مر عامين و يبدو ان دانا قد استسلمت بالفعل للأمر الواقع .. حيث تم اعتبار زين مفقود .. تصبح الأشياء سيئه عندما لا يصبح لها تفسير .. ربما الموت في بعض الأوقات أهون من ذلك .. حيث ان الموت ليس به احتمالات .. انه أمر واقع .. ستعتاد عليه .. الوضع يلزم فقط بعض الوقت .. و لكن هذا المفقود يترك وراؤه الكثير من الجنون .. الكثير من الآمال الخائبه .. الكثير من الإنتظار المميت .. هذا الانتظار الذي يجعل الروح تتآكل .. انه من أصعب الأشياء و أبغضها على الإطلاق .. انتظار اشياء لن تحدث هو بمثابة وقوف لساعة الحياه .. توقف وقتي للحياه بداخلك .. تراها تستمر مع الجميع .. ترى السيارات تتحرك .. و القطارات تصل لوجهتها .. و الأشخاص يلتقون و يتفارقون .. و العالم يتغير .. و النبات يكبر و يطرح .. و الح*****ت تلد و الطيور تبيض .. و العائلات تكبر .. و الشعر يصبغ باللون الأبيض .. و الأطفال لم يبقوا أطفال .. الا انت تجد ان ساعتك واقفه لا تتحرك .. الزمن أصبح كالصنم .. و انت عبداً امامه .. الإنتظار قاتل يا صديقي .. قاتل يستطيع أن يفتك بك بالبطيء .. لذلك تجد في السجون العموميه .. ان المسجون الذي ينتظر خروجه .. لن ينجو أبداً هناك .. خاصة و ان كانت مدة عقوبته طويله .. سينهار بلا شك .. لذلك تجد أغلب المساجين .. يذهبون الى طريق التكيف .. يتكيفون مع الوضع الراهن دون انتظار فتح باب السجن لهم .. ليس معنى ذلك انهم لا يحلمون بيوم الخروج .. لا يظل يوم الخروج هو أملهم الذين يعيشون من أجله .. و لكن لا ينتظرونه .. انهم ينتظرون اشياء أخرى .. ينتظرون وقت ساحة ( البريك ) .. ينتظرون وجبة الغداء .. ينتظرون وقت ممارسة بعض الأل**ب .. أو الرياضيات .. قراءة كتاب .. روايه .. ينتظرون ماذا سيحدث لبطل روايتهم .. و اشياء من هذا القبيل .. و لكن لا ينتظرون الخروج .. مجرد وضع المسجون في حالة انتظار الخروج سيؤدي به الى الجنون .. تلك الحاله ستقتلعهم من المكان الذي يتواجدون فيه .. و سيعيشون حياه مزريه .. أكثر من قباحة السجن و أحكامه .. لذلك يجدون التكيف سبيلاً للحفاظ على استقرار النفس و عدم انحرافها عن الخط المعتدل .. لذلك تجد في بعض الأحيان .. عندما يتم الإفراج عن أحد الأشخاص الذين قد قضوا مده طويله .. و مرت سنوات على وجودهم في السجن .. تجدهم لا يستطيعون البقاء في الحياه الخارجيه .. لا يستطيعون التكيف ابدا مع الحياه .. حياتهم اصبحت هي السجن .. عالمهم محدود .. لهم توقيتاتهم الخاصه .. لهم روتينهم المعتاد .. نسوا هذا العالم الخارجي .. نسوا ان كوكبهم به ٧ قرات و ٧ مليار انسان .. نسوا كل شيء خاصة و اذا كانوا مقطوعين من شجره .. ليس لهم عائلات .. عائلاتهم كانوا أصدقاؤهم في الزنزانه و في السجن بصفه عامه .. تجدهم تائهين لا يتحملون البقاء لأيام في هذه الحياه الكبيره .. و ربما قد تجد بعضهم يرتكب جرائم أخرى من أجل العوده فقط الى السجن .. هذا هو منزله .. هذه هي حياته .. خروجه منها يصيبه بالإكتئاب