وَيَشْرُدُ بَاسِلٌ مِنْ جَدِيدٍ يَتَذَكَّرُ الحَاجَّ صَابِرٍ. لَمْ تَكُنْ أَيَّامٌ قَضَاهَا بَاسِلُ فِي مَنْزِلِ الحَاجِّ صَابِرٍ قَدْ انْقَضَتْ، بَلْ كَانَتْ أَعْوَامًا قَضَاهَا بَاسِلُ فِي العَمَلِ فِي المَحَلِّ.
كَانَ الحَاجُّ صَابِرٌ يَتَعَامَلُ مَعَ بَاسِلٍ بِكُلِّ حُبٍّ لِمَا عَلِمَهُ عَنْ قِصَّتِهِ وَلِأَخْلَاقِ بَاسِلٍ الحَسَنَةِ وَإِخْلَاصِهِ فِي العَمَلِ، حَتَّى بَدَا عَلَى الأَوْلَادِ مَحْمُودَ وَكَرِيمَ الغِيرَةُ مِنْ بَاسِلٍ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، كَانَ بَاسِلٌ يُنَظِّمُ المَحَلَّ وَيُرَتِّبُ الأَحْذِيَةَ، كَانَ الحَاجُّ صَابِرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِإِعْجَابٍ لِإِخْلَاصِهِ فِي العَمَلِ وَهُوَ يَجْلِسُ خَلْفَ المَكْتَبَةِ. نَادَى عَلَى بَاسِلٍ وَقَالَ: «بَاسِلُ».
نَظَرَ بَاسِلٌ خَلْفَهُ إِلَى الحَاجِّ صَابِرٍ وَقَالَ: «نَعَمْ يَا حَاجّ».
قَالَ صَابِرٌ: «تَعَالَ».
تَرَكَ بَاسِلُ الأَحْذِيَةَ مِنْ يَدِهِ إِلَى الرَّفِّ الخَشَبِيِّ، وَاتَّجَهَ إِلَى الحَاجِّ صَابِرٍ وَوَقَفَ أَمَامَهُ.
قَالَ الحَاجُّ صَابِرُ: «بِمَاذَا تُفَكِّرُ يَا بَاسِلُ؟»
قَالَ بَاسِلُ: «بِصِرَاحَةٍ يَا حَاجّ، عِنْدَمَا شَاهَدْتُ كَرِيمَ أَمْسِ يَمْسِكُ بِشَاهَدَتِهِ بَعْدَ أَنْ أَنْهَى دِرَاسَتَهُ، كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْبَحَ مِثْلَهُ».
قَالَ الحَاجُّ صَابِرٌ: «أَنْتَ تُجِيدُ الكِتَابَةَ وَالقِرَاءَةَ، وَتَعْمَلُ مَعِي فِي المَحَلِّ، أَرَى أَنَّكَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى الشَّهَادَةِ، لِمَاذَا تُرِيدُ أَبْشَهَادَةً؟ مَاذَا سَتَفْعَلُ بِهَا؟ كَرِيمُ تَخَرَّجَ وَحَصَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَيْضًا سَيَعْمَلُ مَعَنَا فِي المَحَلِّ».
قَالَ بَاسِلُ: «أَنْتَ سَأَلْتَنِي مَا الشَّيْءُ الَّذِي أُفَكِّرُ فِيهِ وَأَتَمَنَّاهُ، يَا حَاجّ، وَأَنَا جَاوَبْتُكَ بِصِرَاحَةٍ بِمَا أُرِيدُهُ».
قَالَ الحَاجُّ صَابِرٌ: «جَيِّدٌ يَا بَاسِلُ، أَنَا مُوَافِقٌ. تَكْمِلْ، لَكِنْ هذَا لَا يَجْعَلُكَ تُقَصِّرُ فِي عَمَلِكَ فِي المَحَلِّ».
قَالَ بَاسِلُ: «حَاضِرٌ يَا حَاجّ صَابِر، شُكْرًا».
يَغَادِرُ مُدَرِّبُ القُرُودِ وَقُرُودُهُ المَسْرَحَ، وَيَصْعَدُ إِلَى المَسْرَحِ امْرَأَةٌ غَجَرِيَّةٌ تُغَنِّي.
يَنْتَبِهُ بَاسِلٌ إِلَى المَسْرَحِ.
