رَاسِمَةُ الوَشْمِ مُورْغَانَا
مُورْغَانَا رَاسِمَةُ الوُشُومِ لِلغَجَرِ، تَمْتَلِكُ مُورْغَانَا حُضُورًا ثَابِتًا وَهَادِئًا مُهَيْبًا وَجَمِيلًا، فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينَاتِ مِنْ عُمُرِهَا، لَكِنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَتْرُكْ أَثَرَهُ عَلَيْهَا كَمَا يَفْعَلُ بِالآخَرِينَ، بَلْ تَرَكَهَا تَبْدُو جَمِيلَةً تُثِيرُ الإِعْجَابَ، كَأَنَّهَا عَقَدَتِ اتِّفَاقًا سِرِّيًّا مَعَ اللَّيْلِ. بَشَرَتُهَا شَاحِبَةٌ تَمِيلُ إِلَى السَّمَرَةِ الغَجَرِيَّةِ، كَأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ رَمَادِ نَارٍ قَدِيمَةٍ يُضِيفُ الدِّفْءَ إِلَى حُضُورِهَا. عَيْنَاهَا وَاسِعَتَانِ دَاكِنَتَانِ سَاحِرَتَانِ بِلَوْنِ أَسْوَدٍ يَحْمِلَانِ لَمَعَانًا قَوِيًّا؛ نَظْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا تَكْفِي لِتَزْرَعَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي القَلْبِ أَوِ الخَوْفَ إِنْ أَرَادَتْ أَنْ تُخِيفَكَ، وَنَظْرَةٌ أَطْوَلُ قَدْ تَكْشِفُ عَنْكَ أَسْرَارًا لَمْ تُقَلَّ قَطُّ. تَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَرَى وَجْهَكَ فَقَطْ، بَلْ تَرَى مَا دَاخِلَكَ، فَتَخْرُجُ رُسُومَاتُهَا عَلَى الجِلْدِ تُعَبِّرُ عَنْكَ، عَنْ شَيْءٍ كُنْتَ تُخْفِيهِ فِي دَاخِلِكَ.
شَعْرُهَا أَسْوَدُ كَثِيفٌ، طَوِيلٌ، غَالِبًا مَا تَتْرُكُهُ مُنْسَدِلًا بِلَا تَرْتِيبٍ، كَأَنَّهُ اِمْتِدَادٌ لِلظَّلَامِ الَّذِي يُحِيطُ بِهَا وَلَكِنَّهُ ظَلاَمٌ مُضِيءٌ. خُصَلَاتُهُ تَلْتَفُّ حَوْلَ كَتِفَيْهَا وَعُنُقِهَا فِي فَوْضَى مُحْسُوبَةٍ، فَوْضَى تُشْبِهُ حَيَاتَهَا، وَتُشْبِهُ عَالَمَ الغَجَرِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الاسْتِقْرَارَ، سَرِيعَ الأَحْدَاثِ وَسَرِيعَ التَّقَلُّبِ.
مَلَابِسُهَا دَاكِنَةٌ دَائِمًا؛ الأَسْوَدُ وَالبَنَفْسَجِيُّ القَاتِمُ يَسِيطِرَانِ عَلَى أَزْيَائِهَا. تَرْتَدِي أَثْوَابًا وَاسِعَةً تُخْفِي الجِسْمَ النَّحِيلَ بِقَدْرِ مَا تَلْمَحُ إِلَيْهِ، وَتُزَيِّنُ مَعَصِمَيْهَا وَأَصَابِعَهَا بِرُسُومَاتٍ وَأَسَاوِرَ وَخَوَاتِمَ فِضِّيَّةً مُحَفُورَةً بِرُمُوزٍ قَدِيمَةٍ، لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا إِلَّا القَلِيلُونَ.
عَلَى جِلْدِهَا وَشُومٌ غَجَرِيَّةٌ غَامِضَةٌ، خُطُوطٌ وَمُنْحَنَيَاتٌ تُشْبِهُ تَعَاوِيذَ صَامِتَةً أَوْ أَلْغَازًا لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَسْرَارٍ مُخْفِيَةٍ، كَأَنَّ جِسْمَهَا نَفْسَهُ كِتَابٌ مُحَرَّمٌ كُتِبَتْ صَفَحَاتُهُ بِتَجَارِبٍ وَمُغَامَرَاتٍ فِي عَالَمِ الغَجَرِ.
