سيرك الغجر… وابتسامة الخطر_ضحكات مريم… وندوب باسل_الدنيا مسرح… والغجر ممثلون_يد الأم التي أنقذت باسل

907 Words
جَلَسَ باسل وَمَرْيَمُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ مَنْحُوتٍ بِأَنْماطٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، مَغْمُورَةٍ فِي أَصْواتِ الطُّبُولِ وَالدُّفِّ. فَجْأَةً، خَفَّتِ المُوسِيقَى، وَارْتَفَعَتْ هُتافاتُ الغَجَرِ تَحَسُّبًا لِلأَداءِ الكَبِيرِ. اِنْطَفَأَتِ الأَضْواءُ المُتَناثِرَةُ، ثُمَّ أَضاءَتْ دائِرَةٌ كَبِيرَةٌ فِي مَرْكَزِ الاِحْتِفالِ. ظَهَرَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الفَنّانِينَ الغَجَرِ الشَّبابِ، يَرْتَدُونَ أَزْياءً لامِعَةً، يَقِفُونَ فِي قَلْبِ الدّائِرَةِ مِثْلَ الأَبْطالِ عَلَى المَسْرَحِ العالَمِيِّ. وَقَفَزَ أَحَدُهُمْ فِي الهَواءِ، وَيَدُورُ دَوَرانًا كامِلًا، وَيَهْبِطُ لِالْتِقاطِ الأَنْفاسِ. اِنْدَلَعَ الهُتافُ. وَسارَ آخَرُ عَبْرَ حَبْلٍ مُعَلَّقٍ بَيْنَ أَعْمِدَةٍ خَشَبِيَّةٍ، يُوازِنُ بِخِفَّةٍ مِثْلَ الفَراشَةِ، كَما لَوْ أَنَّهُ لا يَحْتاجُ إِلى أَيِّ جُهْدٍ عَلَى الإِطْلاقِ. مَرْيَمُ (مُنْدَهِشَةً، مُمْسِكَةً بِيَدِ باسِيلَ): "يا إِلَهِي! إِنَّهُ مِثْلُ السِّيرْكِ العالَمِيِّ! لَمْ أَتَخَيَّلْ أَبَدًا رُؤْيَةَ هٰذا فِي حَفْلِ زَفافٍ!" باسل (اِبْتِسامَةٌ بِفَخْرٍ): هٰؤُلاءِ هُمُ الغَجَرُ، يا مَرْيَمُ... الفَنُّ يَمْتَدُّ فِي دِمائِهِمْ كَما تَجْرِي الحَياةُ مِنْ خِلالِ عُرُوقِهِمْ. إِنَّهُمْ لا يَرْقُصُونَ وَيُغَنُّونَ فَقَطْ - إِنَّهُمْ يَصْنَعُونَ مَسْرَحًا مِنْ أَفْراحِهِمْ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَتْ ثَلاثُ فَتَياتٍ غَجَرِيّاتٍ بِأَلْوانٍ نارِيَّةٍ - أَحْمَرَ وَبُرْتُقالِيٍّ وَأَصْفَرَ - يَرْقُصْنَ بِالنّارِ. كانُوا يَطُوفُونَ المَشاعِلَ بِدِقَّةٍ، وَيَرْسُمُونَ دَوائِرَ مُتَوَهِّجَةً فِي الظَّلامِ. كانَ الجُمْهُورُ يَلْهَثُ، حَتّى الأَطْفالُ كانُوا أَسْرَى. مَرْيَمُ (تَتَنَفَّسُ مَعَ الرَّهْبَةِ): "هٰذا خَطِيرٌ لِلْغايَةِ... كَيْفَ لا يَحْرِقُونَ أَنْفُسَهُمْ؟" باسِلُ (اِبْتِسامَةٌ): "إِنَّها مَهارَةٌ تَنْتَقِلُ لِأَجْيالٍ. النّارُ لَيْسَتْ خَطِرَةً بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، بَلْ هِيَ صَدِيقٌ، رَمْزٌ لِلْحُرِّيَّةِ وَالقُوَّةِ." مَعَ اِشْتِدادِ الإِيقاعِ، ظَهَرَ شابٌّ غَجَرِيٌّ ضَخْمٌ بِعَجَلَةٍ مُشْتَعِلَةٍ. لَقَدْ نَسَجَها بِسُرْعَةٍ لا تُصَدَّقُ، وَقَفَزَ مِنْ خِلالِها بِرَشاقَةِ الغَزالِ، وَسْطَ هُتافاتِ الحَشْدِ وَتَصْفِيقِهِ. ضَحِكَ الأَطْفالُ، وَاجْتَذ*بَتِ النِّساءُ، وَصَفَّقَ الرِّجالُ بِصَوْتٍ عالٍ. كانَتِ الأَجْواءُ مَزِيجًا مِنَ الاِحْتِفالِ وَالعَجَبِ وَالخَطَرِ - كَما لَوْ أَنَّ حَفْلَ الزَّفافِ قَدْ تَحَوَّلَ إِلى مِهْرَجانٍ أُسْطُورِيٍّ. تَحَوَّلَتْ مَرْيَمُ إِلى باسِلَ، وَعَيْناها مُشْرِقَتانِ مَعَ دَهْشَةٍ: "أَشْعُرُ أَنَّنِي فِي عالَمٍ مُخْتَلِفٍ تَمامًا... لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَدِّقَ أَنَّ هٰذا هِيَ ضَيْعَةٌ رِيفِيَّةٌ صَغِيرَةٌ!" اِبْتَسَمَ باسِلُ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّ قَلْبَهُ يَهْمِسُ: "أَرَدْتُكِ أَنْ تَرَيْ بِنَفْسِكِ يا مَرْيَمُ... أَرَدْتُكِ أَنْ تَعِيشِي ما عِشْتُهُ ذاتَ مَرَّةٍ، قَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَنِي المَدِينَةُ كانَتِ الحَياةُ هُنا جَمِيلَةً". كانَ باسِلُ يَكْذِبُ وَلٰكِنْ بِتَجَمُّلٍ، فَكانَ يَعْلَمُ جَيِّدًا أَنَّ طُفُولَتَهُ فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ كانَتْ أَكْثَرَ قاسِيَةً وَأَكْثَرَ مِنْ مُرِيرَةٍ. وَراءَ هٰذِهِ العُرُوضِ المُبْهِرَةِ وَفَرْحَةِ مَرْيَمَ، لَمْ تَتْرُكْ نَظْرَةُ هالَةَ، الثّابِتَةُ بِجانِبِ بَشّارَ، مَرْيَمَ أَبَدًا، كَما لَوْ كانَتْ تَسْتَشْعِرُ وُجُودًا يُهَدِّدُ تَوازُنَ الأُسْرَةِ، وَشَرَدَ باسِلُ بِذِهْنِهِ يَسْتَرْجِعُ طُفُولَتَهُ المُؤْلِمَةَ فِي بَلْدَةِ الغَجَرِ، كانَ حاضِرًا عَلَى الأَرِيكَةِ جِوارَ مَرْيَمَ تارِكًا عَقْلَهُ فِي أَعْوامٍ بَعِيدَةٍ... _ بَلْدَةُ الغَجَرِ عالَمُهُمْ وَعاصِمَتُهُمُ المُنْغَلِقَةُ عَلَيْهِمْ كانَتْ عَزْبَةُ الغَجَرِ أَوْ مُسْتَوْطَنَةُ الغَجَرِ تَقَعُ فِي إِحْدَى قُرَى مِصْرَ الرِّيفِيَّةِ وَالَّتِي صَنَعَ فِيها الغَجَرُ مَمْلَكَتَهُمْ وَحافَظُوا عَلَى هُوِيَّتِهِمْ وَتَقالِيدِهِمْ إِلى يَوْمِنا هٰذا، كانَ كُلُّ بَيْتٍ فِي الغَجَرِ يُغْلِقُ أَبْوابَهُ وَمِنْ خَلْفِها تَكْتُمُ أَسْرارَهُ عَلَى س***قاتٍ أَوْ عَمَلِيّاتِ نَصْبٍ وَغَيْرِهِ، وَكانَتْ هٰذِهِ هِيَ الحِرْفَةُ الَّتِي امْتَهَنَها الغَجَرُ فِي هٰذا المَكانِ مِنَ العالَمِ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ كانَ بَشّارُ هٰذا الرَّجُلُ الشّابُّ فِي الأَرْبَعِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ يَعِيشُ كَفَرْدٍ مِنْ أَفْرادِ مُجْتَمَعِ الغَجَرِ الصَّغِيرِ وَكَغَيْرِهِ مِنْ أَبْناءِ الغَجَرِ كانَ يَمْتَلِكُ بَيْتًا مُتَواضِعًا