فِي بَيْتِ طُعْمَةَ وَالغَرِيبِ
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، كَانَتْ يِتْمَاسُ، هَذِهِ المَرْأَةُ المُنَجِّمَةُ الَّتِي يَثِقُ بِهَا كُلُّ الغَجَرِ فِي التَّنَبُّؤِ بِالمُسْتَقْبَلِ، تَجْلِسُ عَلَى الأَرِيكَةِ فِي مَنْزِلِ طُعْمَةَ وَالغَرِيبِ، وَتَجْلِسُ جِوَارَهَا طُعْمَةُ.
كَانَتْ يِتْمَاسُ فِي مُطْلَعِ الثَّلَاثِينَ، جَمِيلَةً، وَلَكِنَّ جَمَالَهَا غَامِضٌ...
جَمَالٌ لَا يُرِيحُ العَيْنَ، بَلْ يُثِيرُ القَلَقَ أَكْثَرَ مِمَّا يُثِيرُ الإِعْجَابَ.
بَشَرَتُهَا فَاتِحَةٌ عَلَى غَيْرِ عَادَةِ الغَجَرِ، كَأَنَّ القَمَرَ تَرَكَ عَلَيْهَا أَثَرَهُ.
وَعَيْنَاهَا سَوْدَاوَانِ عَمِيقَتَانِ، ثَابِتَتَانِ، تَشُعَّانِ بِبُرُودٍ مُرْعِبٍ، كَأَنَّهُمَا تَعْرِفَانِ عَنْكَ أَشْيَاءَ لَمْ تَعْتَرِفْ بِهَا حَتَّى لِنَفْسِكَ.
شَعْرُهَا طَوِيلٌ، أَسْوَدُ كَثِيفٌ، تَتْرُكُهُ مُنْسَدِلًا عَلَى كَتِفَيْهَا، وَتَرْبِطُهُ بِخُيُوطٍ مُلَوَّنَةٍ وَتَمَائِمَ صَغِيرَةٍ تُصْدِرُ هَمْسًا خَفِيفًا مَعَ كُلِّ حَرَكَةٍ، كَأَنَّ الأَرْوَاحَ تَمْشِي مَعَهَا.
شِفَاهُهَا رَفِيعَةٌ، لَا تَبْتَسِمُ كَثِيرًا، وَإِنِ ابْتَسَمَتْ كَانَ فِي ابْتِسَامَتِهَا شَيْءٌ نَاقِصٌ...
شَيْءٌ يُوحِي بِأَنَّ الشَّرَّ يُرَاقِبُ مِنْ خَلْفِهَا.
تَرْتَدِي دَائِمًا مَلَابِسَ دَاكِنَةً، أَقْمِشَةً ثَقِيلَةً تَلْتَصِقُ بِجَسَدِهَا، مُزَيَّنَةً بِنُقُوشٍ قَدِيمَةٍ وَرُمُوزٍ غَجَرِيَّةٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا إِلَّا القَلِيلُ.
فِي عُنُقِهَا قَلَائِدُ مِنْ عِظَامٍ صَغِيرَةٍ وَأَحْجَارٍ غَرِيبَةٍ، وَفِي يَدَيْهَا خَوَاتِمُ فِضِّيَّةٌ ضَخْمَةٌ، كَأَنَّهَا قُيُودٌ وَلَيْسَتْ زِينَةً.
طُقُوسُهَا
حِينَ تَجْلِسُ لِلتَّنَبُّؤِ، يَسُودُ الصَّمْتُ...
طُقُوسُهَا فِي التَّنَبُّؤِ تَخْتَلِفُ فِي اللَّيْلِ عَنِ النَّهَارِ:
فِي اللَّيْلِ، تُشْعِلُ الشُّمُوعَ بِبُطْءٍ، وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَتُبَخِّرُ المَكَانَ بِأَعْشَابٍ نَافِذَةِ الرَّائِحَةِ، تُدَوِّخُ العُقُولَ وَتُرْبِكُ الأَنْفَاسَ.
صَوْتُهَا مُنْخَفِضٌ، مُبَحْبَحٌ قَلِيلًا، لَكِنَّهُ نَافِذٌ...
