الغُجَر... ذَلِكَ العَالَمُ الغَامِضُ الَّذِي أَسَرَ العُقُولَ وَحَاصَرَ القُلُوبَ. شَعْبٌ لَا يَسْتَقِرُّ أَبَدًا، وَلَا يَعْتَرِفُ بِوَطَنٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَتَجَوَّلُ كَضُيُوفٍ أَبَدِيِّينَ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ وَحَضَارَةٍ - تَارِكِينَ وَرَاءَهُمْ أَصْدَاءَ مُوسِيقَاهُمْ وَهُتَافَاتِهِمْ وَرَقْصَاتِهِمْ أَيْنَمَا مَرُّوا. خِلَالَ التَّارِيخِ ظَلُّوا لُغْزًا حَيًّا، يُنْظَرُ إِلَيْهِ بِإِعْجَابٍ وَشُكُوكٍ، فُضُولٍ وَخَوْفٍ، حَتَّى أَصْبَحُوا مِرْآةً تُعَكِّسُ تَنَاقُضَاتِ المُجْتَمَعِ نَفْسِهِ.
الغُجَر لَيْسُوا مُجَرَّدَ قَبِيلَةٍ مُتَجَوِّلَةٍ؛ إِنَّهُمْ حَضَارَةٌ مُتَنَقِّلَةٌ، تَحْمِلُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ إِرْثًا قَدِيمًا مِنَ القِصَصِ وَالعَادَاتِ وَالأَسَاطِيرِ. حَيَاتُهُمْ طَمَسَ الخَطَّ الفَاصِلَ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالحُلْمِ، حَيْثُ النَّارُ فِي قَلْبِ الخِيمَةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَفْءٍ، بَلْ هِيَ رَمْزٌ لِهُوِيَّةٍ تَرْفُضُ المَوْتَ.
فِي مِصْرَ – كَمَا فِي كُلِّ رُكْنٍ آخَرَ مِنْ أَرْكَانِ الأَرْضِ – نَسَجَ الغُجَرُ حَيَاتَهُمْ بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالمَدِينَةِ، بَيْنَ الخِيمِ وَالقُصُورِ. مُوجُودُونَ دَائِمًا فِي المَشْهَدِ، وَمَعَ ذَلِكَ، يَخْتَارُ الغُجَرُ دَائِمًا العُزْلَةَ.
_ التَّقَالِيدُ الغُجْرِيَّةُ هِيَ التُّرَاثُ الحَيُّ الَّذِي شَهِدَ عَلَى وُجُودِهِمْ عَلَى مَرِّ العُصُورِ
بِالنِّسْبَةِ لِلغُجَرِ، التَّقْلِيدُ هُوَ القَانُونُ وَالسِّجْنُ. يُولَدُ كُلُّ طِفْلٍ بِسِلْسِلَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ تَرْبِطُهُ بِأَسْلَافِهِ، وَيُشَكِّلُ خِيَارَاتِهِ وَيَرْبِطُ خُطُوَاتِهِ.
الزَّوَاجُ لَيْسَ مَسْأَلَةً خَاصَّةً بَلْ طُقُوسٌ غَارِقَةٌ فِي الرُّمُوزِ: الحِنَّاءُ وَالأَغَانِي وَاسْتِسْلَامُ الإِرَادَةِ الفَرْدِيَّةِ قَبْلَ قُوَّةِ العَشِيرَةِ. الوَلَاءُ لِلْقَبِيلَةِ مُقَدَّسٌ، وَمَنْ يُضْلِلُهُ يُوَصَفُ بِالخَائِنِ - حَتَّى لَوْ كَانَ ابْنًا أَوْ أَخًا.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ دَاخِلَ هَذِهِ العَادَاتِ يَكْمُنُ جَمَالٌ فَرِيدٌ مِن نَوْعِهِ؛ الحُزْنُ المُتَشَابِكُ مَعَ الفَرَحِ، وَالمَرُونَةُ المَنْسُوجَةُ فِي الاِحْتِفَالِ. الغُجَرُ يُحَوِّلُونَ أَبْسَطَ الأَعْمَالِ إِلَى احْتِفَالَاتٍ يَا لَهُ مِنْ عَجَبٍ؛ رَقْصَةٌ عَلَى دَقِّ الطُّبُولِ، حِكَايَةٌ تُرْوَى بِجَانِبِ النَّارِ، أُغْنِيَةٌ تَحْمِلُ قُرُونًا مِنَ التَّجَوُّلِ.
