أنت تحيرني
قرأ عبارتها المكونة من كلمتين في ظلام غرفته ليلًا فابتسم كاتباً لها
الآن أنتِ من تحيرني فأنا لم أظنك من النوع الذي يحتار مطلقاً , ظننتك على خبرة بقراءة نفوس البشر دائماً
انتظر ردها بفضول حتى وصله كتابة
وجه ضاحك الأ**ق فقط هو من يدعي معرفته بكل شيء و اكتفاءه تعلًم ألا تُكوِن قناعة عن البشر مطلقاً , لأنهم دائما ما سينجحون في مفاجئتك بطرقٍ لم تكن لتتصورها
ابتسم مجددا وهو يسند جانب جبهته بأصابعه ناظرا للشاشة , ثم مد يده الأخرى كاتباً
حسنا يا سيدتي أخبريني لماذا أحيرك ؟!
ردت عليه برسالة
لماذا تذهب لدار المسنين ؟! ماذا تجني من ذهابك الى هناك ؟!
رد عليها يكتب
هل يجب أن أجني شيئا من ذهابي الى هناك ؟!
وصله الرد بأسرع مما يتخيل
الأ**ق أيضا هو من يقدم على أي تصرف بلا هدف , و دون أن يجني شيئاً
عض على جانب شفته مفكراً في الرد الذي سيرده عليها ثم كتب بتردد
ألا يمكنكِ الاقتناع بأنني مجرد إنسان خيِر يهوى جبر الخواطر !
يرى كلمة " تطبع " المميزة من الجانب المقابل حتى وصله الرد أخيراً
كم يلزمك من الوقت كي تقتنع أنت , أنه بإمكانك التخلي عن قناعك أمامي جرد نفسك من كل قناعٍ مزيف تضعه و كن على حريتك أمام انسانة غريبة , لن تراها و لن تراك في حياتك كلها اعتبرها المرآة التي ترى فيها نفسك بصدق , لا تلك الشخصية المزيفة التي تحاول رسمها دائماً
عقد حاجبيه قليلا وهو يقرأ تلك الأسطر الغريبة , بداخله أحس بشيء موجع في تخيل أنه بالفعل لن يراها مطلقا !. ثم سألها كاتباً وهو يشعر بالحنق المعتاد منها و من أسلوبها في التلميح الغير مباشر دائما
ألم تقولي سابقا أن الأ**ق فقط هو من يُكوِن قناعة محددة في البشر ؟! لماذا أنتِ متأكدة إذن أنني أضع قناعا زائفا ؟! أنا أحكي لكِ كل تفاصيل حياتي دون إغفال أي منها لكن بما أنكِ لا تصدقين أي مما أحكيه فلا داعي لكلامنا اذن
رفع قبضته المضمومة يعض على عقلة سبابته منتظراً بتوتر حتى وصله الرد أخيرا بارداً كالجليد القاسي
لو كنت تريد هذا فلا بأس عندي يمكننا الافتراق
أنزل خاطر قبضته ببطء شاعراً بخسارة غريبة , لم يستوعبها قبلاً ! كيف لن يكون باستطاعته الكلام معها يومياً !
هذا الإحساس في حد ذاته أنبأه بمدى الخلل في حياته ! أن تكون تلك العلاقة الافتراضية هي الشيء الوحيد الذي يجعل لحياته معنىً حالياً ! أن يتعلق بها و بالكلام معها إلى هذه الدرجة في مثل عمره !
شخص آخر كان ليغلق الشاشة و ينهي تلك العلاقة أياً كان مسماها للأبد
لكن بداخله شعر بفراغٍ موجع!
ظل ال**ت بينهما طويلاً على جانبي الشاشة
منتظراً منها التراجع و هي تنتظر منه تأكيد القرار كي ترحل في فضاءِ هذا العالم الافتراضي الواسع
و حين أحس بمرور الدقائق و أنها قد تغلق و تحذفه فتضيع للأبد ... للأبد لن يكون لها وجوداً مطلقاً !
حينها فقط شعر خاطر برعبٍ غريب فكتب بسرعة بل بمنتهى السرعة و أصابعه تتسارع مع أزرار الحاسوب
شغف !
اتسعت عيناه قليلا وهو لا يرى أي إشارة منها فهمس بخفوت و كأنها ستسمعه في غرفته المظلمة الساكنة
شغف !
و كأنها سمعته بالفعل , فقط رأى إشارة الطبع حتى وصله الرد القاسي المختصر
ماذا ؟
أغمض خاطر عينيه لبضعة لحظات , ثم أعلن رفع الراية البيضاء مستسلماً خاضعاً
لا أريد خروجك من حياتي لا تفعلي
عاد ال**ت المظلم يسود وهو ينظر الى الشاشة بملامح باهتة و ميتة و كأنه خجل من نفسه أمام نفسه في ذلك الاحتياج المؤلم لمجرد عابرة سبيل في حياته ترى هل تضحك الآن ؟!
هل أخذت لقطة مصورة من تلك المحادثة و أرسلتها الى صديقاتها و هن يتضاحكن عليه الآن
أغمض عينيه بقوة شاعراً بالحرج و المخاوف التي تسيطر عليه كل ليلة من الاحتمالات المرعبة التي قد تحدث على الجانب الآخر من الشاشة
الى أن سمع الصوت المميز لوصول رسالة فكشرت ملامحه وهو مغمض العينين لا يريد رؤية الجواب لكنه تنازل أخيرا و فتح عينيه يقرأ الرد
و أنا أيضا لا أريد الخروج من حياتك
و كأنها كانت العبارة الأجمل التي سمعها على الإطلاق ! لم يرى ملامحه في تلك اللحظة و هي تتحول من الفتور تدريجيا الى شبه ابتسامة جعلته أكثر شبابا , فالتفت ينظر من نافذة شرفته المفتوحة سعيدا و لم يلفت انتباهه مطلقا أن جاره لؤي ظهر من نافذة غرفة نومه عبر الحواجز الخشبية المضيئة وهو يجري خلف زوجته و هي تتضاحك عاليا بل لم يراهما من الأساس
فقد كان يشعر بشيء غريب و كأنه بذرة صغيرة تنبت ارتباطا بها ينمو مع الأيام لا يستطيع تصنيفه . لكنه ممتع و قوي
عاد خاطر بوجهه المشرق الى الشاشة و كتب لها بسرعة من وحي تلك اللحظة الرائعة
أريد أن أراكِ يا شغف لا أريد فتح الكاميرا بيننا ورؤية ما هو رخيص أريد أن أراك في الواقع و أتكلم معكِ وجها لوجه أسمع صوتك و تسمعين مني الكثير , تمر الساعات و لا نشعر بها
لم يرى منها أي رد أو إشارة مما جعل فرحته تهتز قليلا الى أن وصله الرد أخيرا
الواقع لن يعطيك ما تناله من هذا العالم الافتراضي في الواقع حقوق وواجبات و خداع و أقنعة التزام بأشياء لم تكن تريدها , في الواقع كي تنال ما تريد عليك إما أن تدفع الثمن , أو أن تقبضه و في الحالتين هناك تنازل
تن*د خاطر محبطا و مع ذلك لم يشأ أن يضغط عليها أكثر كي لا تنفذ تهديدها و ترحل فكتب لها
أنتِ فيلسوفة الليلة !
لم يعلم حينها أن ا****ن الوردي كان يلعق دمعة تساقطت فوق شفتها الناعمة !
لكنها أرسلت له
وجه ضاحك عين تغمز أترى الى أين أخذنا الكلام ؟! و كنا فقط نتكلم عن الحاجة نعمات
ابتسم وهو يكتب إليها حروف الهاء كثيرة متعددة ثم
نعم نعمات سأحاول الوصول الى ابنها , لم أهتم بحفظ رقم هاتفه أول مرة , لكن بالبحث سأجده , لعلني استطعت أن أحيي به بعض الضمير ولو أنني أشك في هذا
أرسلت له الرد سريعا
من يعلم ربما لو كنت مكانه لفعلت نفس الشيء !
ارتفع حاجبيه ثم انعقدا وهو يرسل إليها
رأيك بي متدني جدا أنا لن أترك والدي في دار مسنين و أنساه مطلقا , مهما بلغت أعبائي فهذه منتهى الحقارة
وصله الرد منها
أتعرف سر تمسكك بهذه العلاقة بيننا ؟! أنني أضع لك مرآة لا تحب النظر إليها و على الرغم من ذلك لا يمكنك الإستغناء عنها فتسترق النظر لصورتك كل حين ثم تطبق عينيك سريعا أنت في الواقع ناقم على ابن نعمات لأنك لا تستطيع فعل ما يفعله على الأقل هو يدفع ثمن بقاء أمه في دار مسنين معقولة نوعا ما ثم انطلق الى حياته يتمتع بها كيفما شاء أما أنت فلا تستطيع , لا تجد ما تلقيه الى أسرتك في سبيل تحريرك منهم للأبد فتكون حرا بلا أعباء على كتفيك
ارتفع حاجباه مجددا مع كل كلمة سريعة منها بدت و كأنها طلقات رصاصٍ مؤلمة , تصيب بمهارة في مقتل
إلا أنه كتب لها متجهما
هذا غير صحيحا أبدا أنا لا أتوق للتخلص من أسرتي أبدا
ظل عابسا منتظرا منها الرد بطريقة ملحة حتى وصله
الا تتمنى أحيانا لو يختفون يموتون مثلا !
