خَرَجَتْ مَرْيَمُ وَهِلَا مِنْ مَنْزِلِ طَعْمَةَ وَالغَرِيبِ عَائِدِينَ إِلَى مَنْزِلِ بَشَّارَ، يَسِيرُونَ وَسْطَ أَزِقَّةِ بَلْدَةِ الغَجَرِ.
كَانَ الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ يَجْلِسُ وَوَالِدُهُ بَشَّارُ فِي مُوَاجَهَةٍ، فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، أَهْلِ القَصْرِ الغَجَرِيِّ الكَبِيرِ.
قَالَ بَشَّارُ: أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ قَدْ سَامَحْتَ وَالِدَكَ يَا بَاسِلُ.
قَالَ بَاسِلٌ: أَتَمَنَّى أَنْ تُسَامِحَنِي أَنْتَ يَا أَبِي، فَأَنَا أَعْرِفُ الغَجَرَ تَمَامًا، لَا يُسَامِحُونَ، يَنْتَقِمُونَ دَائِمًا.
بَشَّارُ: أُسَامِحُكَ إِذًا يَا بَاسِلُ، لَكِنْ تَعِدُنِي أَنْ لَا تَتْرُكَ الغَجَرَ مُجَدَّدًا.
نَهَضَ بَاسِلٌ مُقَهْقِهًا وَقَالَ: تَرَكْتُ لَكُمُ الغَجَرَ يَا أَبِي.
دَخَلَتْ مَرْيَمُ وَهِلَا مِنْ بَابِ المَنْزِلِ، تَقَدَّمَتْ مَرْيَمُ، وَأَغْلَقَتْ هِلَا البَابَ.
اقْتَرَبَتْ مَرْيَمُ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ مِنْ بَاسِلَ.
كَانَتْ مَرْيَمُ قَدِ ارْتَدَتِ الزِّيَّ الغَجَرِيَّ التَّقْلِيدِيَّ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُ شَعْرِهَا المُنْسَدِلِ المُتَنَاثِرِ خُصَلَاتُهُ عَلَى كَتِفَيْهَا، وَظَهَرَتْ رُسُومُ الوُشُومِ عَلَى مَعْصِمَيْهَا وَكَتِفَيْهَا، وَتَبْدُو كَامْرَأَةٍ غَجَرِيَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا حَتَّى زَوْجُهَا.
نَظَرَ بَاسِلٌ إِلَى مَرْيَمَ مُنْدَهِشًا قَائِلًا: مَنْ هَذِهِ؟! مَرْيَمُ، مَا هَذَا الَّذِي فَعَلْتِهِ بِنَفْسِكِ؟!
قَالَتْ مَرْيَمُ بِابْتِسَامَةٍ: أَصْبَحْتُ غَجَرِيَّةً مِثْلَكُمْ.
قَهْقَهَتْ مَرْيَمُ ضَاحِكَةً وَقَالَتْ: مَا رَأْيُكَ بِمَرْيَمَ الغَجَرِيَّةِ؟
بَدَا عَلَى بَاسِلِ الغَضَبُ وَقَالَ: تَعَالَيْ يَا مَرْيَمُ، سَنَتَحَدَّثُ فِي غُرْفَتِنَا.
اتَّجَهَ بَاسِلُ إِلَى السُّلَّمِ يَصْعَدُ دَرَجَاتِهِ، وَمَرْيَمُ مِنْ خَلْفِهِ تَرْفَعُ طَرَفَ ثِيَابِهَا الغَجَرِيِّ وَتَصْعَدُ دَرَجَاتِ السُّلَّمِ خَلْفَهُ.
دَخَلَ بَاسِلُ إِلَى الغُرْفَةِ، وَدَخَلَتْ مَرْيَمُ خَلْفَهُ وَأَغْلَقَتِ البَابَ.
قَالَ بَاسِلٌ: يَجِبُ أَنْ نُغَادِرَ الغَجَرَ فِي الحَالِ.
قَالَتْ مَرْيَمُ: لِمَاذَا يَا دُكْتُورُ؟ مَاذَا حَدَثَ؟ هَلْ أَزْعَجَكَ فِعْلِي؟!
قَالَ بَاسِلٌ: لَا يَا مُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ، لَكِنْ لَدَيَّ عَمَلِيَّةٌ حَرِجَةٌ وَعَاجِلَةٌ الآنَ، لَا يُمْكِنُنِي التَّأَخُّرُ عَنِ المَرِيضِ.