يَتَسَلَّلُ تَحْتَ الجِلْدِ وَيَسْتَقِرُّ فِي الصَّدْرِ.
لَا تَتَكَلَّمُ كَثِيرًا، تَخْتَارُ كَلِمَاتِهَا بِعِنَايَةٍ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ تَنْطِقُ بِهَا تَبْدُو كَأَنَّهَا حُكْمٌ لَا رُجْعَةَ فِيهِ.
أَمَّا فِي النَّهَارِ، فَتَضَعُ أَمَامَهَا كُرَةً بُلُّورِيَّةً مُلَوَّنَةً، وَتَحْدِقُ فِيهَا كَأَنَّهَا تَرَى مَصَائِرَ البَشَرِ.
يِتْمَاسُ لَا تَرَى المُسْتَقْبَلَ فَقَطْ... بَلْ تَزْرَعُهُ.
تَخْلِطُ التَّنَبُّؤَ بِالتَّحْرِيضِ، وَالكَلِمَاتِ بِالسُّمِّ، وَتَعْرِفُ كَيْفَ تُخْرِجُ أَسْوَأَ مَا فِي النُّفُوسِ.
الغَجَرُ يَخْشَوْنَهَا وَلَا يَثِقُونَ بِهَا...
لَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الاسْتِغْنَاءَ عَنْهَا.
يَقُولُونَ إِنَّهَا لَا تَكْذِبُ...
لَكِنَّهَا لَا تَقُولُ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً أَبَدًا.
وَأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهَا مُطْمَئِنًّا...
خَرَجَ وَهُوَ يَحْمِلُ دَاخِلَهُ بَذْرَةَ هَلَاكٍ.
يِتْمَاسُ لَيْسَتْ عَرَّافَةً فَحَسْبُ...
إِنَّهَا بَابٌ...
وَمَنْ يَفْتَحْهُ... لَا يَعُودُ كَمَا كَانَ.
قَالَتْ وَهِيَ تَجْلِسُ جِوَارَ طُعْمَةَ وَمِنْ أَمَامِهِمْ طَاوِلَةٌ تَحْمِلُ كُرَةَ قِرَاءَةِ المَصِيرِ:
: سَتُنْجِبِينَ البَنَاتِ فَقَطْ وَحَيَاتُكِ الجَدِيدَةُ سَعِيدَةٌ وَكُلُّهَا فَرَحَةٌ وَمَرَحٌ.
قَالَتْ طُعْمَةُ: الغَرِيبُ عِنْدَمَا يَعْرِفُ سَيَفْرَحُ.
خَرَجَ الغَرِيبُ مِنْ غُرْفَتِهِ، نَظَرَ إِلَى يِتْمَاسَ وَبَدَا عَلَيْهِ القَلَقُ.
قَالَتْ طُعْمَةُ بِفَرَحَةٍ مُبْتَسِمَةً: سَنُنْجِبُ الإِنَاثَ يَا الغَرِيبُ.
وَقَفَتْ هَلَا وَمَرْيَمُ أَمَامَ بَابِ بَيْتِ طُعْمَةَ وَالغَرِيبِ يَقْرَعُونَ البَابَ.
اتَّجَهَ الغَرِيبُ إِلَى البَابِ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، فَتَحَ البَابَ.
هَلَا: كَيْفَ حَالُكَ يَا الغَرِيبُ؟
الغَرِيبُ: مَرْحَبًا يَا عَمَّةُ.
مَرْيَمُ: مَبْرُوكٌ يَا أُسْتَاذَ الغَرِيبُ.
الغَرِيبُ: تَفَضَّلُوا.
تَدْخُلُ مَرْيَمُ وَهَلَا...
يُغْلِقُ الغَرِيبُ بَابَ الشَّقَّةِ... وَيَدْخُلُ إِلَى غُرْفَتِهِ...
هَلَا تَنْظُرُ إِلَى مَرْيَمَ وَتَقُولُ: اجْلِسِي يَا مَرْيَمُ.
مَرْيَمُ وَهَلَا يَجْلِسَانِ عَلَى الأَرِيكَةِ فِي مُوَاجَهَةِ طُعْمَةَ وَيِتْمَاسَ، يَسْمَعَانِ كَلَامَ قَارِئَةِ المَصِيرِ يِتْمَاسَ... الَّتِي تَنْظُرُ إِلَى الكُرَةِ وَتَقُولُ تَنَبُّؤَاتِهَا بِالمُسْتَقْبَلِ لِطُعْمَةَ.
يِتْمَاسُ: زَوْجُكِ يُحِبُّكِ، لَكِنَّ أَنْتِ لَمْ تَكُونِي تُرِيدِيهِ، كُنْتِ تُرِيدِينَ رَجُلًا غَيْرَهُ، وَرَضِيتِ بِهِ خَوْفًا مِنْ أَبِيكِ بَشَّارَ.
طُعْمَةُ: كِفَايَةٌ يَا يِتْمَاسُ!
تَنْهَضُ طُعْمَةُ وَتَتَّجِهُ إِلَى هَلَا وَمَرْيَمَ، تَنْهَضُ هَلَا وَمَرْيَمُ، تُصَافِحُ طُعْمَةُ وَتَحْتَضِنُهَا، تُقَبِّلُهَا هَلَا، تُصَافِحُ طُعْمَةُ مَرْيَمَ وَتُقَبِّلُهَا.
طُعْمَةُ: كَيْفَ حَالُكِ يَا مَرْيَمُ؟
مَرْيَمُ: أَشْعُرُ بِالفَرَحَةِ مِنْ أَجْلِكِ، وَأُعْجِبُ بِهَذَا الزِّيِّ الغَجَرِيِّ الزَّاهِي، يَبْدُو رَائِعًا.
كَانَتْ يِتْمَاسُ تَجْلِسُ تُحَدِّقُ إِلَى مَرْيَمَ وَكَأَنَّهَا تَقْرَأُ شَيْئًا لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهَا أَحَدٌ، تُقَاطِعُ كَلَامَ مَرْيَمَ وَطُعْمَةَ فَجْأَةً قَائِلَةً:
يِتْمَاسُ: تَعَالِي يَا دُكْتُورَةُ، أَقْرَأُ لَكِ النَّجْمَ.
مَرْيَمُ: أَنَا لَسْتُ دُكْتُورَةً.
طُعْمَةُ تَلْتَفِتُ وَتَنْظُرُ إِلَى يِتْمَاسَ قَائِلَةً:
أَخِي بَاسِلُ هُوَ الدُّكْتُورُ... هَلِ انْحَرَفَ تَفْكِيرُكِ يَا يِتْمَاسُ؟ يَبْدُو كَأَنَّكِ تُعَانِينَ الخَرَفَ...
مَرْيَمُ زَوْجَةُ أَخِي بَاسِلَ مُهَنْدِسَةٌ.
يِتْمَاسُ: تَعَالِي يَا مُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ، أَقْرَأُ لَكِ النَّجْمَ.
مَرْيَمُ تَهْمِسُ إِلَى طُعْمَةَ: مَنْ هَذِهِ المَرْأَةُ يَا طُعْمَةُ؟ تَبْدُو مُرِيبَةً.
طُعْمَةُ: هَذِهِ هِيَ العَرَّافَةُ يِتْمَاسُ، أَشْهَرُ مَنْ تَقْرَأُ النُّجُومَ وَتَرَى المُسْتَقْبَلَ وَتُقَرِّرُ المَصَائِرَ لِلغَجَرِ.
تَنْظُرُ مَرْيَمُ إِلَى يِتْمَاسَ قَائِلَةً: لَا أُرِيدُ... لَا أَقْتَنِعُ بِقِرَاءَةِ النُّجُومِ، شُكْرًا لَكِ يَا يِتْمَاسُ.
التَفَتَتْ هَلَا إِلَى مَرْيَمَ قَائِلَةً: اجْعَلِيهَا تَرَى لَكِ المُسْتَقْبَلَ وَتُطَمْئِنُكِ، هَيَّا اجْلِسِي جِوَارَهَا، لَا تَخَافِي.
يِتْمَاسُ: تَعَالِي يَا مُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ، يَبْدُو أَنَّكِ تَخَافِينَ مِنِّي.