صَوْتُ مُورْغَانَا مُنْخَفِضٌ، هَادِئٌ، نَاعِمٌ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ نَبْرَةَ تَهْدِيدٍ غَيْرِ مُعْلَنَةٍ أَحْيَانًا. لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا أَبَدًا؛ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. كَلِمَاتُهَا قَلِيلَةٌ، مُخْتَارَةٌ بِعِنَايَةٍ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ تَنْطِقُهَا تَتْرُكُ أَثَرًا، كَرَسْمَةِ وَشْمٍ رَسَمَتْهَا عَلَى جِسْدِ أَحَدِ نِسَاءِ الغَجَرِ أَوْ رِجَالِهِمْ.
هِيَ شِرِّيرَةٌ… لَكِنْ لَيْسَ شَرًّا فَوْضَوِيًّا. شَرُّهَا ذَكِيٌّ، شَرٌّ يُحْمِيهَا مِنْ شَرِّ الغَجَرِ وَفَوْضَتِهِمْ. أُنْثَوِيَّةٌ صَبُورَةٌ تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَسَلَّلُ إِلَى النُّفُوسِ وَتَجْعَلُكَ تُحِبُّهَا وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا.
مُورْغَانَا تُؤْمِنُ أَنَّ العَالَمَ لَا يُدَارُ بِالقُوَّةِ، بَلِ بِالحُبِّ وَالكَرَاهِيَةِ، الشَّرِّ وَالخَيْرِ إِنِ احْتَاجَتْ لِذَلِكَ، وَهِيَ تُجِيدُ اللَّعِبَ عَلَى الاِثْنَيْنِ مَعًا.
قَدْ تَكُونُ رَسْمَتُهَا عَلَى جِلْدِكَ بَدَايَةَ شَرٍّ أَوْ بَدَايَةَ نَجَاةٍ مِنْ شَرٍّ.
مُورْغَانَا وَمَرْيَم وَطَعْمَة وَهِلَا فِي غُرْفَةِ طَعْمَة
كَانَتْ مُورْغَانَا تَقِفُ أَمَامَ مَرْيَمَ الَّتِي تَسْتَلْقِي أَمَامَهَا وَتَجْلِسُ هِلَا وَطَعْمَةُ عَلَى السَّرِيرِ يَتَهَامَسَانِ بِكَلِمَاتٍ لَا يَسْمَعُهَا سِوَاهُمَا. تَنَاوَلَتْ مُورْغَانَا مَحَالِيلَ التَّعْقِيمِ لِتَعْقِيمِ الجِلْدِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ فِي الرَّسْمِ، أَفْرَغَتْهُ عَلَى جِلْدِ مَرْيَمَ، تَنَاوَلَتْ مَرْهَمًا مُطَهِّرًا لِحِمَايَةِ الجِلْدِ وَوَضَعَتْهُ عَلَى جِلْدِ مَرْيَمَ.
كَانَ فِي جَوَارِهَا لَوْحَاتٌ صَغِيرَةٌ عَلَى وَرَقٍ أَبْيَضٍ، رُسُومَاتُ وَشْمٍ بِأَشْكَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ. تَنَاوَلَتْ وَرَقَةً تَحْمِلُ رَسْمًا وَوَضَعَتْهَا أَمَامَ عَيْنَيْ مَرْيَمَ، أَوْمَأَتْ مَرْيَمُ بِرَأْسِهَا مُوَافِقَةً.
تَنَاوَلَتْ مُورْغَانَا أَشْرِطَةً لَاصِقَةً لِتَثْبِيتِ الجِلْدِ أَثْنَاءَ عَمَلِيَّةِ الرَّسْمِ وَالصَقَتْهُ بِجِلْدِ مَرْيَمَ.
تَنَاوَلَتْ مُورْغَانَا قَلَمَ تَحْدِيدِ الرَّسْمِ عَلَى البَشَرَةِ وَبَدَأَتْ بِتَحْدِيدِ خُطُوطِ الرَّسْمِ عَلَى الجِلْدِ. كَانَتْ مَرْيَمُ يَبْدُو عَلَيْهَا السَّعَادَةُ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ تَرْتَسِمُ عَلَى مَلَامِحِهَا فِي اسْتِسْلَامٍ تَامٍّ لِلأَجْوَاءِ.
