بَاسِلٌ وَمَرْيَمُ فِي مَنْزِلٍ كَبِيرِ الغُجَرِ – بَشَّار
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الأَمْسِ حَفْلُ زِفَافِ طَعْمَةَ، ابْنَةِ بَشَّارَ، كَبِيرِ الغُجَرِ، وَزَوْجِهَا الغَرِيبِ،
اسْتَيْقَظَتْ مَرْيَمُ صَبَاحًا، تَارِكَةً بَاسِلَ نَائِمًا فِي سَرِيرِهِ، وَخَرَجَتْ مِنَ الغُرْفَةِ وَنَزَلَتْ دَرَجَ السَّلَمِ، لِتَجِدَ بَشَّارَ وَهِلَا يَجْلِسَانِ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ.
مَرْيَمُ مُبْتَسِمَةً:
– صَبَاحُ الخَيْرِ يَا عَمِّي.
وَنَظَرَتْ إِلَى هِلَا:
– صَبَاحُ الخَيْرِ يَا عَمَّتِي.
بَشَّارُ:
– صَبَاحُ الخَيْرِ يَا مُهَنْدِسَةُ، تَعَالَيْ اجْلِسِي هُنَا.
هِلَا:
– صَبَاحُ الخَيْرِ يَا مَرْيَمُ.
جَلَسَتْ مَرْيَمُ جَوَارَ بَشَّارَ عَلَى الأَرِيكَةِ، بَيْنَمَا تَنْهَضُ هِلَا وَتُغَادِرُ غُرْفَةَ المَعِيشَةِ.
بَشَّارُ:
– أَخْبِرِينِي يَا مَرْيَمُ، مَا رَأْيُكِ فِي أَفْرَاحِ الغُجَرِ؟ هَلْ هِيَ مِثْلُ أَفْرَاحِ الحُضَرِ أَمْ تَخْتَلِفُ؟
وَكَأَنَّ بَشَّارَ بَدَا فِي تَمْثِيلِ دَوْرِ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ.
مَرْيَمُ:
– لَيْسَتْ مِثْلَ أَفْرَاحِنَا، أَفْرَاحُكُمْ مُخْتَلِفَةٌ. هَذَا هُوَ أَفْضَلُ فَرَحٍ رَأَيْتُهُ فِي حَيَاتِي… لَيْلَةَ أَمْسِ طُوَالَ اللَّيْلِ وَمُنْذُ أَنْ صَعِدْتُ إِلَى الغُرْفَةِ وَأَنَا أُفَكِّرُ لِمَاذَا يَبْدُو الغُجَرُ مُتَفَوِّقِينَ فِي كُلِّ الأَشْيَاءِ: الغِنَاءُ، الرَّقْصُ، تَرْوِيضُ الحَيَوَانَاتِ المُتَوَحِّشَةِ، رِوَايَةُ القِصَصِ، وَأَلْعَابُ السِّيرْكِ… كَيْفَ تَعَلَّمُوا كُلَّ هَذَا؟!.. شَعَرْتُ وَكَأَنَّنِي أُرِيدُ مَعْرِفَةَ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُمْ.
بَشَّارُ:
– إِذًا أَنْتِ تَجْلِسِينَ أَمَامَ الرَّجُلِ الأَمِينِ الَّذِي يَرْوِي لَكِ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ الغُجَرِ، لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَيَعْرِفُ تَارِيخَهُمْ جَيِّدًا.
مَرْيَمُ:
– أَتَمَنَّى ذَلِكَ يَا عَمِّي.
بَشَّارُ:
– انصتي لِمَا أَقُولُهُ يَا مَرْيَمُ، الغُجَرُ حِكَايَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا… عَلَى مَدَارِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ مَظْلُومُونَ مَقْهُورُونَ مُتَهَضَّمُونَ مِنْ شَتَّى شُعُوبِ العَالَمِ.