مَرْيَمُ تَنْظُرُ إِلَى بَاسِلَ وَتَقُولُ: «أَلَسْتَ هذِهِ مِنَ الغَجَرِ يَا بَاسِلُ؟»
قَالَ بَاسِلُ: «الأُنْسْتِ مِنَ الغَجَرِ، وَهذِهِ أُغْنِيَةٌ تَرَاثِيَّةٌ قَدِيمَةٌ أَلْفَاهَا الغَجَرُ، وَالفِرْقَةُ الَّتِي مَعَهَا غَجَرِيَّةٌ أَيْضًا».
المُغَنِّيَةُ الغَجَرِيَّةُ تُغَنِّي بِصَوْتِهَا الكَبِيرِ العَرِيقِ قَائِلَةً:
«وَفِي يَوْمِ زِفَافِ الغَرِيبِ وَطَعْمِهِ، لَازِم نَحْكِي قِصَّةَ الغَرِيبِ وَطَعْمِهِ..»
وتُغَنِّي بِطَرِيقَتِهَا الغَجَرِيَّةِ:
كَانَ الغَرِيبُ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ،
وَطَعْمُهُ شَابِّه أَطْعَمُ مِنْ طَلَعِ النَّخِيلَةِ،
أَبُوهَا رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي قَوْمِه،
وَالغَرِيبُ مَا لَاقَى أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ،
عَشِقَتْ طَعْمَهُ الغَرِيبُ وَعَشِقَهَا الغَرِيبُ لَمَّا دَاقَ مِنَ العِشْقِ طَعْمَهُ،
عَلِمَ أَبُوهَا بِخِيَانَةِ الغَرِيبِ، ظَلَمَ النَّهَارُ وَاشْتَدَّ الظَّلَامُ وَأَصْبَحَ مِزَاقُ الغَرِيبِ مِرَارَ طَعْمِهِ،
تَرْحَلْ يَا الغَرِيبُ، يَا تَذُوقُ مِنَ المَوْتِ مِرَارَ طَعْمِهِ،
وَقَفَ الغَرِيبُ أَمَامَ أَبِيهِ فِي قَوْمِهِ،
وَقَالَ طَعْمَهُ لِلْغَرِيبِ وَالغَرِيبُ لِطَعْمِهِ، وَالمَوْتُ لِأَبِيهَا لَوْ حَرَمَ الغَرِيبُ مِنْ مَذَاقِ طَعْمِهِ،
أَنْصَاعَ أَبُوهَا لِرَأْيِ الغَرِيبِ بَعْدَ أَنْ وَافَقَ قَوْمُهُ،
وَانْعَقَدَ الزَّوَاجُ وَحَضَرَ الزِّفَافُ قَوْمُهُ،
لِيَذُوقَ الغَرِيبُ وَطَعْمَهُ مِنَ العِشْقِ طَعْمَهُ،
وَالقَوْمُ فَرِحُونَ فِي بَهْجَةٍ مُسْتَأْنِسِينَ، وَعَلَى قِصَّةِ العِشْقِ شَاهِدِينَ لِيَذُوقُوا مِنَ الفَرَحِ طَعْمَهُ.
يَشْرُدُ بَاسِلُ مَرَّةً أُخْرَى، تَارِكًا المُغَنِّيَةَ الغَجَرِيَّةَ تُغَنِّي.
قَضَى بَاسِلُ أَعْوَامًا طَوِيلَةً فِي مَحَلِّ الحَاجِّ صَابِرٍ، يَعْمَلُ وَيَذْهَبُ إِلَى الدِّرَاسَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ شَابًّا فِي مُنْتَصَفِ العِشْرِينَاتِ. كَانَ بَاسِلُ يُظْهِرُ مِنَ الأَمَانَةِ وَالنَّشَاطِ فِي العَمَلِ مَا لَمْ يُظْهِرْهُ حَتَّى أَوْلَادُ الحَاجِّ صَابِرٍ أَنْفُسُهُمْ.
بَعْدَ انْتِهَاءِ اليَوْمِ، يُغْلِقُ بَاسِلُ المَحَلَّ وَيَجْلِسُ فِي الدَّاخِلِ، يَفْتَحُ كِتْبَهُ وَيُذَاكِرُ دُرُوسَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَنَامُ غَصْبًا وَكَتَابَةً بِيَدِهِ.
كَانَ الحَاجُّ صَابِرٌ يَنْزِلُ مِنْ بَيْتِهِ بَعْدَ الفَجْرِ مُبَاشَرَةً، يَطْرُقُ عَلَى بَابِ المَحَلِّ لِيَسْتَيْقِظَ بَاسِلُ، يُغْلِقُ كِتَابَتَهُ وَيَفْتَحُ بَابَ المَحَلِّ لِلْحَاجِّ صَابِرٍ.