اِلْتَفَتَتْ مُورْغَانَا وَتَنَاوَلَتْ إِبْرَةَ الرَّسْمِ، وَبَدَأَتْ بِرَسْمِ الوَشْمِ الأَوَّلِ عَلَى جِسْدِ مَرْيَمَ، وَكَانَ الرَّسْمُ وَشْمًا غَجَرِيًّا تَقْلِيدِيًّا، خُطُوطٌ هَنْدَسِيَّةٌ وَأَشْكَالٌ رَمْزِيَّةٌ لِلْقَبِيلَةِ وَالعَائِلَةِ الغَجَرِيَّةِ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَيْهَا عَائِلَةُ بَاسِلَ زَوْجِهَا. كَانَتْ مُورْغَانَا تَرْسُمُ الوَشْمَ بِتَرْكِيزٍ وَدِقَّةٍ رَائِعَةٍ، كَأَنَّهَا بِيدِهَا إِبْرَةُ الوَشْمِ.
أَمَّا هِلَا وَطَعْمَةُ فَكَانَا يَتَبَادَلَانِ الحَدِيثَ بِهَمْسٍ، كَأَنَّهُم لَمْ يَتَحَدَّثُوا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. فِي غُرْفَةِ المَعِيشَةِ جَلَسُوا يَتَمَاسُونَ عَلَى الأَرِيكَةِ، قَالَ الغَرِيبُ وَهُوَ يُنْظُرُ إِلَى يَتْمَاسَ:
"يَجِبُ أَنْ تَرْحَلِي الآن، عَرَفْتُ أَنَّنَا سَنَنْجُبُ الأُنَاثَ فَقَطْ وَهَذِهِ بُشْرَى جَمِيلَةٌ."
لَمْ تَرُدْ يَتْمَاسُ عَلَى الغَرِيبِ، وَكَانَتْ تُحَدِّقُ بِالكُرَةِ البَلُّورِيَّةِ المُلَوَّنَةِ أَمَامَهَا بِقُوَّةٍ وَتَرْكِيزٍ.
قَالَ الغَرِيبُ: "إِذَا أَنْتِ تَرِينَ الآنَ، هَلْ سَأَنْجُبُ الذُّكُورَ أَمْ لَا؟ مِنْ فَضْلِكِ أَرِنِي ذَلِكَ، أُرِيدُ مَعْرِفَتَهُ أَيْضًا."
أَشَاحَتْ يَتْمَاسُ بِيَدِهَا إِلَى الغَرِيبِ فِي إِشَارَةٍ لَهُ بِالصَّمْتِ، وَوَاصَلَتْ تَحَدِّيقَهَا لِلْكُرَةِ البَلُّورِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَى فِيهَا رَاسِمَةَ الوَشْمِ مُورْغَانَا وَمَرْيَمَ تَسْتَلْقِي أَمَامَهَا.
فَجْأَةً تَحَرَّكَتْ إِحْدَى أَوْرَاقِ الرُّسُومِ بِجَوَارِ مُورْغَانَا، كَانَتْ رَسْمَةُ وَشْمِ النُّجُومِ وَالكَوَاكِبِ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ لِإِظْهَارِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالخُرَافَاتِ الغَجَرِيَّةِ، سَقَطَتِ الوَرَقَةُ أَرْضًا عَلَى سِجَّادِ الغُرْفَةِ. تَنَاوَلَتْهَا مُورْغَانَا وَوَضَعَتْهَا فَوْقَ أَوْرَاقِ الرُّسُومَاتِ، تَنَاوَلَتْ إِسْفَنْجَةً وَقُطْنًا وَنَظَّفَتِ الزُّيُوتَ وَالدِّمَاءَ الزَّائِدَةَ عَلَى الرَّسْمِ. تَنَاوَلَتِ الإِبْرَةَ مِنْ جَوَارِ الحِبْرِ، كَانَ الحِبْرُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِأَلْوَانِهِ الأَسْوَدِ الدَّاكِنِ وَالأَحْمَرِ وَالأَرْجُوَانِيِّ وَالأَلْوَانِ المَعْدِنِيَّةِ.