مَرْيَمُ: لَا، أَنَا لَا أَخَافُ مِنْكِ، فَتَبْدِينَ جَمِيلَةً وَمُطْمَئِنَّةً.
تَجْلِسُ مَرْيَمُ عَلَى الأَرِيكَةِ جِوَارَ يِتْمَاسَ.
يِتْمَاسُ: اجْلِسِي نَفْسَ جَلْسَتِي يَا مُهَنْدِسَةُ مَرْيَمُ.
جَلَسَتْ مَرْيَمُ جَلْسَةَ التَّرَبُّعِ، عَلَى الهَيْئَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَجْلِسُ بِهَا يِتْمَاسُ، وَثَنَتْ قَدَمَيْهَا مُتَقَاطِعَتَيْنِ تَحْتَ جَسَدِهَا.
يِتْمَاسُ: أَعْطِينِي يَدَكِ اليُسْرَى.
يِتْمَاسُ تُمْسِكُ يَدَ مَرْيَمَ اليُسْرَى وَتَضَعُهَا عَلَى قَدَمِ يِتْمَاسَ اليُسْرَى.
يِتْمَاسُ: أَعْطِينِي اليَدَ اليُمْنَى.
يِتْمَاسُ تُمْسِكُ اليَدَ اليُمْنَى وَتَضَعُهَا عَلَى قَدَمِ يِتْمَاسَ اليُمْنَى.
يِتْمَاسُ: انْظُرِي إِلَى عَيْنَيَّ.
مَرْيَمُ تَنْظُرُ إِلَى عَيْنِ يِتْمَاسَ...
يِتْمَاسُ تَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى يَدِ مَرْيَمَ.
يِتْمَاسُ: مُنْذُ صِغَرِكِ وَأَنْتِ تَعِيشِينَ حَيَاةً سَعِيدَةً، مَلْؤُهَا الرَّاحَةُ وَاللَّعِبُ، وَكَانَتْ أُمُّكِ تُشْبِهُكِ كَثِيرًا...
أَبُوكِ يُحِبُّكِ حُبًّا عَظِيمًا، وَزَوْجُكِ كَذَلِكَ يَكِنُّ لَكِ الحُبَّ ذَاتَهُ...
لَمْ تَعْرِفِي فِي حَيَاتِكِ مُشْكِلَاتٍ حَقِيقِيَّةً، وَكُلُّ مَا مَضَى مِنْ عُمْرِكِ كَانَ خَيْرًا، وَكُنْتِ رَاضِيَةً عَنْهُ...
لَا تَخْشَيْنَ الغَدَ، وَلَا تَخَافِينَ المُسْتَقْبَلَ...
لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَخَافِي...
وَأَنْ تَخَافِي كَثِيرًا...
لِأَنَّ مَا مَضَى شَيْءٌ، وَمَا هُوَ آتٍ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا...
القَادِمُ إِلَيْكِ لَنْ يُرْضِيَكِ كُلَّهُ، وَفِيهِ شَرٌّ عَظِيمٌ...
شَرٌّ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَحَدٌ أَنْ يَدْرَأَهُ عَنْكِ...
وَلَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ...
لَا أَبُوكِ، وَلَا زَوْجُكِ...
لِأَنَّ مَا يَنْتَظِرُكِ آتٍ مِنْ فَوْقَ... الكَوَاكِبُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمْسُ...
غَاضِبَةٌ عَلَيْكِ جَمِيعُهُمْ...
هُنَاكَ أَمْرٌ مَا... سِرٌّ تُخْفِينَهُ عَنِ الجَمِيعِ...
وَهَذَا السِّرُّ لَا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ...
حَتَّى تَرْضَى الكَوَاكِبُ عَنْكِ...
وَتُكْمِلِي مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِكِ...
كَمَا مَضَى سَابِقًا...
فِي خَيْرٍ وَسَعَادَةٍ.
مريم:
إِنْ كُنْتِ تَقْصِدِينَ إِخافَتِي بِهٰذا الكلامِ، فَأَنا لا أَخافُ.
يِتْماس:
الطَّالِعُ لا يَعْرِفُ الكَذِبَ.
أَنا أَقْرَأُ ما كُتِبَ في كَفَّيْكِ، وفي عَيْنَيْكِ،
وَهُوَ مَرْسومٌ على جَبِينِكِ كَما يُرْسَمُ خَتْمُ القَدَرِ…
وغَدًا سَتَرَيْنَ…
تَنْهَضُ مَرْيَمُ تَارِكَةً الأَرِيكَةَ بِغَضَبٍ، وَيَبْدُو عَلَيْهَا القَلَقُ وَالخَوْفُ…
ثُمَّ تَتَمَاسَكُ سَرِيعًا، وَتُحاوِلُ تَغْيِيرَ مَجْرَى الحَدِيثِ.
تَنْظُرُ إِلى طُعْمَةَ، وَتُشِيرُ بِيَدِهَا إِلى رُسُومِ الوَشْمِ على جَسَدِهَا قَائِلَةً:
مريم:
أُرِيدُ وَشْمًا كَهٰذا يا طُعْمَةُ.
طُعْمَة:
سَأُرْسِلُ إِلى رَاسِمَةِ الوَشْمِ، فَتَأْتِي إِلى هُنا.
مريم:
أُرِيدُ أَنْ تَفْعَلِي لِي كُلَّ ما تَفْعَلُهُ نِساءُ الغَجَرِ.
هَلا:
إِذا فَعَلْتِ، سَأُحِبُّكِ أَكْثَر…
أُحِبُّ أَنْ أَراكِ تُشْبِهِينَنا.
تَقْهَقَهُ طُعْمَةُ وَهَلا وَمَرْيَمُ،
وَيِتْماسُ تُراقِبُ مَرْيَمَ بِعَيْنَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ، ثُمَّ تَقُولُ فَجْأَةً، كاسِرَةً صَوْتَ الضَّحِكِ:
يِتْماس:
اِفْرَحِي يَوْمَيْنِ… قَبْلَ فَوَاتِ الأَوانِ.
يَبْدُو عَلَى مَرْيَمَ القَلَقُ مِنْ جَدِيدٍ، فَتَلْتَفِتُ إِلى يِتْماسَ وَتَقُولُ:
مريم:
ماذا أَفْعَلُ مَعَكِ يا يِتْماس؟
ماذا تُرِيدِينَ مِنِّي؟!
تَلْتَفِتُ هَلا إِلى يِتْماسَ قَائِلَةً:
هَلا:
يِتْماسُ، اِصْمُتِي قَلِيلًا!
طُعْمَة:
تَعالِي يا مَرْيَمُ…
تَدْخُلُ مَرْيَمُ وَهَلا وَطُعْمَةُ إِلى الغُرْفَةِ، تَارِكَاتٍ العَرَّافَةَ يِتْماسَ جَالِسَةً عَلَى الأَرِيكَةِ، تُحَدِّقُ إِلى مَرْيَمَ بِعُيُونٍ ثَابِتَةٍ وَنَظْرَةٍ حَادَّةٍ.
كانَتْ يِتْماسُ تَرْبِطُهَا عَلاقَةٌ جَيِّدَةٌ بِكُلِّ الغَجَرِ،
وَلٰكِنَّ عَلاقَتَهَا بِبَشّارَ كانَتِ السِّرَّ الَّذِي تُخْفِيهِ عَنْهُمْ جَمِيعًا.
كانَتْ دَائِمًا تُظْهِرُ غَضَبَهَا عَلَيْهِ،
أَمَّا سِرًّا… فَكَانَتْ هُنَاكَ قِصَّةٌ كَبِيرَةٌ يُخْفِيهَا بَشّارُ عَنِ الجَمِيعِ،
سِرٌّ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَيِتْماسُ.
بَشّار وَيِتْماس
جَلَسَ بَشّارُ فِي مَنْزِلِ يِتْماسَ عَلَى الأَرِيكَةِ فِي مُواجَهَتِهَا،
وَكانَتْ هِيَ جَالِسَةً عَلَى كُرْسِيِّهَا.