قَالَتْ مَرْيَمُ: جَيِّدٌ.
بَدَا عَلَى مَرْيَمَ الحُزْنُ، لَكِنْ بَدَا عَلَيْهَا أَيْضًا التَّقَبُّلُ وَالِانْصِيَاعُ إِلَى رَغْبَةِ دُكْتُورِ بَاسِلَ.
_الضَّابِطُ غَالِبُ سَالِمٍ الغَجَرِيُّ
لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ يُشْبِهُ ضُبَّاطَ الشُّرْطَةِ الَّذِينَ اعْتَادَ النَّاسُ رُؤْيَتَهُمْ… فِي مَلَامِحِهِ شَيْءٌ أَقْدَمُ مِنَ القَانُونِ… شَيْءٌ قَادِمٌ مِنْ نَارِ الخِيَامِ، وَمِنْ لَيَالِي الغَجَرِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَا تَنَامُ.
فِي أَوَاخِرِ الأَرْبَعِينَاتِ مِنْ عُمُرِهِ، جَسَدُهُ مَشْدُودٌ كَوَتَرٍ لَمْ يَفْقِدْ صَلَابَتَهُ بَعْدُ، كَتِفَاهُ عَرِيضَانِ، وَخُطُوَاتُهُ ثَابِتَةٌ كَأَنَّ الأَرْضَ تَحْفَظُ إِيقَاعَهُ…
بَشَرَتُهُ قَمْحِيَّةٌ دَاكِنَةٌ، عَلَيْهَا آثَارُ شَمْسٍ قَدِيمَةٍ…
عَيْنَانِ سُودَاوَانِ، لَا تَتَّسِعَانِ كَثِيرًا، لَكِنَّهُمَا لَا تَرْمِشَانِ إِلَّا نَادِرًا…
لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِ صَوْتِهِ؛ صَمْتُهُ وَحْدَهُ كَانَ تَهْدِيدًا.
غَالِبٌ غَجَرِيٌّ…
لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ أَصْلِهِ، وَلَمْ يَسْمَحْ لِأَصْلِهِ أَنْ يَبْتَلِعَهُ…
_بَاسِلُ وَمَرْيَمُ فِي السَّيَّارَةِ مُغَادِرِينَ عِزْبَةَ الغَجَرِ
جَلَسَ الطَّبِيبُ الغَجَرِيُّ المَشْهُورُ بَاسِلُ خَلْفَ المُقُودِ، وَزَوْجَتُهُ المُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ جَوَارَهُ فِي السَّيَّارَةِ، فِي طَرِيقِهِمْ مِنْ بَلْدَةِ الغَجَرِ… إِلَى القَاهِرَةِ.
قَالَتْ مَرْيَمُ مُبْتَسِمَةً بِهُدُوءٍ جَمِيلٍ: عَمِّي بَشَّارُ قَصَّ لِي قِصَصًا كَثِيرَةً عَنِ الغَجَرِ وَتَارِيخِهِمْ… حَتَّى جَعَلَنِي أُحِبُّ الغَجَرَ.
قَالَ بَاسِلُ: أُمِيدُ قَصَّ لَكِ القِصَصَ الَّتِي تُظْهِرُ مُمَيِّزَاتِهِمْ فَقَطْ…
قَالَتْ مَرْيَمُ: وَمَا هِيَ السَّلْبِيَّاتُ يَا دُكْتُورُ؟
قَالَ بَاسِلُ: كَثِيرَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا…
إذا أردت، أُكْمِلُ تَشْكِيلَ بَقِيَّةِ النَّصِّ نَفْسِهِ فِي الرِّسَالَةِ التَّالِيَةِ، لِأَنَّهُ طَوِيلٌ جِدًّا.