كَانَتْ بَلْدَةُ الغَجَرِ تَسْتَعِدُّ لِاسْتِقْبَالِ لَيْلٍ جَدِيدٍ، وَكَانَتْ مُورْغَانَا انْتَهَتْ مِنْ رَسْمِ الوُشُومِ عَلَى جِسْدِ مَرْيَمَ، رُسُومَاتٍ عَدِيدَةٍ، بَعْضُهَا بَرِيءٌ وَالآخَرُ يَحْمِلُ دَلَالَاتٍ وَأَسْرَارًا غَامِضَةً عَنْ الغَجَرِ. قَدْ يَكُونُ هَذَا اليَوْمُ يَوْمًا يُغَيِّرُ مَصِيرَ مَرْيَمَ بَعْدَ مُقَابَلَةِ يَتْمَاسَ وَمُورْغَانَا، وَبَدَا جِسْدُ مَرْيَمَ كَلَوْحَةٍ جِلْدِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ تَحْمِلُ الوُشُومَ.
وَشْمُ الغُمُوضِ: رُمُوزٌ لَا يَفْهَمُهَا سِوَى العَرَّافِينَ وَقُدَمَاءِ الغَجَرِ الَّذِينَ تَقَدَّمَهُمُ الزَّمَانُ.
وَشْمُ الزَّهْرَةِ: وَرْدَةٌ مُتَشَابِكَةٌ بِأَلْوَانٍ دَاكِنَةٍ تَبْرُزُ الأُنُوثَةَ المُظْلِمَةَ دَاخِلَ الرُّوحِ.
وَشْمٌ سِحْرِيٌّ: رُمُوزٌ وَشِفْرَاتٌ تُسْتَخْدَمُ لِأَغْرَاضِ الطَّاقَةِ الرُّوحِيَّةِ وَتَتَحَكَّمُ بِطَاقَةِ الإِنسَانِ، سَعِيدٍ كَانَ أَمْ حَزِينًا.
وَشْمُ الأُنْثَى الدَّاكِنَةِ: مُنْحَنَيَاتٌ طَوِيلَةٌ، خُطُوطٌ مُتَعَرِّجَةٌ عَلَى المَعْصَمِ وَالعُنُقِ وَالأَكْتَافِ، دَلَالَةٌ عَلَى الأُنْثَى الَّتِي تَحْمِلُ الأَسْرَارَ وَصَاحِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ الدَّاكِنَةِ.
وَشْمُ الدَّمِ الغَجَرِيِّ: بِاللَّوْنِ الأَحْمَرِ الغَامِقِ، رَمْزٌ لِلْوَلَاءِ العَائِلِيِّ وَدَلَالَةٌ عَلَى اِنْتِمَاءِ الدَّمِ إِلَى عَائِلَةٍ غَجَرِيَّةٍ.
وَشْمُ النُّجُومِ وَالكَوَاكِبِ: يُسْتَخْدَمُ لِإِظْهَارِ طَاقَاتِ البَشَرِ الرُّوحَانِيَّةِ وَيُسَاعِدُ صَاحِبَهُ عَلَى كَشْفِ الخُرَافَاتِ الغَجَرِيَّةِ وَحِمَايَتِهِ. هُوَ نَفْسُ الوَشْمِ المَرْسُومِ عَلَى جِسْدِ طَعْمَةَ أَيْضًا.
وَشْمُ العُيُونِ: عُيُونٌ كَبِيرَةٌ مُحَفُورَةٌ فِي الجِلْدِ لِحِمَايَةِ صَاحِبِهَا مِنْ عُيُونِ الحَسَّادِ وَقَمْعِ شَرِّ الأَشْرَارِ، وَهُوَ أَيْضًا نَفْسُ الوَشْمِ المَرْسُومِ عَلَى جِسْدِ طَعْمَةَ.
وَشْمُ الأَرْوَاحِ: أَشْكَالٌ وَجُوهٌ أَرْوَاحٍ مُخْفِيَّةٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ الغَجَرَ تُحَافِظُ عَلَيْهَا مِنْ شَرِّ الأَرْوَاحِ وَتُبْعِدُ الحَظَّ السَّيِّئَ.
وَوُشُومٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ جِدًّا فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الجِسْمِ، يَعْرِفُ مَعْنَاهَا وَيَقْرَأهَا فَقَطْ مَنْ يَعْرِفُ الأَسْرَارَ وَالاِتِّصَالَ بِالنُّجُومِ وَالأَرْوَاحِ.
وَشْمُ العُصْفُورِ الهَارِبِ مِنْ حِبْسِهِ عَلَى كَتِفِ مَرْيَمَ، فِي دَلَالَةٍ يَعْرِفُهَا يَتْمَاسُ وَمُورْغَانَا.
وَرَسْمَةُ المَرْأَةِ الَّتِي تَرَى بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَحَدِ زِرَاعَيْهَا.
بَدَا جِسْدُ مَرْيَمَ لَوْحَةً كَبِيرَةً تَحْمِلُ عَشَرَاتِ الرُّسُومَاتِ مِنَ الوُشُومِ المَنْقُوشَةِ بِيَدِ مُورْغَانَا الغَجَرِيَّةِ، بَعْضُهَا يَحْمِلُ الخَيْرَ وَالحِمَايَةَ وَالقُوَّةَ، وَبَعْضُهَا يَحْمِلُ الشَّرَّ، وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُ دَلَالَاتِ الرُّسُومَاتِ سِوَى يَتْمَاسَ وَمُورْغَانَا. لَمْ تَخْتَرِ مُورْغَانَا الرُّسُومَاتِ، اخْتَارَتْهَا مَرْيَمُ بِنَفْسِهَا، وَلَكِنْ لَمْ تَخْتَرْهَا مَرْيَمُ بِإِرَادَتِهَا، كَانَتْ يَتْمَاسُ تَتَحَكَّمُ مِنْ خَلْفِ الجُدْرَانِ فِي الاِخْتِيَارَاتِ.
وَقَفَتْ مَرْيَمُ أَمَامَ مُورْغَانَا، تَمْسَحُ مُورْغَانَا الدِّمَاءَ مِنْ جِسْدِ مَرْيَمَ بِقُطْنَةٍ صَغِيرَةٍ وَمُطَهِّرٍ وَتُزِيلُ زَوَائِدَ الرُّسُومَاتِ. بَدَتْ مَرْيَمُ كإِمْرَأَةٍ جَدِيدَةٍ غَجَرِيَّةِ الأَصْلِ، وَتَحَوَّلَتْ مَرْيَمُ مِنْ زَوْجَةِ بَاسِلَ إِلَى سِرٍّ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ الغَجَرِ.
كَانَتْ عَلاقَةُ يَتْمَاسَ وَبِشَارَ فِي السِّرِّ لَا يَعْلَمُ عَنْهَا أَحَدٌ شَيْئًا، حَتَّى زَوْجَةُ هِلَا، وَكَانَتْ لِقَاءَتُهُمَا فِي مَنْزِلِ يَتْمَاسَ تَتَوَالَى. كَانَتْ يَتْمَاسُ تُسَهِّلُ لِبِشَارَ مَا يُرِيدُهُ وَتَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِسُرْعَةٍ، وَكَانَ بِشَارٌ يُقَدِّمُ لَهَا الأَمْوَالَ وَلَا يَرْفُضُ لَهَا أَمْرًا. فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، فَتَحَتْ يَتْمَاسُ بَابَ مَنْزِلِهَا لِيَدْخُلَ بِشَارٌ مُتَخَفِّيًا، أَزَالَ بِشَارٌ اللِّفَافَةَ القُمْصَانِيَّةَ الصُّوفِيَّةَ الثَّقِيلَةَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَغْلَقَتْ يَتْمَاسُ البَابَ. جَلَسَ بِشَارٌ عَلَى الأَرِيكَةِ وَوَقَفَتْ يَتْمَاسُ أَمَامَهُ.
قَالَ بِشَارٌ: "هَلْ حَصَلْتِ عَلَى رَقْمِ بَاسِلَ؟"
اِسْتَدَارَتْ يَتْمَاسُ، أَعْطَتْ ظَهْرَهَا لِبِشَارٍ وَقَالَتْ: "حَصَلْتُ عَلَيْهِ."