يَعْمَلُ بَاسِلُ بِنشَاطٍ بِلَا كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ، حَتَّى أَنْهَى مَرْحَلَةَ الثَّانَوِيَّةِ، وَحَانَ وَقْتُ الذَّهَابِ إِلَى الجَامِعَةِ.
وَقَفَ بَاسِلُ أَمَامَ الحَاجِّ صَابِرٍ وَقَالَ: «بَعْدَ إِذْنِكَ يَا حَاجّ صَابِر، أَذْهَبُ إِلَى المَدْرَسَةِ، النَّتِيجَةُ تَظْهَرُ اليَوْمَ. لَمْ أَتَأَخَّرْ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً وَأَعُودُ سَرِيعًا».
قَالَ الحَاجُّ صَابِرٌ: «مَبْرُوكٌ يَا بَاسِلُ». سَعَلَ الحَاجُّ صَابِرٌ سُعَالًا شَدِيدًا وَبَدَا عَلَيْهِ الإِرْهَاقُ وَالإِعْيَاءِ، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ.
قَالَ بَاسِلُ: «أَنْتَ بِخَيْرٍ يَا حَاجّ؟»
قَالَ الحَاجُّ: «صَابِرٌ بِخَيْرٍ يَا بَاسِلُ، اذْهَبْ أَنْتَ وَعُدْ سَرِيعًا. أُرِيدُ أَنْ أَصْعَدَ إِلَى المَنْزِلِ أَسْتَرِيحَ».
قَالَ بَاسِلُ: «حَاضِرٌ يَا حَاجّ».
خَرَجَ بَاسِلُ مِنَ المَحَلِّ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ وَبَدَا عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، إِلَّا أَنَّهُ بَدَا عَلَيْهِ الحُزْنُ أَيْضًا لأَعْيَاءِ الحَاجِّ صَابِر.
كَانَ الحَاجُّ صَابِرٌ يَجْلِسُ خَلْفَ المَكْتَبَةِ وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ أَعْرَاضُ المَرَضِ. نَادَى بِصَوْتٍ عَالٍ: «مَحْمُودٌ.... كَرِيمٌ....»
لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. دَخَلَ إِلَى المَحَلِّ عَامِلُ الكَافِتِيرِيَا المُجَاوِرَةِ لِلْمَحَلِّ، وَوَقَفَ أَمَامَ الحَاجِّ صَابِرٍ وَقَالَ: «تُرِيدُ شَيْئًا يَا حَاجّ؟»
قَالَ الحَاجُّ صَابِرٌ: «كُوبَ مَاءِ».
خَرَجَ عَامِلُ الكَافِتِيرِيَا مِنَ المَحَلِّ، وَعَادَ بَعْدَ ثَوَانٍ بِكُوبٍ مِنَ المِيَاهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى المَكْتَبِ أَمَامَ الحَاجِّ صَابِرٍ، وَخَرَجَ مِنَ المَحَلِّ.
تَنَاوَلَ الحَاجُّ صَابِرُ كُوبَ المِيَاهِ، اِحْتَسَى مِنْهُ رَشْفَةً، وَاسْتَنَدَ بِرَأْسِهِ لِلْخَلْفِ وَزَفَرَ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ، مُفَارِقًا الحَيَاةَ.
كَانَ بَاسِلُ يَقِفُ أَمَامَ أَحَدِ مُعَلِّمِيهِ. قَالَ المُعَلِّمُ: «مَبْرُوكٌ يَا بَاسِلُ، أَنْتَ تُوَفِّقْتَ فِي دِرَاسَتِكَ. كُنْتَ تَسْتَحِقُّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ، أَنْتَ وَصَلْتَ إِلَى الدَّرَجَاتِ النِّهَائِيَّةِ، أَنْتَ الطَّالِبُ الأَوَّلُ عَلَى المَدْرَسَةِ. دَرَجَاتُكَ تَفْتَحُ لَكَ جَمِيعَ الكُلِّيَاتِ، يُمْكِنُكَ الَالْتِحَاقُ بِأَيِّ جَامِعَةٍ تُحِبُّ. قُلْ لِي، مَا الكُلِّيَةُ الَّتِي تُرِيدُ دُخُولَهَا؟»
قَالَ بَاسِلُ: «شُكْرًا يَا أُسْتَاذ، إِنْ شَاءَ اللهُ أَدْخُلُ كُلِّيَةَ الطِّبِّ».
قَالَ المُعَلِّمُ: «بِالتَّوْفِيقِ يَا بَاسِلُ».
نَاوَلَ المُعَلِّمُ الشَّهَادَةَ إِلَى بَاسِلٍ فِي يَدِهِ، تَنَاوَلَهَا بَاسِلٌ مِنْهُ، وَخَرَجَ مِنَ المَدْرَسَةِ سَعِيدًا، يَهْرُولُ بَيْنَ الأَزِقَّةِ حَتَّى وصل إِلَى بَابِ المَحَلِّ. وَقَفَ فِي الخَارِجِ، تَلَقَّى أَنْفَاسَهُ بِابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ تَرْتَسِمُ عَلَى مَلَامِحِهِ البَرِيئَةِ، وَدَخَلَ إِلَى المَحَلِّ لِيَجِدَ الحَاجَّ صَابِرَ مَيْتًا عَلَى كُرْسِيِّهِ خَلْفَ المَكْتَبَةِ.
كَانَتِ الصَّدْمَةُ كَبِيرَةً عَلَى بَاسِلٍ، إِنْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهِ، تَنْسَالُ إِلَى خُدُودِهِ، وَوَقَفَ يُحَدِّقُ إِلَى الحَاجِّ صَابِرٍ وَيَبْكِي.
مَرَّتِ الأَيَّامُ بَعْدَ مَوْتِ الحَاجِّ صَابِرٍ، وَكَانَتِ الإِجَازَةُ الصَّيْفِيَّةُ، وَمِنْ بَعْدِهَا سَيَذْهَبُ بَاسِلُ إِلَى كُلِّيَةِ الطِّبِّ. كَانَتِ السَّيِّدَةُ أَمِينَةُ تُدِيرُ المَحَلَّ بَعْدَ مَوْتِ الحَاجِّ صَابِرٍ، تَجْلِسُ مَكَانَهُ خَلْفَ المَكْتَبِ، وَبَاسِلٌ فِي المَحَلِّ كَعَادَتِهِ.
كَانَ مَحْمُودُ دَائِمًا مَا يَتَوَاجَدُ فِي المَحَلِّ مَعَ السَّيِّدَةِ أَمِينَةَ وَبَاسِلٍ، أَمَّا كَرِيمُ فَكَانَ لَهُ اهْتِمَامَاتُهُ الأُخْرَى الَّتِي يَعْرِفُهَا مَحْمُودُ. كَانَ كَرِيمُ مُنْحَرِفَ السُّلُوكِ، يُحِبُّ النِّسَاءَ وَالسَّهَرَ خَارِجَ المَنْزِلِ إِلَى سَاعَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، قَالَ بَاسِلٌ وَهُوَ يَجْلِسُ أَمَامَ السَّيِّدَةِ أَمِينَةَ: «سَأَذْهَبُ إِلَى كُلِّيَةِ الطِّبِّ مَعَ انْتِهَاءِ الإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ».
بَدَا عَلَى مَحْمُودٍ الغِيرَةُ، وَقَالَ: «لَا يَا بَاسِلُ، لَنْ تَذْهَبَ إِلَى كُلِّيَاتِ، المَحَلُّ أَهَمُّ».
قَالَتِ السَّيِّدَةُ أَمِينَةُ: «مِثْلَ مَا قَالَ مَحْمُودٌ يَا بَاسِلُ، المَحَلُّ أَهَمُّ».
وَمَعَ انْتِهَاءِ اليَوْمِ، خَرَجَتْ أَمِينَةُ وَمَحْمُودُ مِنَ المَحَلِّ. نَهَضَ بَاسِلٌ وَغَلَقَ بَابَ المَحَلِّ بَعْدَ خُرُوجِهِمَا. وَقَفَ كَرِيمُ أَمَامَ بَابِ المَحَلِّ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَهُ بَاسِلُ وَقَالَ: «الحَاجَّةُ فِين؟»
قَالَ مَحْمُودُ: «الحَاجَّةُ أَمِينَةُ صَعِدَتْ، وَمَحْمُودٌ إِلَى المَنْزِلِ».
قَالَ كَرِيمُ: «مَا هَذِهِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْكَ؟»
قَالَ بَاسِلُ: «الحَاجَّةُ رَفَضَتْ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى كُلِّيَةِ الطِّبِّ».
بَدَا عَلَى كَرِيمٍ الغَضَبُ، وَقَالَ: «لَا يَا بَاسِلُ، المَحَلُّ أَهَمُّ. أَنَا وَمَحْمُودُ مَعَنَا شَهَادَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ، أَنْتَ عَايِز تَدْخُل طِبًّا؟!»
ضَحِكَ كَرِيمُ مُسْتَهْزِئًا بِبَاسِلٍ وَذَهَبَ إِلَى المَنْزِلِ. أَغْلَقَ بَاسِلُ بَابَ المَحَلِّ وَجَلَسَ فِي المَحَلِّ يَبْكِي.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَكَانَتِ الدِّرَاسَةُ عَلَى وَشْكِ البَدَايَةِ وَتَسْتَعِدُّ الجَامِعَاتُ لِفَتْحِ أَبْوَابِهَا، كَانَ بَاسِلُ فِي المَحَلِّ يَبِيعُ زَوْجَ الأَحْذِيَةِ إِلَى أَحَدِ الزُّبُونِ، تَنَاوَلَ مِنَ الزُّبُونِ النُّقُودَ وَذَهَبَ إِلَى السَّيِّدَةِ أَمِينَةَ لِيُعْطِيَهَا، وَهِيَ تَجْلِسُ خَلْفَ المَكْتَبِ.
تَنَاوَلَتْ مِنْهُ النُّقُودَ، وَوَقَفَتْ تُحَدِّقُ إِلَيْهِ وَرَفَعَتْ يَدَهَا، صَفَعَتْهُ عَلَى وَجْهِهِ بِرَاحَةِ يَدِهَا، وَقَالَتْ بِغَضَبٍ وَصَوْتٍ عَالٍ: «أَنْتَ تُمْسِكُ يَدِي وَأَنْتَ تَنَاوِلُنِي النُّقُودَ، يَا كَلْبُ، أَتَتَرَحَّشْ بِي؟!»
قَالَ بَاسِلُ: «أَنَا لَمْ أُمْسِكْ يَدَكِ يَا حَاجَّة!»
قَالَتْ أَمِينَةُ: «أَنْتَ أَيْضًا تَكْذِبُ».
قَالَ بَاسِلُ: «أَنَا لَا أَكْذِبُ يَا حَاجَّة».
قَالَتْ: «لَا، أَنْتَ تَكْذِبُ وَقَلِيلُ الأَدَبِ».
قَالَ بَاسِلُ: «لَا يَجِبُ أَنْ تَضْرِبِينِي عَلَى وَجْهِي وَتَكْذِبِينِي يَا حَاجَّة، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَمِلْتُهَا مَعَكُمْ فِي المَحَلِّ وَمَعَ الحَاجِّ صَابِر».
قَالَتْ أَمِينَةُ: «هذَا مَا لَدَيَّ، إِذَا يُعْجِبُكَ مَرْحَبًا، وَإِذَا لَمْ يُعْجِبْكَ، بَابُ المَحَلِّ أَمَامَكَ».
بَدَا عَلَى بَاسِلٍ الحُزْنُ وَالحِيرَةُ، وَخَرَجَ مِنَ المَحَلِّ إِلَى الشَّارِعِ مِنْ جَدِيدٍ. تَعِيدُ حَيَاتُهُ أَلَمَهَا وَصُعُوبَتَهَا وَقَسْوَتَهَا عَلَيْهِ، مُنْكَسِرًا وَمَهْزُومًا مِنْ جَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ بَاسِلُ فِي أَوَّلِ مَرَاحِلِ شَبَابِهِ.
وَقَفَ بَاسِلُ جَوَارَ أَحَدِ مَحَلاتِ الأَحْذِيَةِ فَوْقَ الرَّصِيفِ، يُعِيدُ ذِكْرَيَاتِهِ مُنْذُ وُصُولِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَيَتَحَدَّثُ لِنَفْسِهِ: «إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ الآنَ بَعْدَ الحَاجِّ صَابِرٍ؟ اِنْهَارَ كُلُّ شَيْءٍ. لَيْسَ مَعِي مِنَ النُّقُودِ مَا يَجْعَلُنِي أَسْكُنُ حَتَّى الرَّصِيف».
تَرَجَّلَ بَاسِلُ فِي الأَزِقَّةِ وَالشَّوَارِعِ حَتَّى أَوْشَكَ اللَّيْلُ عَلَى الدُّخُولِ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ يَقِفُ أَمَامَ كُلِّيَةٍ فِي الجَامِعَةِ. نَظَرَ إِلَى الِيَافِطَةِ المُعَلَّقَةِ أَعْلَى مَبْنَى الكُلِّيَةِ، جَلَسَ أَمَامَ بَابِ الكُلِّيَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَاسْتَنَدَ ظَهْرُهُ إِلَى الحَائِطِ، وَتَرَكَ نَفْسَهُ لِلنَّوْمِ.