مَرْيَمُ:
– هَلْ يُوجَدُ خَارِجَ مِصْرَ غُجَرٌ يَا عَمِّي؟
بَشَّارُ:
– نَعَمْ، يُوجَدُ غُجَرٌ فِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العَالَمِ، لَكِنْ عَدَدُهُمْ لَيْسَ كَبِيرًا وَلَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُ عَدَدِهِمْ فِي أَيِّ دَوْلَةٍ مِن دُوَلِ العَالَمِ… وَذَلِكَ بِسَبَبِ الاِضْطِهَادِ الَّذِي تَعَرَّضُوا لَهُ مِنَ الحُكَّامِ وَالشُّعُوبِ أَيْضًا.
مَرْيَمُ:
– لِمَاذَا يَضْطَهِدُ الحُكَّامُ وَالشُّعُوبُ الغُجَرَ يَا عَمِّي؟
بَشَّارُ:
– كَانَ هُنَاكَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الغُجَرِ تَعْمَلُ فِي السَّرِقَةِ وَالاِحْتِيَالِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ اِضْطِهَادِهِمْ، لَكِنْ لَا أَقْدِرُ أَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِمِ اللَّوْمَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ لِفِعْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ رَغْمًا عَنْهُمْ حَتَّى يَعِيشُوا وَيُؤْمِنُوا لَهُمْ وَلأَوْلَادِهِمُ المَطْعَمَ وَالمَشْرَبَ وَالمَلْبَسَ وَيُنْفِقُوا.
وَصَلَ الأَمْرُ بِهِمْ إِلَى أَنْ الحُكُومَاتِ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ كَانَتْ تَفْرِضُ عَلَيْهِمْ ضَرَائِبَ زِيَادَةً عَنْ عَامَّةِ الشَّعْبِ، وَكَانَتْ تُسَمَّى ضَرِيبَةَ الرُّؤُوسِ، وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ فِي مِصْرَ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينِ.
وَهَذَا الاِضْطِهَادُ جَعَلَ الغُجَرَ يَنْظُرُونَ إِلَى الدَّوْلَةِ نَظْرَةَ كَرَاهِيَةٍ… وَيَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ لَا مَكَانَ لَهُمْ وَلَا قِيمَةَ لَهُمْ فِي أَوْطَانِهِمْ.
جَعَلَهُمْ هَذَا الشُّعُورُ يُخَرِّبُونَ فِي البِلَادِ وَيَسْرِقُونَ الأَمْوَالَ العَامَّةَ وَالخَاصَّةَ كُلَّمَا سَنَحَتْ لَهُمْ الفُرْصَةُ، مِثْلَ مَا حَدَثَ فِي مِصْرَ فِي سَنَةِ 2011 فِي ثَوْرَةِ يَنَايَرَ. كَانَتِ المَجْمُوعَاتُ المُوجُودَةُ فِي مَيْدَانِ التَّحْرِيرِ مُعْظَمُهُمْ مِنَ الغُجَرِ المَأْجُورِينَ، كَانُوا يُهَاجِمُونَ المَنْشَآتِ الحُكُومِيَّةَ الكُبْرَى وَالمَكْتَبَاتِ الكُبْرَى، يَسْرِقُونَ وَيُشْعِلُونَ النَّارَ فِي مُمتَلَكَاتِ الدَّوْلَةِ دُونَ رَحْمَةٍ.
وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ الوُصُولَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُسَجَّلِينَ فِي سِجِلَّاتِ مُوَالِيدِ الدَّوْلَةِ مِنَ الأَصْلِ، لَيْسَ الجَمِيعُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ هَكَذَا. وَلِهَذَا أَيْضًا لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُ عَدَدِهِمْ أَوْ أَيْنَ يَسْكُنُونَ عَلَى النَّقِيضِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ.