_ الفُنُونُ الْمُوسِيقَى النَّارُ وَالرِّيَاحُ
الْحَدِيثُ عَنِ الْغُجَرِ هُوَ التَّحَدُّثُ عَنِ الْمُوسِيقَى وَالرَّقْصِ. أَسْيَادُ الإِيقَاعِ، فَنَّانُو الْأَدَاءِ الْمَوْلُودُونَ بِهِ، يَقُودُونَ كُلَّ مَرْحَلَةٍ مَدُنٌ قُرًى صَحَارٍ شَوَارِعُ.
مِنْ عَوَاصِمِ أُورُوبَّا إِلَى قُرًى مِصْرَ، يُعْرَفُونَ بِالْفَنَّانِينَ الطَّبِيعِيِّينَ - الْمُغَنِّينَ وَالْرَّاقِصِينَ وَالْمُوسِيقِيِّينَ. حَتَّى أُولَئِكَ الَّذِينَ رَفَضُوهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِنْكَارَ التَّعْوِيذَةِ الْخَامِ لِمُوسِيقَاهُمْ، الَّتِي تَتَسَرَّبُ إِلَى الْقَلْبِ دُونَ إِذْنٍ.
الرَّقْصُ الْغُجْرِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ لِلْجِسْمِ - إِنَّهَا قِصَّةٌ تُرْوَى، صِرَاعٌ مُكَثَّفٌ فِي اجْتِيَاحِ ذِرَاعٍ أَوْ مَنْعَطَفِ الْخَصْرِ. أَغَانِيهِمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَلْحَانٍ - إِنَّهَا دُمُوعٌ تَذْرِفُ عَلَى الْمَاضِي، ابْتِسَامَاتٌ أُلْقِيَتْ نَحْوَ الْمُسْتَقْبَلِ. الْفَنُّ هُوَ لِسَانُهُمْ السِّرِّيُّ، جِسْرُهُمْ إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى عِنْدَمَا لَا يَتَكَلَّمُونَ لُغَتَهُ.
_ الصِّرَاعَاتُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ
وَلَكِنْ وَرَاءَ كُلِّ هَذَا الْجَمَالِ تَكْمُنُ الْمَعَارِكُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا: أَبٌ ضِدَّ أَطْفَالِهِ، وَأَطْفَالٌ ضِدَّ أَنْفُسِهِمْ، وَالْوَلَاءُ ضِدَّ التَّمَرُّدِ. الْبَعْضُ يَتَمَسَّكُ بِالتَّقَالِيدِ، وَالْبَعْضُ الآخَرُ يَتَوَقُّ إِلَى التَّفَكُّكِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ الْأَوْسَعِ. وَيُجَسِّدُ بَاسِلُ، الطَّبِيبُ الَّذِي سَعَى لِلْهُرُوبِ مِنْ جُذُورِهِ، هَذَا النِّضَالَ الأَهَمَّ. هَلْ يُمْكِنُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُحَرِّرَ نَفْسَهُ مِنْ أُصُولِهِ؟ أَمْ أَنَّ الْمَاضِي يَتْبَعُهُ مَهْمَا كَانَ يَمْتَدُّ؟
النِّسَاءُ – هَلَا، مَرْيَمُ، وَغَيْرُهَا – يَشُنُّ حُرُوبًا أَكْثَرَ هُدُوءًا، حَيْثُ لَا يَتِمُّ الاسْتِيلَاءُ عَلَى السُّلْطَةِ بِالْقُوَّةِ الْغَاشِمَةِ وَلَكِنْ يُتَمُّ نَسْجُهَا مِنْ خِلَالِ الْمَكْرِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، تَظْهَرُ الْعِصَابَةُ كَتَجْسِيدٍ خَامٍ لِلْعُنْفِ - تَحَوَّلَتِ الطَّاقَةُ الشَّبَابِيَّةُ إِلَى مُدَمِّرَةٍ، أَوْ رُبَّمَا السِّلَاحُ الَّذِي يَحْمِلُهُ بَشَّارُ لِإِحْكَامِ قَبْضَتِهِ.