نَهَضَ بِشَارٌ مُبْتَسِمًا وَفَرِحًا، اقْتَرَبَ مِنْ يَتْمَاسَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كَتِفِهَا وَقَالَ: "كَيْفَ حَصَلْتِ عَلَيْهِ؟"
قَالَتْ يَتْمَاسُ: "حَصَلْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا أَشْعَلْتُ لَكَ فِي الأَوْرَاقِ الَّتِي كُنْتَ تُرِيدُهَا فِي مَكْتَبِ الضَّابِطِ."
قَالَ بِشَارٌ: "أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ تَفْعَلِينَ كُلَّ هَذَا."
قَالَتْ يَتْمَاسُ: "هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَرَى بَاسِلَ؟"
قَالَ بِشَارٌ: "هَلْ تَسْتَطِيعِينَ فِعْلَ ذَلِكَ؟"
ضَحِكَتْ مُقَهْقَهًا، وَالْتَفَتَتْ إِلَى بِشَارٍ قَائِلَةً: "تَعَالَ خَلْفِي."
دَخَلَتْ يَتْمَاسُ إِلَى الغُرْفَةِ وَدَخَلَ خَلْفَهَا بِشَارٌ. جَلَسَتْ عَلَى الأَرِيكَةِ وَجَلَسَ جَوَارَهَا بِشَارٌ. أَدَارَتِ الكُرَةَ البَلُّورِيَّةَ بِيَدِهَا، اسْتَدَارَتِ الكُرَةُ بِسُرْعَةٍ، وَعِنْدَمَا وَقَفَتْ، نَظَرَتْ إِلَى بِشَارٍ وَقَالَتْ: "انْظُرْ هُنَا."
نَظَرَ بِشَارٌ إِلَى الكُرَةِ البَلُّورِيَّةِ، لِيَرَى فِيهَا بَاسِلَ ابْنَهُ يَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبَةٍ فِي عِيَادَتِهِ الخَاصَّةِ.
قَالَتْ يَتْمَاسُ: "هَلْ تَرَى؟ هَذَا بَاسِلُ ابْنُكَ."
قَالَ بِشَارٌ: "هَذَا بَاسِلُ ابْنِي، ابْنُ الغَجَرِ. لَا أُصَدِّقُ تَغَيُّرَهُ تَمَامًا."
قَالَتْ يَتْمَاسُ: "لَمْ تَرَهُ مُنْذُ الصِّبْيِ. يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ. هَلْ تَشُكُّ أَنِّي أَكْذِبُ عَلَيْكَ؟"
قَالَ بِشَارٌ وَهُوَ يُحَدِّقُ إِلَى الكُرَةِ البَلُّورِيَّةِ: "لَا، أَنَا لَا أَثِقُ بِأَحَدٍ فِي العَالَمِ سِوَاكِ يَا يَتْمَاسُ."
نَهَضَ دُكْتُورُ بَاسِلٍ وَتَنَاوَلَ حَقِيبَتَهُ وَأَطْفَأَ إِضَاءةَ غُرْفَةِ المَكْتَبِ وَخَرَجَ مِنَ الغُرْفَةِ وَأَغْلَقَ البَابَ.
تَنَاوَلَتْ يَتْمَاسُ وَرَقَةً بَيْضَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا رَقْمُ هَاتِفِ بَاسِلَ، نَاوَلَتْهَا إِلَى بِشَارٍ وَقَالَتْ: "هَذَا هُوَ الرَّقْمُ، رَأَيْتُهُ مَكْتُوبًا عَلَى كُرْتِهِ الشَّخْصِيَّةِ المَوْضُوعَةِ أَمَامَهُ عَلَى المَكْتَبِ."
تَنَاوَلَ بِشَارٌ الوَرَقَةَ وَنَظَرَ بِهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى يَتْمَاسَ مُبْتَسِمًا، وَبَدَتْ عَلَيْهِ الفَرْحَةُ. أَشَارَتْ لَهُ يَتْمَاسُ بِأُصْبُعِهَا إِلَى خَدِّهَا، اقْتَرَبَ مِنْهَا بِشَارٌ وَقَبَّلَهَا فِي خَدِّهَا