لَكِنْ بَعْضُ الإِحْصَائِيَّاتِ تَقُولُ إِنَّ هُنَاكَ مَجْمُوعَةً تُسَمَّى غُجَرَ الهَلِبِ الدُّومَرِيَّةِ، عَدَدُهُمْ حَوَالَيْ مِلْيُونٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْفًا…
وَمَجْمُوعَةٌ أُخْرَى اسْمُهَا النُّورُ، مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، هَاتَانِ المَجْمُوعَتَانِ يَسْكُنَانِ مِصْرَ.
وَمِنْهُمْ فِي دَوْلَةِ الإِمَارَاتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَةِ مَجْمُوعَةٌ تُسَمَّى قَبِيلَةَ الزَّطِّ، وَيُقَالُ تَعَدَّادُهُمْ حَوَالَيْ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا… وَيُوجَدُ الغُجَرُ أَيْضًا فِي بَقِيَّةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ، مُتَفَرِّقِينَ مَجْمُوعَاتٍ أَوْ قَبَائِلَ بِأَسَامِي كَثِيرَةٍ وَأَعْدَادٍ لَيْسَتْ كَبِيرَةً، مِثْلَ دَوْلَةِ الأُرْدُنِّ، وَدَوْلَةِ سُورِيَا، وَدَوْلَةِ إِسْرَائِيلَ العَرَبِيَّةِ، وَدَوْلَةِ فِلَسْطِينَ العَرَبِيَّةِ… يُوجَدُ أَيْضًا مَجْمُوعَةٌ فِي إِيرَانَ.
وَفِي أُورُوبَّا أَيْضًا اِنْتَشَرَ الغُجَرُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ… وَالوِلَايَاتُ المُتَّحِدَةُ الأَمْرِيكِيَّةُ… وَبِالطَّبْعِ فِي دَوْلَةِ الهِنْدِ، وَالَّتِي يَرْجِعُ الكَثِيرُونَ أَصْلَ نَشْأَةِ الغُجَرِ لِلْهِنْدِ، وَأَنَّ كُلَّ الغُجَرِ فِي العَالَمِ مِن أَصْلٍ هِنْدِيٍّ.
وَهُنَاكَ مَنْ يَرْجِعُ أَصْلَ نَشْأَتِهِمْ إِلَى مِصْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّ كُلَّ الغُجَرِ المُوجُودِينَ فِي العَالَمِ مِصْرِيُّونَ.
لَكِنْ كُلُّ هَذِهِ الإِحْصَائِيَّاتِ وَالتَّوَارِيخِ وَالأَمَاكِنِ وَالأَعْدَادِ… حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ مُهِمَّةً فَهِيَ لَيْسَتْ مُهِمَّةً لِلغُجَرِ أَنْفُسِهِمْ…
يَنْظُرُ بَشَّارُ إِلَى مَرْيَمَ الَّتِي كَانَتْ تَسْمَعُ بِاِنْصَاتٍ وَتَرْكِيزٍ، قَائِلًا:
بَشَّارٌ مُبْتَسِمًا:
– أَرْبَكْتُكِ بِحَدِيثِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
مَرْيَمُ:
– لَا، أَنَا سَعِيدَةٌ بِالاسْتِمَاعِ إِلَى حَدِيثِكَ الْمُثْرِي بِالمَعْلُومَاتِ الهَامَّةِ وَأُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ أَكْثَرَ عَنِ الغُجَرِ.
بَشَّارُ:
– مَا يَهُمُّ الغُجَرَ بِالفِعْلِ أَنْ يَعِيشُوا حَيَاتَهُمْ فِي حُرِّيَّةٍ مِثْلَ مَا يُرِيدُونَ، دُونَ أَنْ يَمْنَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ مُمارَسَةِ هِوَايَتِهِمْ فِي سَلَامٍ، وَيَظَلُّونَ مُحَافِظِينَ عَلَى التَّقَالِيدِ وَالعَادَاتِ وَالأَرْثِ الثَّقَافِيِّ الكَبِيرِ الَّذِي رُبَّمَا يَفْتَقِدُهُ بَعْضُ الشُّعُوبِ الأُخْرَى.