كانَتِ الأَجْواءُ فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ المُظْلِمَةِ مُمْتَلِئَةً بِضَوْءِ الشُّمُوعِ الخَافِتِ،
وَدُخَانِ البَخُورِ المَمْزُوجِ بِرَائِحَةِ الأَعْشَابِ.
عَلَى طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ أَمامَها تَسْتَقِرُّ المِبْخَرَةُ وَالشُّمُوعُ.
كانَتْ تَحْدِّقُ يِتْماسُ بِلا كَلامٍ، كَأَنَّهَا تَرَى ما لا يَرَاهُ غَيْرُهَا.
رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلى بَشّارَ…
نَهَضَ بَشّارُ مِنْ جِلْسَتِهِ وَضَغَطَ زِرَّ الإِضَاءَةِ، ثُمَّ التَفَ إِلَيْهَا قَائِلًا:
بَشّار:
ماذا رَأَيْتِ يا يِتْماس؟ أَخْبِرِينِي!
جَلَسَ مُجَدَّدًا فِي مُواجَهَتِهَا.
يِتْماس:
لَقَدْ حَقَّقَتِ النُّجُومُ ما نُرِيدُ،
وَباسِلُ الآنَ يَشْعُرُ بِالقَلَقِ…
يُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي أُمِّهِ، وَفِيكَ، وَفِي الغَجَرِ.
بَشّار:
جَيِّدٌ يا يِتْماس…
وَلٰكِنْ هَلْ سَيَجْعَلُهُ ذٰلِكَ يَأْتِي إِلَى الغَجَرِ مِنْ جَدِيدٍ؟
يِتْماس:
باسِلُ الآنَ يَشْعُرُ بِضَعْفٍ يَجْعَلُهُ يُرِيدُ أَنْ يَرَى أُمَّهُ…
وَيَشْعُرُ بِقُوَّةٍ أَيْضًا، لِأَنَّهُ أَصْبَحَ طَبِيبًا كَبِيرًا وَحَقَّقَ ما أَرَادَهُ.
هُوَ لا يَخافُ مِنَ الغَجَرِ…
وَإِذا دَعَوْتَهُ إِلَى العُرْسِ سَيَأْتِي.
بَشّار:
وَلٰكِنْ كَيْفَ أَدْعُوهُ؟
أَنا لَمْ أَرَهُ مُنْذُ طُفُولَتِهِ…
يِتْماس:
باسِلُ طَبِيبٌ كَبِيرٌ، وَسَتَحْصُلُ عَلَى رَقْمِ هاتِفِهِ بِسُهُولَةٍ.
بَشّار (ساخرًا):
وَلِماذا لا تَأْتِينَ أَنْتِ بِالرَّقْمِ، إِذا كُنْتِ تَرَيْنَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ هُنا؟
يِتْماس:
يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَكْتُوبًا عَلَى وَرَقَةٍ أَوْ لَافِتَةٍ…
وَتَكُونُ جِوارِي، حِينَها سَأَرَاهُ.
بَشّار:
إِذًا… لَنْ يَتَزَوَّجَ الغَرِيبُ وَطُعْمَةُ
إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَأْتِي بِرَقْمِ باسِلَ.
يِتْماس:
سَتَحْصُلُ عَلَيْهِ…
وَلٰكِنْ أَيْنَ ما طَلَبْتُهُ مِنْكَ؟
نَهَضَ بَشّارُ، وَأَخْرَجَ مِنْ جُيُوبِهِ حُزَمَ النُّقُودِ، وَوَضَعَهَا أَمامَها عَلَى الطَّاوِلَةِ.
تَنَاوَلَتْهَا يِتْماسُ بِابْتِسامَةٍ.
بَشّار:
ماذا سَتَفْعَلِينَ بِكُلِّ هٰذِهِ النُّقُودِ يا يِتْماس؟
يِتْماس:
الذَّهَبُ يا بَشّار… أَشْتَرِي بِهِ الذَّهَبَ.
بَشّار (ضاحكًا):
إِذا جَمَعْنَا الذَّهَبَ الَّذِي تَشْتَرِينَهُ،
لَسَيَزِنُ ما يُضاهِي وَزْنَكِ!
قَهْقَهَ بَشّارُ، وَابْتَسَمَتْ يِتْماسُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