_ بِدَايَةُ الْعَاصِفَةِ
وَهَكَذَا تَبْدَأُ الْخُيُوطُ فِي الْعُقْدَةِ مَعًا.
بَشَّارُ يَتَمَسَّكُ بِعَائِلَتِهِ، مُطَالِبًا بِطَاعَةِ الْغُجَرِ لَهُ.
– بَاسِلُ يَبْحَثُ عَنِ الْحُرِّيَّةِ، فَقَطْ لِيَجِدَ الْمَاضِي يُطَارِدُهُ.
_ تُوَاجِهُ مَرْيَمُ مَصِيرًا لَمْ تَتَخِيلْهُ أَبَدًا، فَقَدْ تَحَوَّلَ زَوَاجُهَا إِلَى بُوتَقَةِ الْبَقَاءِ.
– هَالَةُ تَلْعَبُ لَعِبَتَهَا فِي الظِّلَالِ، وَمَزْجُ الْوَلَاءِ مَعَ الْخِيَانَةِ.
_ تَجْمَعُ الْعِصَابَةُ الْقُوَّةَ، عَاصِفَةٌ فِي الْأُفُقِ - عَاصِفَةٌ قَدْ تُحَطِّمُ كُلَّ شَيْءٍ أَوْ تَفْتَحُ الطَّرِيقَ لِمَصِيرٍ جَدِيدٍ.
– تَبْقَى فَادِيَةُ فِي الْمُنْتَصَفِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْ شَخْصٍ يَعْرِفُ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهَا تُكْشِفُ فَقَطْ مَا يَخْدِمُ تَصْمِيمَهَا.
الْعَاصِمَةُ تَغْلِي مِثْلَ مِرْجَلٍ فَوْقَ النَّارِ. تُقَلِّبُ اللَّيَالِي بِالْمُطَارَدَاتِ وَالْهَمَسَاتِ، وَتَتَحَدَّثُ الشَّوَارِعُ أَسْرَارَهَا لِلأُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَسْتَمِعُونَ. وَفِي كُلِّ قَلْبٍ يُحْرِقُ نَفْسَ السُّؤَالِ الَّذِي لَمْ تُتَمَّ الإِجَابَةُ عَلَيْهِ: هَلْ نَحْنُ أَسْرَى الْمَاضِي، أَمْ مُبْدِعُونَ لِمُسْتَقْبَلٍ جَدِيدٍ؟
هَذَا هُوَ الْمَدْخَلُ إِلَى الرِّوَايَةِ. لَيْسَ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ لِلْغُجَرِ، وَلَكِنْ رِحْلَةٌ إِلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ - صِرَاعَاتُهَا، رَغَبَاتُهَا، قُيُودُهَا. مِرْآةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَلْمَحَ فِيهَا كُلُّ قَارِئٍ نَفْسَهُ: أَبٌ عَازِمٌ عَلَى السَّيْطَرَةِ، ابْنٌ يَائِسٌ مِنْ أَجْلِ الْحُرِّيَّةِ، يُحِبُّ التَّوَقَّ إِلَى الْفِدَاءِ، الْخِيَانَةُ فِي انْتِظَارِ فُرْصَتِهِ.
رِحْلَةٌ إِلَى عَالَمِ الْغُجَرِ... عَالَمٌ حَيٌّ مَعَ النَّارِ، مُتَأَهِّبَةٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى حَافَّةِ الْعَاصِفَةِ.
_ وُجُوهُ النَّارِ وَالظِّلِّ
فِي وَسْطِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ يَقِفُ بَشَّارُ، الصنديد الْغُجْرِيُّ - الْعَنِيدُ بِلَا رَحْمَةٍ، وَهُوَ رَجُلٌ يَحْمِلُ مِنَ الْمَكْرِ وَالثَّقَافَةِ؛ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْحَبَ الْأَوْتَارَ، وَيَزْرَعُ الْخَوْفَ فِي قُلُوبِ مَنْ حَوْلَهُ مِثْلَ الظِّلِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ الْهُرُوبُ مِنْهُ؛ بِجَانِبِهِ هَالَةُ، إِحْدَى زَوْجَاتِهِ، مُخْلِصَةٌ وَلَكِنْهَا ذَكِيَّةٌ بِشَكْلٍ خَائِنٍ، قُوَّتُهَا الْحَقِيقِيَّةُ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى سَحْبِ الْخُيُوطِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، تَمَرَّدَ ابْنُهُ بَاسِلُ؛ هَرَبَ لِإِكْمَالِ تَعْلِيمِهِ، وَأَصْبَحَ طَبِيبًا مَعْرُوفًا؛ بَدَا حُرًّا، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ خِلَافَ ذَلِكَ؛ الدَّمُ الْغُجْرِيُّ يَمُرُّ عَبْرَ عُرُوقِهِ، وَيُطَارِدُهُ مِثْلَ مَصِيرٍ لَا مَفَرَّ مِنْهُ؛ إِلَى جَانِبِهِ مَرْيَمُ، زَوْجَتُهُ الَّتِي أَصَرَّتْ عَلَى الاسْتِمْرَارِ جَوَارَهُ، وَهِيَ مُهَنْدِسَةٌ اِعْتَقَدَتْ أَنَّ زَوَاجَهَا مِنْ بَاسِلَ مُتَوَّجٌ بِالاسْتِقْرَارِ، لِتَجِدَ نَفْسَهَا تُجَرُّ إِلَى عَالَمٍ أَكْثَرَ اضْطِرَابًا مِمَّا كَانَتْ تَعْرِفُهُ.
فِي الظِّلَالِ يَتَرَبَّصُ عَلَاءُ، الْأَخُ الْغَرِيبُ، يَدُ بَشَّارَ الْيُمْنَى. الرَّجُلُ الَّذِي يُعْشِقُ الْقُرُودَ وَيَحْمِلُهَا أَيْنَمَا ذَهَبَ؛ ذَكِيٌّ وَشَرِيرٌ، يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْعَلَ النَّاسَ يَضْحَكُونَ - وَكَيْفَ يَخُونُهُمْ. إِلَى جَانِبِهِ يَقِفُ أَصْحَابُهُ: زِينُ، السَّائِقُ الْمَاهِرُ؛ أَمْجَدُ، الْوَحْشِيُّ الشَّاهِقُ؛ وَأَسِر، الَّذِي يَوْزِنُ الْحَيَاةَ بِعَضَلَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَقْلِهِ. مَعًا، فَهِيَ لَيْسَتْ عِصَابَةً وَلَكِنْ قُوَّةُ الطَّبِيعَةِ الَّتِي نَشَأُوا بِهَا وَأَثَّرَتْ فِيهِمْ وَلَمْ يُؤَثِّرُوا فِيهَا، وَتَشَكَّلَتْ مَرْحَلَةٌ مِنْ مَرَاحِلِ الْغُجَرِ فِي حَقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَتَشَكَّلَ مَعَهَا خَطَرُهُمْ.