رَغْمَ كُلِّ المَعَانَاةِ وَالتَّحَدِّيَاتِ الكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُوَاجِهُ الغُجَرَ عَلَى مَرِّ العُصُورِ فِي التَّارِيخِ وَلَا امْتِلَاكِهِمْ مَوْطِنًا أَصْلِيًّا مِثْلَ بَاقِي البَشَرِ،
إِلَّا أَنَّهُمْ حَافَظُوا عَلَى ثَقَافَتِهِمْ وَتَارِيخِهِمْ حِينَ شَعُوبٌ أُخْرَى لَمْ تَسْتَطِعِ الحِفَاظَ عَلَى هُوِيَّتِهَا.
لَا أَقْصِدُ أَنْ أَكُونَ مُتَحَيِّزًا لِلغُجَرِ أَوْ أَنْ أَرَاهُمْ أَفْضَلَ شُعُوبِ الأَرْضِ… لَا. الغُجَرُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ كَانَ الشُّعُوبُ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ يَسَمُّونَهُمْ الوُحُوشَ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى قُدْرَتِهِمْ عَلَى السَّرِقَةِ بِالإِكْرَاهِ وَالنَّهْبِ وَالاِحْتِيَالِ، وَكَانَ الدَّافِعُ وَرَاءَ كُلِّ هَذِهِ الجَرَائِمِ الَّتِي اِرْتَكَبَهَا الغُجَرُ وَاحِدًا، هُوَ إِحْسَاسُهُمْ بِالظُّلْمِ وَالاِضْطِهَادِ مِنْ كُلِّ مُعْظَمِ النَّاسِ، بِسَبَبِ لَوْنِهِمْ الأَسْوَدِ أَحْيَانًا، مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ البِيضُ الكَثِيرُ، لَكِنَّهُمْ أَيْضًا كَانُوا يُتَعَرَّضُونَ لِلِاضْطِهَادِ لَوْ أَفْصَحُوا عَنْ هُوِيَّتِهِمْ الغُجَرِيَّةِ.
وَصَلَ اِضْطِهَادُ الغُجَرِ إِلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ العُنْصُرِيَّةِ، أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ رُوسْيَا فِي حَقَبَةٍ مِنَ الزَّمَانِ أَصْدَرَ قَرَارًا بِقَتْلِ أَيِّ غُجْرِيٍّ يَتَجَاوَزُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَهَذَا القَرَارُ يُعَبِّرُ بِوُضُوحٍ عَنْ قِمَّةِ الكَرَاهِيَةِ لِلغُجَرِ.
مَرْيَمُ:
– لِهَذَا الكَمِّ كَانَ الغُجَرُ مَكْرُوهِينَ فِي رُوسْيَا.
بَشَّارُ:
– لَيْسَتْ رُوسْيَا فَقَطْ، بَلِ العَالَمُ كُلُّهُ.
مَرْيَمُ:
– السُّؤَالُ الَّذِي فُرِضَ نَفْسُهُ عَلَيَّ الآنَ هُوَ: هَلِ الغُجَرُ مِصْرِيُّونَ الأَصْلِ أَمْ هُنُودٌ؟
بَشَّارُ:
– كَوْنُ الغُجَرِ مِنْ أَصْلٍ مِصْرِيٍّ أَوْ هِنْدِيٍّ، لَا يَهُمُّ الغُجَرِيَّ… هُنَاكَ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ وَبَاحِثُونَ فِي تَارِيخِ الغُجَرِ تَحَدَّثُوا عَنْ هَذَا المَوْضُوعِ، لَكِنْ هَذَا لَا يَعْنِينِي كَغُجَرِي. أَنَا كَغُجَرِي لِي هُوِيَّةٌ خَاصَّةٌ وَمُعْتَقَدٌ وَرِثْتُهُ عَنْ جُدُودِي وَأَرَى أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ مَلَكِي، وَلِي الحَقُّ أَنْ أَسْكُنَ أَيَّ مَكَانٍ فِي العَالَمِ، وَأَجْدَادِي الغُجَرُ فَعَلُوا ذَلِكَ وَوَصَلُوا إِلَى كُلِّ مَكَانٍ فِي العَالَمِ رَغْمَ كُلِّ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي وَاجَهُوهَا.
مَرْيَمُ:
– لَكِنِّي سَمِعْتُ عَنْ أَحَدِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ الغُجَرِ مُلْحِدُونَ وَلَا يَعْتَنِقُونَ أَيَّ دِينٍ.
بَشَّارُ:
– الغُجَرُ لَيْسُوا مُلْحِدِينَ، مِثْلُهُمْ مِثْلَ بَاقِي البَشَرِ، اِعْتَنَقُوا الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةَ، مِنْهُمْ المُسْلِمُونَ وَالأَقْبَاطُ وَاليَهُودُ، كَمَا اِعْتَنَقُوا أَيْضًا بَعْضَ الدِّيَانَاتِ الوُضْعِيَّةِ.
لَكِنَّ الإِلْحَادَ شَيْءٌ وَحِيدٌ لَمْ يَفْعَلْهُ الغُجَرِيُّ وَبَرِيءٌ مِنْهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الغُجَرِ مَنْ لَا يَعْتَنِقُ دِينًا، فَهُوَ يُؤْمِنُ بِوُجُودِ اللهِ، أَمَّا المُلْحِدُ فَلَا يُؤْمِنُ بِوُجُودِ اللهِ مِنَ الأَصْلِ… وَحَتَّى وَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْنِهِمُ الغُجَرِيُّ المُلْحِدُ الَّذِي لَا أَعْلَمُهُ، فَهَذَا لَيْسَ دَافِعًا لِاِضْطِهَادِهِمْ، فَلِكُلِّ إِنْسَانٍ الحَقُّ فِي اِخْتِيَارِ الدِّينِ الَّذِي يَعْتَنِقُهُ وَيَقْتَنِعُ بِهِ.
مَرْيَمُ:
– إِذًا الغُجَرُ شَعْبٌ قَدِيمٌ وَلَهُ حَضَارَةٌ وَمُوجُودٌ مُنْذُ أَوَّلِ الشُّعُوبِ.
بَشَّارُ:
– بِالطَّبْعِ يَا مَرْيَمُ، الغُجَرُ مِنْ أَقْدَمِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ كَانُوا يَعِيشُونَ بِأَقَلِّ الإِمْكَانِيَّاتِ. أَهَمُّ شَيْءٍ عِنْدَ الغُجَرِيِّ قَدِيمًا أَنْ يَمْتَلِكَ خَيْمَةً يَعِيشُ فِيهَا، كَانَتِ الخَيْمَةُ قَدْ تَكُونُ مُكَوَّنَةً مِنْ ثَلَاثِ غُرَفٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ عَلَى حَسَبِ عَدَدِ زَوْجَاتِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَبَعْضِ الأَوَانِي وَالفِرَاشِ البَسِيطِ الَّذِي يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى الحَيَاةِ، لِأَنَّ الغُجَرِيَّ القَدِيمَ كَانَ زَاهِدًا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ يُفَضِّلُ الحَيَاةَ بِأَقَلِّ الأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَنَقَّلُ كَثِيرًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَا يَمْتَلِكُ مَكَانًا مُحَدَّدًا يَسْكُنُ بِهِ، وَبِسَبَبِ حَالَاتِ التَّهْجِيرِ الَّتِي كَانُوا يُتَعَرَّضُونَ لَهَا بِاسْتِمْرَارٍ.
مَرْيَمُ:
– لَكِنْ كَيْفَ كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الصَّعْبَةِ؟