وَخِيَماتٍ أَمامَ المَنْزِلِ وَزَوْجاتٍ مُتَعَدِّدَةً وَأَبْناءً وَبَناتٍ وَمِنْ بَيْنِ هٰؤُلاءِ الأَبْناءِ كانَ هٰذا الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ باسِلُ الَّذِي كانَ يَبْدُو مُخْتَلِفًا عَنْ أَقْرانِهِ وَرافِضًا لِعادَاتِ وَتَقالِيدِ والِدِهِ بَشّارَ، الَّذِي كانَ يَأْمُرُ الأَطْفالَ بِالسَّرِقَةِ وَتِجارَةِ المُخَدِّراتِ وَالبَلْطَجَةِ وَالتَّسَوُّلِ فِي الشَّوارِعِ وَالنَّشْلِ، كانَ باسِلُ يَطْمَحُ إِلى أَنْ يَكُونَ مَصِيرُهُ مُخْتَلِفًا لا يُحِبُّ ما يُحِبُّونَهُ وَيَرْفُضُ أَفْعالَهُمْ سِرًّا، _ طُفُولَةُ باسِلَ وَمُعاناتُهُ مَعَ والِدِهِ بَشّارَ. كانَتْ طُفُولَةُ باسِلَ طُفُولَةً حَزِينَةً وَيَحْمِلُ هُمُومًا مُنْذُ صِغَرِهِ: كَيْفَ يُمْكِنُنِي تَغْيِيرُ هٰذا العالَمِ مِنْ حَوْلِي؟ لا يُمْكِنُنِي تَغْيِيرُهُمْ! كَذٰلِكَ لا يُمْكِنُنِي الهُرُوبُ مِنْ بَشّارَ الأَبِ الَّذِي يَخافُهُ الجَمِيعُ، إِنْ عَلِمَ ما أُفَكِّرُ بِهِ الآنَ لَقَتَلَنِي، كانَ باسِلُ يَنامُ كُلَّ لَيْلَةٍ مُنْهِيًا يَوْمَهُ بِدُمُوعٍ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ سِرًّا، يَحْلُمُ بِهٰذا اليَوْمِ الَّذِي سَيَتَغَيَّرُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَلٰكِنْ لَمْ يُوجَدْ أَيُّ احْتِمالٍ لِأَنْ يَأْتِيَ هٰذا اليَوْمُ. شَكَّلَتْ عَزْبَةُ الغَجَرِ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ طُفُولَةِ باسِلَ وَتَرَكَتْ بِهِ نَدَباتٍ فِي داخِلِهِ لَنْ تَنْدَمِلَ أَبَدًا، كانَتِ النَّدَباتُ فِي داخِلِهِ تَكَوَّنَتْ مِنْ مَشاهِدَ قاسِيَةٍ رَآها بِأُمِّ عَيْنِهِ. كانَتْ هٰذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ لَيْلَةَ تَغَيُّرِ مَصِيرِ باسِلَ، حَيْثُ كانَ كانَ الأَبُ بَشّارُ يَقِفُ أَمامَ إِحْدَى زَوْجاتِهِ، وَرَفَعَ يَدَهُ عالِيًا وَصَفَعَ المَرْأَةَ عَلَى وَجْهِها بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْها الأَمْوالَ وَاكْتَشَفَ سَرِقَتَها. كانَتْ هٰذِهِ الزَّوْجَةُ مِنْ بَيْنِ زَوْجاتِهِ اللَّاتِي يَعْمَلْنَ فِي السَّرِقَةِ وَالاحْتِيالِ، وَفَجْأَةً رَفَعَ بَشّارُ يَدَهُ وَضَرَبَ الزَّوْجَةَ بِشَفْرَةٍ حادَّةٍ فِي وَجْهِها، اِنْسالَتِ الدِّماءُ مِنْ وَجْهِ المَرْأَةِ عَلَى خُدُودِها. كانَ يَقِفُ بَشّارُ فِي إِحْدَى زاوِيَةِ البَيْتِ وَيَبْدُو عَلَيْهِ الذُّعْرُ. اِقْتَرَبَتْ والِدَةُ باسِلَ مِنْهُ، أَمْسَحَتْ بِيَدِهِ وَخَرَجَتْ بِهِ مِنَ المَنْزِلِ دُونَ أَنْ يَراهُمْ بَشّارُ. وَقَفا