ثُمَّ هُنَاكَ يَتَمَاسُ، الْعَرَّافَةُ الْجَمِيلَةُ. إِنَّهَا لَا تَقْرَأُ الطَّالِعَ وَتَنْجُمُ فِي الْكَوَاكِبِ فَقَطْ، إِنَّهَا أَيْضًا؛ تُشَكِّلُ الْمُسْتَقْبَلَ بِكَلِمَاتِهَا. إِنَّهَا الْخَيْطُ الْغَامِضُ الَّذِي يَرْبِطُ كُلَّ رُوحٍ بِمَصِيرٍ أَكْبَرَ مِنْ نَفْسِهَا.
_ تَارِيخُ وَأُصُولُ الْغُجَرِ
قَبْلَ قُرُونٍ، عِنْدَمَا امْتَدَّتِ الصَّحْرَاءُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ وَحَمَلَتِ الرِّيَاحُ الرِّمَالَ وَالْغُبَارَ، عَاشَ الْغُجَرُ بَيْنَ الْكُثْبَانِ الرَّمْلِيَّةِ كَأَوْصِيَاءَ عَلَى الْأَسْرَارِ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى اخْتِرَاقِهَا. لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّعْبُ مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ مُتَجَوِّلَةٍ تَسْعَى إِلَى رِزْقِهِمُ الْيَوْمِيِّ؛ بَلْ كَانُوا مُجْتَمَعًا كَامِلًا، مُزْدَهِرًا فِي عُزْلَةٍ،
يُحَوِّلُونَ الْبَقَاءَ إِلَى الْفَنِّ وَالْحُرِّيَّةَ إِلَى فَلْسَفَةٍ، وَكُلُّ تَجْرِبَةٍ تَنْتَقِلُ عَبْرَ الْأَجْيَالِ.
مُنْذُ الْبِدَايَةِ، عَرَفَ الْغُجَرُ أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ عَنْ الْآخَرِينَ - لَيْسَ فَقَطْ فِي مَظْهَرِهِمِ الْمُلَوَّنِ، وَمَلَابِسِهِمِ النَّابِضَةِ بِالْحَيَاةِ، وَنَمَطِ الْحَيَاةِ الْبَدَوِيِّ أَوِ الْهِنْدِيَّةِ أَوِ الْمَكْسِيكِيَّةِ، وَلَكِنْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُفَكِّرُونَ بِهَا، وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَالْقِيَمِ الَّتِي يَعْتَزُّونَ بِهَا، وَالسِّحْرِ الْمُتَشَابِكِ فِي حَيَاتِهِمِ الْيَوْمِيَّةِ. لَقَدْ مَزَجُوا الْحِرْفِيَّةَ مَعَ الْمُوسِيقَى وَالرَّقْصِ، وَخَلَقُوا الْجَمَالَ مِنَ الْبَسَاطَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ حَضَارَةٍ أَنْ تَتْقِنَهَا. فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَوْ خِيمَةٍ زَارُوهَا، تَرَكُوا انْطِبَاعًا مُزْدَوَجًا: الْفَرَحُ مِنْ مُوسِيقَاهُمْ، وَيَتَسَاءَلُونَ عَنْ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّحَمُّلِ فِي عَالَمٍ لَا يُحِبِّذُ سِوَى الْقَوِيِّ.
لَمْ يَكُنْ أَسْلَافُهُمْ، الَّذِينَ تَجَوَّلُوا فِي الصَّحْرَاءِ، يَرْكِزُونَ فَقَطْ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؛ لَقَدْ سَعَوْا إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى إِرْثٍ ثَقَافِيٍّ غَنِيٍّ، وَهُوَ تَرَاثٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَكْرِ، وَالْحُبِّ وَالانْضِبَاطِ، وَالاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَالْقَسْوَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. تَعَلَّمَ كُلُّ جِيلٍ مِنَ السَّابِقِ كَيْفِيَّةَ قِرَاءَةِ عَلَامَاتِ الطَّبِيعَةِ، وَتَفْسِيرِ النُّجُومِ، وَالتَّنَبُّؤِ بِالْعَوَاصِفِ، وَالْعَيْشِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الْنَّدْرَةِ وَالْوَفْرَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
_ عَرَفَ الْغُجَرُ مَعْنَى الْحُرِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ مُنْذُ الْأَيَّامِ الْأُولَى، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْسَوْا جُذُورَهُمْ. تَمَسَّكُوا بِتَقَالِيدِهِمْ، وَمَلَابِسِهِمِ الْمُلَوَّنَةِ، وَأَغَانِي تُرْوِي حِكَايَاتِ الْأَجْدَادِ، وَالْأَسَاطِيرِ الَّتِي رَوَتْهَا جَدَّاتُهُمْ بِجَانِبِ النَّارِ فِي اللَّيَالِي الْبَارِدَةِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَسَاطِيرُ مُجَرَّدَ تَرْفِيهٍ؛ بَلْ كَانَتْ دُرُوسًا فِي الْحَيَاةِ، وَتَحْذِيرَاتٍ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَإِشَارَاتِ الْقُوَّةِ، وَإِرْثًا مِنَ الْقِيَمِ الَّتِي تُحَدِّدُ هُوِيَّةَ كُلِّ غُجْرٍ.
مَعَ مَرُورِ الْوَقْتِ، اِنْتَقَلَ بَعْضُ الْغُجَرِ إِلَى مَا وَرَاءَ الصَّحْرَاءِ، بَحْثًا عَنْ حَيَاةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْمُدُنِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّعْلِيمِ. لَمْ يَكُنِ الانتِقَالُ إِلَى الْحَضْرِ وَالْعَوَاصِمِ إِنْجَازًا سَهْلًا؛ فَقَدْ طَارَدَهُمُ الْمَاضِي، وَاشْتَبَكَتِ الْعَادَاتُ الْقَدِيمَةُ مَعَ الْحَيَاةِ الْحَضَرِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ حَافَظُوا عَلَى جُذُورِهِمْ، وَسِحْرِهِمُ الْفَرِيدِ، وَاللُّغَةِ غَيْرِ الْمُعْلَنَةِ لِلْإِيمَاءَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا سِوَى قُلُوبِ الْغُجَرِ.
_ طِوَالَ تَارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ، لَمْ يَكُنِ الْغُجَرُ أَعْدَاءً وَلَا أَصْدِقَاءَ يُسْهَلُ صُنْعُهُمْ. لَقَدِ اخْتَبَرُوا جَمِيعَ الَّذِينَ اقْتَرَبُوا مِنْهُمْ، وَمَيَّزُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الثِّقَةَ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ رَفَضُوهُمْ دُونَ تَرَدُّدٍ. كَانَتِ الْقُوَّةُ وَالذَّكَاءُ وَالْمَكْرُ ضَرُورِيَّةً لِلْبَقَاءِ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، حَتَّى تَفَاوَتَتْ قِيمَةُ الْحُبِّ نَفْسِهِ.
_ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ تَظْهَرُ شَخْصِيَّاتٌ أُسْطُورِيَّةٌ: بَشَّارُ، الصنديد الْغُجْرِيُّ، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الِالْتِزَامِ بِالتَّقَالِيدِ الْقَدِيمَةِ وَالذَّكَاءِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ؛ ابْنُهُ، الَّذِي فَرَّ لِيَصْنَعَ حَيَاةً جَدِيدَةً بَيْنَ النَّاسِ؛ الزَّوْجَاتُ الْمُخْلِصُونَ وَالْغَادِرَاتُ؛ وَالْمُجْتَمَعُ الْغُجْرِيُّ بِأَكْمَلِهِ - لَوْحَةٌ حَيَّةٌ مِنَ الصِّرَاعِ وَالْحُبِّ وَالْسُّلْطَةِ وَالْخِيَانَةِ رَسَمَهَا شَخْصِيَّاتُ الْقِصَّةِ: الشَّرُّ، الْخَيْرُ، الْحُبُّ، الْغَدْرُ، الثِّقَةُ، الْخِيَانَةُ؛ مَعَانٍ تَجَمَّعَتْ لِتَكْتُبَ قِصَّةً عَنْ الْغُجَرِ