و الجنون .. كمثل سمكه تخرجها من البحر .. تموت في الحال .. هؤلاء قد قضوا معظم حياتهم لا يعرفون سوى سرير الزنزانه .. و لا سوى قضبان الزنزانه .. وحمام الزنزانه .. و الممر الفاصل بين الزنزانات .. و الطعام الذي يقدم لهم .. و صوت قلقلة مفاتيح الحراس ليلاً .. لا يعرفون سوى الزي باللون الرسمي للسجن .. البرتقالي .. و لا ساحة سوى الساحه الخارجيه .. و لا قوانين سوى هذه القوانين التي تطبق عليهم .. هذه هي حياتهم التي كانت تصيبهم بالجنون في ايامهم الأولى .. و لا يستطيعون العيش في هذا الوضع .. الآن أصبحوا متكيفين الى درجه مرعبه .. درجه لا يتجعلهم يتقبلون اي حياه اخرى .. حتى و ان كانت أفضل مائة مره .. لأن حينها العبره ليست بالحياه الأفضل .. أو الأجود .. أو الحامله لاختيارات عديده .. و لكن العبره بالحياه الأنسب .. الحياه التي اعتادوا عليها .. و لا يجدون سبيلاً غيرها ..
و هذا برمته ما نقول عنه قتل الإنتظار .. اقتل الإنتظار قبل أن يقتلك .. القي بنفسك في البحيره .. دون التفكير في العوده الى المنزل .. لدينا قصص كثيره حدثت بالفعل في هذا الشأن .. هذا المسجون الذي يبلغ من العمر ٤٨ سنه .. قد قضى ٢٥ سنه في السجن .. ٢٥ عاماً لا يرى سوى هذه الساحه و هذه الزنزانه التي يوضع بها .. عندما تم الافراج .. بعد ٢٥ سنه .. كان مستغرباً جداً للوضع .. في اول خطواته من خروجه من السجن .. و قف في مكانه كأنه مسماراً طرق في الأرض .. ينظر في هذا الكم الشاسع من البراح .. ينعصر قلبه على أصدقاؤه بالداخل .. لا هم ليسوا اصدقاؤه اذا صح التعبير .. هؤلاء هم عائلته بالفعل .. لقد عاش معاهم سنوات عمره .. عاش معهم اكثر مما قد عاش مع نفسه .. اعتقد في تلك اللحظه .. انها ستكون البدايه فقط .. ربما هي كئابة اللحظات الأولى .. عاد الى منزله القديم .. لم يكن له عائله .. و عاش ايامه الأولى منذ الخروج من السجن في حالة اكتئاب شديده .. الوحده تأخذه من الجنون .. كان يرى الناس في الشارع حثاله .. لا ينتمي اليهم .. و لا ينتمون اليه .. كان يرى نفسه اصغر من نمله في صحراء كبيره .. ليس مناسباً انك بعمر ال ٤٨ تبدأ تكون اصدقاء .. او تبحث عن عمل .. يوفر لك طعامك ولباسك و مسكنك .. في حين ان هذه الاشياء كانت تقدم له دون ادنى مجهود .. حتى ان الأمر صعب ليبحث عن شريكة عمر .. اي إمرأه سترضى ان ترتبط بشخص في عمره .. قضى معظم حياته في السجن .. قتل اكثر من شخص في السابق .. الوضع كان مستحيلاً بالنسبة له .. مؤلماً جداً و قاسياً .. مهما حاول الخروج و التأقلم مع الوضع الجديد .. لا يجد سبيلاً ذلك .. فقط اسعد لحظاته كانت عندما يزور رفقائه في السجن .. او عائلته اذا صح التعبير .. و في النهايه قتل شخصا آخر اعترض طريقه .. و لكنه بداخله يعلم لماذا قتله .. ليس لأنه اعترض طريقه .. و لكن للعوده مره أخرى ..هذا هو التكيف و هذا ما يصنعه بنا .. و هذا ما يحدث عندما تقتل انتظار شيء ما .. عندما يعود .. لا يعني لك شيئا .