قَالَ بَاسِلُ: قُلْتُ لَكِ هٰذَا الجَانِبَ الإِيجَابِيَّ... لَا يُمْكِنُكِ أَنْ تَرَيْ السَّلْبِيَّاتِ فِي يَوْمَيْنِ فَقَطْ... أَنَا مَنْ نَشَأْتُ فِي وَسَطِ الغَجَرِ وَرَأَيْتُ سَلْبِيَّاتِهِمْ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ إِيجَابِيَّاتِهِمْ... السَّلْبِيَّاتُ كَثِيرَةٌ مِثْلَ زَوَاجِ الأَقَارِبِ، لَا يُمْكِنُ لِلْغَجَرِيِّ أَوِ الغَجَرِيَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا إِلَّا مِنْ غَجَرٍ مِثْلِهِمْ، وَفِي الأَغْلَبِ يَكُونُ مِنْ نَفْسِ العَائِلَةِ، مِثْلَ زَوَاجِ الغَرِيبِ وَطَعْمَةَ... وَزَوَاجُ الأَقَارِبِ أَنْتِ تَعْرِفِينَ أَضْرَارَهُ جَيِّدًا...
وَأَيْضًا مِثْلَ فَرْضِ العَمَلِ النِّسَاءِ وَإِجْبَارِهِمْ عَلَيْهِ، يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ تَعْمَلَ وَتَأْتِيَ بِالنُّقُودِ لَيْسَ ذٰلِكَ
وَحَسْبَ بَلْ وَتُنْفِقَ عَلَى زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا، وَالزَّوْجُ
غَيْرُ مُطَالَبٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ أَيَّةَ مَسْؤُولِيَّةٍ أَوْ يُنْفِقَ عَلَى أَوْلَادِهِ.. وَأَيْضًا عِنْدَمَا يَشْعُرُ الرَّجُلُ تَقْصِيرَ
الزَّوْجَةِ فِي الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَأَوْلَادِهِ يَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا وَغَيْرَهَا بِلا عَدَدٍ مُحَدَّدٍ مِنَ
الزَّوْجَاتِ... وَيُنْجِبُ مِنْ جَمِيعِ الزَّوْجَاتِ .. وَإِذَا كَانَ المَوْلُودُ ذ***رًا يَحْزَنُ الزَّوْجُ وَكَأَنَّ الدُّنْيَا
تَنْهَدِمُ فَوْقَ رَأْسِهِ... وَيَفْرَحُ إِذَا كَانَ المَوْلُودُ أُنْثَى وَيُقِيمُ الأَفْرَاحَ وَكَأَنَّهُ حَصَلَ عَلَى
كَنْزٍ... وَلِمَ لَا وَالأُنْثَى سَتَكْبُرُ وَتَعْمَلُ وَتَأْتِي
لَهُ بِالأَمْوَالِ وَعِنْدَ زَوْجِهَا يَطْلُبُ فِيهَا مَبْلَغًا كَبِيرًا مِنَ النُّقُودِ وَكَأَنَّهَا تِجَارَةُ رَقِيقٍ يَبِيعُ
ابْنَتَهُ بِالنُّقُودِ... رَجُلٌ يَزِيدُ مِنْ أَمْوَالِهِ بِكَثْرَةِ بِزَوَاجِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْجَابِ الإِنَاثِ...
يَقْهَقِهُ بَاسِلُ ضَاحِكًا
قَالَتْ مَرْيَمُ : لَكِنَّ هٰذِهِ التَّقَالِيدَ وَالعَادَاتِ كَانَتْ قَدِيمًا
قَالَ بَاسِلُ : لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا هٰذِهِ العَادَاتُ لَازَالَتْ إِلَى الآنِ، وَكَانَ هٰذَا مِنَ الدَّوَافِعِ الَّتِي جَعَلَتْنِي أَتْرُكُ بَلْدَةَ
الغَجَرِ
قَالَتْ مَرْيَمُ : لَمْ تُخْبِرْنِي مِنْ قَبْلُ عَنْ سَبَبِ تَرْكِكَ بَلْدَةَ الغَجَرِ
قَالَ بَاسِلُ : تَرَكْتُ الغَجَرَ لِكُلِّ هٰذِهِ العَادَاتِ السَّلْبِيَّةِ
وَالتَّقَالِيدِ وَالمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي ذ***رْتُهَا لَكِ
قَاتَ مَرْيَمُ : لَا يُعْقَلُ أَنْ يَتْرُكَ الإِنْسَانُ بَلْدَتَهُ وَعَائِلَتَهُ لِهٰذِهِ
الأَسْبَابِ فَقَطْ ، يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ سَبَبًا آخَرَ
قَالَ بَاسِلُ : بِالفِعْلِ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ
قَالَتْ مَرْيَمُ : هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُخْبِرَنِي عَنْ ذٰلِكَ الشَّيْءِ
قَالَ بَاسِلُ : هُنَاكَ أَشْيَاءُ أَغْلَقْتُ عَلَيْهَا فِي صَدْرِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ لَا
يَجِبُ أَنْ أَفْتَحَ لَهَا الآنَ... يُمْكِنُ أَنْ تَقُولِي إِنَّهَا بِمَثَابَةِ خَازِنَةِ أَسْرَارٍ الَّتِي أَغْلَقْتُهَا حَتَّى
صَدِئَ القُفْلُ وَالمِفْتَاحُ وَلَا أُرِيدُ فَتْحَهَا
قَالَتْ مَرْيَمُ : حَتَّى وَإِنْ كُنْتُ أَنَا، آلَا تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَهَا لِي يَا
دُكْتُورَ
قَالَ بَاسِلُ : إِذًا لَا يُمْكِنُنِي التَّحَدُّثُ فِيهَا الآنَ وَأَنَا أَجْلِسُ
خَلْفَ عَجَلَةِ القِيَادَةِ... مَاذَا تُرِيدِي أَنْ تَسْمَعِي؟
قَالَتْ مَرْيَمُ : فِرْنَانْدُو فِرْنَانْدِيز
قَالَ بَاسِلُ : لَيْسَ لَدَيَّ أَغَانٍ لِهٰذَا المُغَنِّي... حَتَّى لَمْ أَعْرِفْهُ
مِنْ قَبْلُ
قَالَتْ مَرْيَمُ : كَيْفَ لَا تَعْرِفُهُ يَا دُكْتُورُ إِنَّهُ مُغَنٍّ غَجَرِيٌّ مَكْسِيكِيٌّ
مَشْهُورٌ جِدًّا... لَدَيَّ أَغَانِيهِ عَلَى الهَاتِفِ حَمَّلْتُهَا بَعْدَ أَنْ بَحَثْتُ عَنْهُ يُمْكِنُنِي تَشْغِيلُهَا مِنْ
هَاتِفِي
قَالَ بَاسِلُ : اللهُ يُسَامِحُكَ يَا بَشَّارُ لَقَدْ حَشَوْتَ مُخَّ زَوْجَتِي
بِالغَجَرِ
يَبْتَسِمُ بَاسِلُ وَتَبْتَسِمُ مَرْيَمُ... تُشَغِّلُ مَرْيَمُ أُغْنِيَةً لِفِرْنَانْدُو فِرْنَانْدِيز
الغَجَرِيِّ مِنَ الهَاتِفِ وَتَبْدَأُ بِالرَّقْصِ وَالإِيمَاءَاتِ فِي السَّيَّارَةِ
كَانَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِ كَطَبِيبٍ شَابٍّ غَيْرِ مَشْهُورٍ
يَعْمَلُ فِي المُسْتَشْفَى الخَاصِّ الَّتِي وَفَّرَتْ لَهُ غُرْفَةً لِلنَّوْمِ، بِرَاتِبٍ بِالكَادِ يَفِي بِاحْتِيَاجَاتِهِ
الأَسَاسِيَّةِ،
يُمَارِسُ عَمَلَهُ بِامْتِيَازٍ كَانَتْ حَيَاتُهُ بَسِيطَةً نَهَارًا فِي المُسْتَشْفَى
يُجْرِي الكَشْفَ عَلَى المَرْضَى، وَلَيْلًا يَجْلِسُ فِي
غُرْفَتِهِ يَقْرَأُ فِي كُتُبِ الطِّبِّ لَمْ كَلَا بَحْثًا وَلَمْ يَدَّخِرْ جُهْدًا فِي تَطْوِيرِ مَهَارَاتِهِ... قَبْلَ نَوْمِهِ
كَانَ يَأْكُلُ القَلِيلَ مِنَ الطَّعَامِ الخُبْزَ وَالجُبْنَةَ... طَرَقَتْ بَابَ غُرْفَتِهِ المَرَضُ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي
رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَى البَابِ قَائِلًا: ادْخُلْ
فَتَحَ البَابَ وَوَقَفَتِ المُمَرِّضَةُ عَلَى عَتَبَةِ البَابِ قَائِلَةً: دُكْتُورُ
بَاسِلُ مِنْ فَضْلِكَ حَالَةٌ دَخَلَتِ الآنَ المُسْتَشْفَى فِي غُرْفَةِ الاسْتِقْبَالِ،
تَرَكَ بَاسِلُ الخُبْزَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: جَيِّدٌ سَأَأْتِي خَلْفَكِ
خَرَجَتِ المُمَرِّضَةُ وَأَغْلَقَتِ البَابَ خَلْفَهَا، نَهَضَ بَاسِلُ تَنَاوَلَ المِعْطَفَ
الأَبْيَضَ ارْتَدَاهُ وَفَتَحَ بَابَ الغُرْفَةِ وَخَرَجَ أَغْلَقَ البَابَ، وَسَارَ فِي المَمَرِّ الطَّوِيلِ دَاخِلَ
المُسْتَشْفَى إِلَى غُرْفَةِ الاسْتِقْبَالِ
كَانَ المُهَنْدِسُ ذَكِيُّ مُسْتَلْقِيًا عَلَى سَرِيرِ المُسْتَشْفَى فِي غُرْفَةِ
الاسْتِقْبَالِ، جَسَدُهُ القَوِيُّ الَّذِي اعْتَادَ الوُقُوفَ بِثَبَاتٍ بَدَا الآنَ سَاكِنًا بِلَا حَرَاكٍ عَلَى نَحْوٍ
يُوجِعُ القَلْبَ لِابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ اللَّاتِي يَقِفْنَ جِوَارَهُ، الأَغْطِيَةُ البَيْضَاءُ تُغَطِّيهِ حَتَّى مُنْتَصَفِ صَدْرِهِ،
وَتَعْلُو وَتَهْبِطُ بِبُطْءٍ مَعَ أَنْفَاسِهِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَلْتَقِطُهَا بِالكَادِ، كَأَنَّ كُلَّ شَهِيقٍ يَتَطَلَّبُ جُهْدًا
لَا يُطَاقُ، الإِضَاءَةُ البَارِدَةُ المُنْبَعِثَةُ مِنْ مَصَابِيحِ السَّقْفِ تَنْعَكِسُ عَلَى وَجْهِهِ الشَّاحِبِ، فَتُبْرِزُ
خُطُوطَ التَّعَبِ العَمِيقَةِ الَّتِي حَفَرَتْهَا الأَيَّامُ وَالمَرَضُ المُبَاغِتُ فَجْأَةً،
عَيْنَاهُ، اللَّتَانِ طَالَمَا حَمَلَتَا حِدَّةَ السَّيْطَرَةِ وَاليَقِينِ، كَانَتَا نِصْفَ
مَفْتُوحَتَيْنِ، تَتَنَقَّلَانِ بِبُطْءٍ بَيْنَ السَّقْفِ الخَالِي وَأَجْهِزَةِ المُرَاقَبَةِ الطِّبِّيَّةِ إِلَى جِوَارِهِ،
صَوْتُ النَّبْضِ
الإِلِكْتُرُونِيُّ يَقْطَعُ الصَّمْتَ بِإِيقَاعٍ مُنْتَظَمٍ، يُذَكِّرُهُ وَيُذَكِّرُ مَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّ الزَّمَنَ هُنَا يُقَاسُ بِالثَّوَانِي
لَا بِالسَّنَوَاتِ الَّتِي قَضَاهَا المُهَنْدِسُ ذَكِيُّ فِي العَمَلِ الجَادِّ وَالشَّاقِّ
يَدَاهُ القَوِيَّتَانِ، اللَّتَانِ بَنَتَا شَرِكَةً كَامِلَةً وَوَقَّعَتَا عَلَى صَفَقَاتٍ
لَا تُحْصَى، تَسْتَقِرَّانِ الآنَ بِلَا حَرَاكٍ فَوْقَ الغِطَاءِ،
وَقَدْ بَدَتِ العُرُوقُ بَارِزَةً تَحْتَ الجِلْدِ، كَخَرَائِطَ
تَعَبٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، يَنْقَبِضُ فَكُّهُ قَلِيلًا، عَلَامَةٌ عَلَى أَلَمٍ يُحَاوِلُ كَتْمَهُ بِصَمْتٍ يَلِيقُ
بِرَجُلٍ اعْتَادَ أَلَّا يَشْتَكِي،
فَتَحَ الدُّكْتُورُ بَاسِلُ بَابَ غُرْفَةِ الكَشْفِ وَدَخَلَ