اتسعت عيناه غير مصدقا حتى أنه فغر فمه قبل أن يعقد حاجبيه بشدة شاعرا بالنفور وهو يض*ب الأحرف بعنف
هل جننتِ ؟ كيف يمكنك كتابة سؤالا كهذا ؟ّ! هل تتخيلين أن أتمنى موت أهلي ؟!
ظل منتظر الرد وهو يض*ب على الطاولة بقبضته ض*با رتيبا خفيفا حتى ردت عليه قائلة
أعرف أنك تحبهم . لكنني متأكدة كذلك أنك لم تعد قادرا على تحمل عبئا لن تجني منه الكثير بعد أن يشيب شعر رأسك و تجد نفسك وحيدا
رمش بعينيه مرة الا أن ملامحه ظلت على تجهمها وهو يكتب
الا ترين أنني أستطيع اللجوء الى طريقةٍ أقل دموية كالهرب مثل شقيقي مثلا دون السؤال عن أي منهم
هذه المرة تجرأت على إرسال وجه يضحك اليه , الو**ة
وجه ضاحك ستهرب , يوما ما ستستسلم و تهرب كن واثقا من هذا, حين تمتلك شجاعة اتخاذ القرار ستهرب , لكن حتى هذا الحين , تتخذ مخيلتك الدور الذي يجعلك ضحية كموت أهلك و الجميع يقوم بمواساتك
تحرك فكه بصعوبةٍ وهو يقرأ الكلمات القاسية ثم كتب ببطء و أعصاب هشة
أنتِ مجنونة
و لم يجد المزيد ليكتبه ف**ت , حينها أرسلت له
ما حاك في ص*رك لن تحاسب عليه حتى تقوم بتنفيذه فلا ترهق نفسك و لا تدعي المثالية
أظلمت عيناه وهو ينظر بعيدا عن الشاشة و كأنه كره هذا الحوار , فتأمل الليل من نافذة شرفته قبل أن يسمع صوت رسالة منها فالتفت بفتور يقرأها
لا تغضب لست أتمنى السوء لأسرتك
أغمض عينيه للحظة إنها تنجح بالتماوج به من حالة شديدة النشوى و الارتباط بها , الى أخرى شديدة القنوط و النفور منها و مع ذلك لم يعد يقوى على الاستغناء عنها .فكتب لها أخيرا
إن كنتِ أنتِ الغريبة لا تتمنين لهم السوء فهل تتخيلين أن يتمناه ابنهم لهم !
ردت عليه كاتبة
لأن هناك مثلا يقول من يده في الماء , ليس كمن يده في النار لم يضروني شيئا , لم يرهقوني و لم أشعر أن حياتي تضيع ببطءٍ معهم كي أوصلهم لبر الأمان , ثم أغرق أنا
الآن أطبق عينيه بشدة و تصلبت أصابع كفه فوق الأزرار و كأنه يعاني ألما في المفاصل يمنعه من الرد لكنها ردت قبلا فكتبت له متابعة
لما لا ننسى هذا الموضوع المؤلم أنا آسفة أنني تجاوزت حدودي , لن أعيدها
ها هي قد تماوجت بمشاعره فألقت به عاليا الى شاطئ دافئ مما جعل شبح ابتسامة ترتسم على شفتيه ببطء على الرغم من بعض الجفاء تجاهها لا يزال متبقيا ... و كتب لها
أشقائي يستحقون الحياة. لا ذنب لهم في حياة لم تمنحني الكثير من الخيارات
ساد ال**ت بينهما طويلا .حتى عقد حاجبيه بشدة يظنها قد نامت منه مللا . لكنه لو كان على الجانب الآخر من الشاشة لشاهد نهرين من الدموع ينسابان ببطء على الوجنتين الناعمتين قبل أن تتحرك الأصابع الرشيقة لترسل الرسالة الأخيرة الليلة
و كذلك أنت تستحق الحياة