلِمَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ، وَفِي الخَيْمَةِ ضَاجَعَ
غَالِبُ هِلَا، كَانَتْ لَا تَزَالُ فَتَاةً عَذْرَاءَ أَهْدَرَتْ عِذْرِيَّتَهَا،
لَكِنَّهُ وَعَدَهَا أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا لَكِن لَيْسَ الآن بَعْدَ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى كُلِّيَّةِ الشُّرْطَةِ وَيَعُودَ.
أَفَقَتْ وَخَرَجَا مِنَ الخَيْمَةِ لَيْلًا مَعًا، يَنْظُرُ غَالِبٌ يَمِينًا وَيَسَارًا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الغَجَرِ فِي شَوَارِعِ البَلْدَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَتَمَ سِرَّ هِلَا وَغَالِب، فَسَارَا فِي الزُّقَاقِ المُظْلِمِ يَتَهَامَسَانِ بِكَلِمَاتِ الحُبِّ وَيَتَبَادَلَانِ القُبَلَاتِ وَاللَّمَسَاتِ، لَكِنْ كَانَ يَرَاهُمَا، وَهُوَ يَقِفُ عَلَى نَاصِيَةِ شَارِعِ بَشَّارٍ، ذَلِكَ البَطْرِيقُ الشَّابُّ الَّذِي لَا تُفَوِّتُهُ فُرْصَةٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى أَيِّ شَابٍّ مِنْ شَبَابِ الغَجَرِ يُفَكِّرُ أَن يُنَافِسَهُ وَيَنْزِعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ سَيْطَرَتَهُ عَلَى الغَجَرِ.
تَرَكَ غَالِبُ سَالِمٌ البَلْدَةَ وَسَافَرَ إِلَى كُلِّيَّةِ الشُّرْطَةِ، السِّرُّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْلَمُهُ فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ إِلَّا هِلَا فَقَطْ.
وَمَعَ اخْتِفَائِهِ مِنْ بَلْدَةِ الغَجَرِ، بَدَأَتْ أَعْرَاضُ الحَمْلِ تَظْهَرُ عَلَى هِلَا بَعْدَ شُهُورٍ، أَلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْتَدِي المَلَابِسَ الغَجَرِيَّةَ الوَاسِعَةَ الَّتِي لَا تُظْهِرُ بَطْنَهَا.
أَوْقَفَ بَشَّارُ هِلَا فِي الشَّارِعِ، أَمْسَكَهَا مِنْ يَدِهَا، وَجَذ*بَهَا إِلَيْهِ
بِقُوَّةٍ وَقَالَ: أَنَا رَأَيْتُكِ أَنْتِ وَغَالِب وَأَنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنَ الخَيْمَةِ، نَظَرَتْ هِلَا إِلَى الأَرْضِ، قَالَ
بَشَّارُ: سَأَتَزَوَّجُكِ وَأَكْتُمُ سِرَّكِ، وَلَكِن لَا وُجُودَ لِغَالِبٍ مِنَ الآنِ حَتَّى وَإِنْ عَادَ إِلَى الغَجَرِ.
لَمْ تُجِبْ هِلَا وَظَلَّتْ تَنْظُرُ إِلَى أَسْفَلِ، فَمَدَّ بَشَّارُ يَدَهُ وَرَفَعَ وَجْهَ هِلَا إِلَيْهِ وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهَا وَقَالَ: إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ غَالِب؟
قَالَتْ هِلَا: لَا أَعْرِفُ.
قَالَ بَشَّارُ: هَلْ ذَهَبَ إِلَى سَرِقَةٍ خَارِجَ بَلْدَةِ الغَجَرِ لِيَعُودَ وَيَدْفَعَ مَهْرَكِ وَيَتَزَوَّجَكِ؟
قَالَتْ هِلَا: لَا أَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ يَوْمٍ أَنْ كُنَّا فِي الخَيْمَةِ.
قَالَ بَشَّارُ: سَأَدْفَعُ مَهْرَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ.
ابْتَسَمَ بَشَّارُ وَابْتَسَمَتْ هِلَا، قَالَ بَشَّارُ: إِنْ عَادَ غَالِبٌ إِلَى
الغَجَرِ سَأَقْتُلُهُ.
وَدَفَعَ بَشَّارُ مَهْرَ هِلَا وَتَزَوَّجَهَا وَكَتَمَ السِّرَّ، وَزَادَتْ زَوْجَاتُ بَشَّارَ زَوْجَةً أُخْرَى هِلَا، وَلَكِن هِلَا كَانَتْ حَمْلًا مِنْ غَالِبِ عَلَاءَ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ بِحَقِيقَتِهِ بَشَّارَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ ابْنُ غَالِبٍ، السِّرُّ الَّذِي لَمْ يَكْتَشِفْهُ غَالِبٌ إِلَّا بَعْدَ تَخَرُّجِهِ مِنْ كُلِّيَّةِ الشُّرْطَةِ وَعَوْدَتِهِ إِلَى بَلْدَةِ الغَجَرِ ضَابِطًا.