خارِجَ المَنْزِلِ وَقالَتِ الأُمُّ: أَنا أَعْلَمُ ما تَفَكَّرُ بِهِ يا باسِلُ. أَخْرَجَتْ مِنْ بَيْنِ نَهْدَيْها أَمْوالًا وَفَتَحَتْ يَدَ باسِلَ وَوَضَعَتْهُمْ فِي راحَةِ يَدِهِ وَأَغْلَقَتْ يَدَهُ عَلَيْهِمْ وَقالَتْ: خُذْ هٰذِهِ الأَمْوالَ وَاذْهَبْ بَعِيدًا عَنِ الغَجَرِ. اِسْتَقْطَعْتُهُمْ مِنْ رِبْحِ بِياعَةِ المَنادِيلِ الوَرَقِيَّةِ دُونَ عِلْمِ بَشّارَ. فِي كُلِّ يَوْمٍ كُنْتُ أَسْتَقْطِعُ مَبْلَغًا حَتّى جَمَعْتُ هٰذا المَبْلَغَ. خُذْهُمْ وَاذْهَبْ، اِفْعَلْ ما تُرِيدُهُ وَلا تَعُدْ إِلى هٰذِهِ البَلْدَةِ فِي أَيِّ يَوْمٍ. لا تَسْمَعْ لِبَشّارَ أَبَدًا، سَيُحاوِلُ بَشّارُ اِسْتِقْطابَكَ إِلى البَلْدَةِ بَعْدَ أَنْ تَكْبُرَ، لا تَسْمَعْ لَهُ، سَيَقْتُلُكَ يا باسِلُ. قَبَّلَتِ الأُمُّ الصَّبِيَّ فِي رَأْسِهِ وَقالَتْ: اَسْتَوْدِعُكَ اللهَ. وَدَخَلَتِ الأُمُّ إِلى مَنْزِلِ بَشّارَ الرَّجُلِ الغَجَرِيِّ الَّذِي كانَ يَبْدُو عَلَيْهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ طاغِيَةَ الغَجَرِ وَكَبِيرَهُمْ، وَغادَرَ باسِلُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ مِنْ بَلْدَةِ الغَجَرِ إِلى الحَضَرِ وَكانَتْ هُناكَ قِصَّةٌ. وَدَخَلَتِ الأُمُّ إِلى مَنْزِلِ بَشّارَ الرَّجُلِ الغَجَرِيِّ الَّذِي كانَ يَبْدُو عَلَيْهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ طاغِيَةَ الغَجَرِ وَكَبِيرَهُمْ. وَقَفَ بَشّارُ يَنْظُرُ إِلى زَوْجَتِهِ الَّتِي تَحْتَ أَقْدامِهِ تَنْسالُ الدِّماءُ مِنْها وَقالَ: هٰذا هُوَ عِقابِي لِمَنْ تُحاوِلُ مِنْكُمْ أَنْ تَسْرِقَنِي. الزَّوْجاتُ وَالأَوْلادُ الصِّغارُ وَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلى هٰذا الأَبِ القاسِي. تَرَجَّلَتْ مُتَسَلِّلَةً بِخَوْفٍ شَدِيدٍ أُمُّ باسِلَ إِلى الغُرْفَةِ. وَغادَرَ باسِلُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ مِنْ بَلْدَةِ الغَجَرِ يَهْرُولُ بَيْنَ الأَزِقَّةِ المُظْلِمَةِ لَيْلًا، يَنْظُرُ خَلْفَهُ وَأَمامَهُ وَيُكْمِلُ هَرْوَلَتَهُ وَالذُّعْرُ مَرْسُومٌ عَلَى وَجْهِهِ. كانَ يَهْرُولُ وَهُوَ يَرى أَمامَهُ الحَضَرَ قَرِيبًا، وَالهُرُوبُ مِنْ بَلْدَةِ الغَجَرِ بَدا مُمْكِنًا، بَلْ أَصْبَحَ حَقِيقَةً. وَكانَتْ هُناكَ قِصَّةٌ جَدِيدَةٌ فِي اِنْتِظارِهِ سَيَكْتُبُها بِنَفْسِهِ وَيُواجِهُ فِيها تَحَدِّياتٍ تَنْتَظِرُهُ، سَتُكْتَبُ القِصَّةُ بِعَدَدِ سَنَواتِ باسِلَ فِي الحَضَرِ
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD