" مقهى آخر شديد الرقي "
اقتربت ببطء و ابتسامة ثقة على محياها المرتسم عليه الغرور بالفطرة لا تحيد بعينيها عنه وهو يجلس في مكانه المفضل ... بنفس المقهى الراقي و نفس الطاولة التي يفضلها
منكبا على حاسوبه المفتوح سارحا بفكره لدرجة تجعله منعقد الحاجبين و النظارة الأنيقة المذهبة ساقطة على أنفه و كأنه يحل معضلة ما على الرغم من تحرك أصابعه فوق الأزرار بسرعة البرق
فلم يفطن لاقترابها حتى وقفت أمامه مباشرة
فلم يشعر بها أيضا و كأنه كان يحلق في عالما خاصا به وحده , لا يجرؤ أحدا على اختراق هذا العالم
و ظلت هي واقفة مكانها مبتسمة حتى قالت أخيرا بهدوء مختصر متعالي
عامر
توقفت الأصابع في لمح البصر عن الض*ب على الأزرار و تجمد الجسد دون حركةٍ مع سماع تلك النبرة المتسللة الى أذنيه و لزمه بضعة ثوانٍ كي يسيطر على العاصفة التي هدرت بداخله للتو من كلمة واحدة من نبرةٍ محددة !
ثم رفع وجهه أخيرا ينظر اليها بملامح كالحجر و كأنه لا يشعر , لا يحس و كأنه تمثالا م**تا صلب الملامح و الجسد
حتى قالت أخيرا بهدوءٍ متزن
عرفت أنني سأجدك هنا نفس الموعد و نفس المكان حتى نفس الطاولة , حين تقرر التحليق في عالمك الخاص طقوسك لا تتغير أبدا , أشك أن يتغير بك شيء
تحرك فكه في حركةٍ غريبة و كأنه يتمنى لو وضعها بين ضروسه و قام بطحن عظامها ببطء حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة
حين ظل صامتا بادرت و أزاحت المقعد أمامه لتجلس بكل صلف واضعة ساقا فوق أخرى و نظر الى ساقيها تلقائيا نظرة تقزز قبل أن يرفع عينيه الى عينيها مجددا ثم قال أخيرا بصوتٍ خفيض الا أنه شديد الخطورة
لا أظنني سمحت لكِ بالجلوس
لم تختفي الابتسامة المدروسة عن شفتيها و هي تبادله النظر ب**ت ثم قالت أخيرا بهدوء
الى متى يا عامر ؟
لم تحصل على جوابا , بل ظل جالسا ينظر اليها نفس النظرة المخيفة في جمودها و كأنها نظرة س**ح مجنون هادىء الملامح تماما فتابعت تقول
الا ترى أنك بالغت قليلا ؟!
ارتفع أحد حاجبي و بدت أصابعه تفرد و تقبض ببطء فوق الطاولة مما جعلها تخفض عينيها إلى تلك الأصابع تلقائيا , ثم نظرت الى عينيه مجددا و قالت بثبات
أنا لم أخنك يا عامر
الآن ارتفع كلا الحاجبان و تسارعت وتيرة فتح و قبض كفه فوق الطاولة بينما أطبقت الشفتان في خطٍ مستقيمٍ حاد أما العينان فكانتا نافذتين من جحيم رغم السكون البادي عليه ككل
أخذت نفسا عميقا ثم تابعت بهدوء
نعم لم أخنك يا عامر لم يلمسني رجل غيرك و هذا ما أنت متأكد منه تماما
سكنت كفه في قبضة مضمومة بشدة حتى ابيضت مفاصل أصابعه , فقالت متن*دة و هي تتلاعب بأصابعها فوق سطح الطاولة
أنا متفهمة غضبك ض*بتني فض*بك والدي و انتهى الأمر دعنا نتجاوزه
لا ليس والدها , بل أربع رجالٍ من ذوي الأجسام خرافية الوصف نالوا منه بحركة غدر بل و قيدوه أيضا
لكنه لم يتكلم بل ظل صامتا ينظر إليها بعينين واسعتين ليس عن دهشة , بل عن خطر خطر شديد
نظرت الى عينيه و قالت بجمود
لدينا مصالح أكبر بكثير من انفعال رجولي متهور المشفى الذي ورثه والدك و شاركه والدي هو الصرح الذي سأرثه أنا و أنت صرح أنت أدرى مني بمدى ضخامته و ما يدره و لا أتكلم ماديا فقط , بل أتكلم عن اسم مشفى داشاي اسم نقش من ذهب لا يمكننا أن نرثه و نحن على هذا الحال أنا
**تت للحظات و هي ترى فتاة تقترب بخجل حتى وقفت بجوارهما , و ما أن **تت عن الحوار حتى تكلمت الفتاة مبتسمة
آسفة جدا على التطفل كنت أتمنى لو حصلت على صورة مع أستاذ عامر
ثم نظرت الى مرافقته الجالسة أمامه و أضافت عن قصد
بعد اذنك بالطبع
ابتسمت بسخرية واضحة و هي تشير بكفها الى عامر لا مبالية فسارعت الفتاة لتقف بجواره , للحظات ظنتا أنه سيتجاهلهما سويا , الا أنه في النهاية قام ببطء ووقف بجوار الفتاة المبتسمة بحماس فمدت يدها بالهاتف الى تلك التي تراقبهما ساخرة و هي تضع ساقا فوق أخرى بأناقة و طلبت منها بأدب
هلا التقطتِ لنا الصورة من فضلك ؟!
رفعت عينيها الماكرتين الهازئتين الى عيني عامر المفترستين في **تهما و سكونهما لكنها التقطت الهاتف مرحبة بإيماءة من رأسها و نهضت بتمهل و خيلاء قبل أن تلتقط لهما صورة جعلت عامر يتوتر للحظة قبل أن تتحرك شفتاه في شبه ابتسامة لم تكن ابتسامة بل كانت كشقٍ مؤلم في أرضٍ حجرية نحتت في الصخر
أخذت الفتاة هاتفها شاكرة بحرارة و حماس و انصرفت سريعا بينما عادت هي الى جلوسها المتعالي و جلس هو ببطء و عيناه على عينيها و يداه على حافة الطاولة بينهما , فبادرته قائلة بنعومة
لاحظت أنك صرت مفضلا لدى الجنس الآخر مؤخرا أرى صورتك في جميع مواقع التواصل يوميا و أكاد أسمع تنهيدات المعجبات تحتها
ساد ال**ت بينهما طويلا و كلا منهما ينظر للآخر حتى تمكن من الكلام بصوتٍ غريب صادر من حلقٍ محتقن تمر به أداة صنفرة
و هذا يثير تعجبك بالطبع !
ارتفع حاجبيها لتقول ببساطة
مطلقا لطالما كانت لك تلك الجاذبية السحرية أمام النساء منذ أيام الكلية و ما بعدها و قد خضعت لها أنا أيضا
**تت للحظة و هي تتأمل ملامحه تحت تلك النظارة المذهبة الأنيقة ثم همست
ولا زلت لكنك لن تصدقني
تحرك حلقه بصعوبة ثم قال بصوتٍ لا يشبه صوته مطلقا
محقة لن أصدقك
تن*دت هذه المرة تنهيدة أعمق , ثم قالت ببطء و خفوت
كان مجرد خيال بداخل كلا منا خيال جسدي يرفض البوح به أمام شريك حياته فانتازيا جسدية يمكنك تسميتها بهذا كلام , مجرد كلام لم يعرفني ولم أعرفه لم يلمسني و لم ألمسه
كان فكه يتحرك و كأنه يمضغ علكة لكن لم تكن هناك علكة في فمه , لم يكن هناك سوى طعم الصدأ بمرارة العلقم و عيناه تضيقان , لكن حدقتاه تتسعان و كأنما يركز بصره عليها , يكبر صورتها و يؤطر ملامحها
فرفعت عيناها إليه و **تت فتراشقا بالنظراتِ فترة طويلة قبل أن تتابع بنفاذ صبر
تجاوز الأمرما بيننا أكبر ما سنرثه معا أكبر تعقل و لا تكن بمثل هذه الطفولية
نظر عامر حوله و كانت الأعين الفضولية تراقبهما متسائلة فعاد بعينيه إليها ثم مال الى الطاولة و أشار بكفه إليها كي تقترب , مما جعلها تقترب بوجهها منه حتى كادت أن تلامسه فهمس في أذنها
انهضي و اخرجي من هنا بهدوء دون كلمة إضافية قبل أن أمسح بك أرض المقهى الراقي و هذه المرة لن أكتفي بض*بك صدقيني
....
دخل الى الصالة الرياضية فحياه المدرب مبتسما ولوح له عدد ممن يلعبون على الأجهزة فابتسم لهم بفتور ملوحا قبل أن يسقط الحقيبة الرياضية أرضا و يقول بهدوء
أحتاج كيس الملاكمة
أمسك له المدرب كيس الملاكمة , بينما كان هو يثبت القفازات الضخمة ثم أخذ نفسا عميقا وهو ينظر الى الكيس بنظراتٍ غير مبصرة قبل أن يبدأ في اللكم
و مع كل لكمة كانت قوته تزداد بالتدريج و مع كل ض*بة كان يصرخ أعلى
معك أشعر بنيران الحريق تلتهمني شيء لم أشعر به مع زوجي
ما تفعله بي جنون و كأن
خيالك يثير بي الجنون أحب ما تفعله بي
و مع كل عبارة كان يستحضرها ذهنه كان يصرخ أعلى و يلكم الكيس بقوة
وتيرة متوالية لكمة و صرخة وحشية و ذكرى عبارة منها
....
دخلت يارا الى غرفتها منهكة بعد يومٍ طويل حقيبتها المدرسية على كتفٍ واحد و هاتفها على أذنها تكلم صديقتها التي فارقتها منذ أقل من ساعة فألقت الحقيبة أرضا و هي تقول بتعب
كان يوما مريعا حصة الرياضيات نسفت عقلي , أحتاج الى بعض التهدئة , سأشاهد إحدى حلقاتي مسلسلي الكوري ثم أبدأ في النظر الى الكتاب علني تذكرت كلمة مما قال الأستاذ
جلست على كرسي مكتبها و فتحت الحاسوب و هي لا تزال بالزي المدرسي و الهاتف على أذنها قائلة
لماذا سعوا طلبا لتعليم المرأة بالله عليك ؟! لو لم يحدث هذا لكنت الآن على الأرجح أستعد لحفل زفافي سمعت أن أم جدتي تزوجت في الثالثة عشر أقسم بالله لا أعلم كيف تمكنت من فعلها ! أمي تزوجت في السابعة عشر و أنا أنوي أن أحذو حذوها المدهش في الأمر أن أبي تدخل و أفهمها أن متابعة الدراسة في الجامعة ليست ذات جدوى طالما تزوجت فلم تكمل دراستها الجامعية و هذا هو الزواج الذي أطمح به راحة عقل و فراغ تفكير أقصى ما أفكر به هو ما سأعده لهم على الغذاء حتى هذا لن يحدث لأنني سأتزوج من يطلب لي الطعام من الخارج يوميا نعم سأتزوج ثريا بالطبع انتظري لحظة ما هذا ؟ ماذا يحدث ؟! هناك شيء غريب
سمعت صديقتها تقول من الهاتف
ماذا ؟
عقدت يارا حاجبيها من تحت نظارتها التي تجمع بين وردية الطفولة و لطف المراهقة ...ناظرة الى شاشة الحاسوب ثم قالت
أرى العديد من الوجوه الرمزية الغاضبة في إشعارات حسابي على موقع التواصل ! انتظري لحظة !
فتحت إحداها و هي تدقق النظر حتى قرأت تعليقا صادرا عنها على ماذا بالضبط !
مضت بضع لحظات قبل أن تتسع عيناها على أقصاهما بذعر و هي تصرخ
ماذا ؟ من ؟ متى !
هتفت صديقتها تسألها
ما الذي حدث أخبريني ؟
هزت يارا رأسها غير مستوعبة ثم قالت بذهول
هناك تعليقا مكتوبا بواسطتي على أحد منشورات عامر علام داشاي لم أكتبه والله , و المتابعين لصفحته غاضبين بشدة و يطالبونه بإخراجي من الصفحة !
صرخت صديقتها
لماذا . ماذا كتبتِ ؟
فركت يارا عينيها من تحت نظارتها و قربت وجهها من الشاشة محاولة القراءة
ماذا تعرف أنت عن النساء و آلامييي , المهم المقصود ما يوجعهن ما هذا الأسلوب أصلا ! إنها تبدو كإهانة و أنا لم أكتب شيئا كهذا مطلقا
هتفت صديقتها مذعورة
اذن تمت قرصنة حسابك
ض*بت يارا بكفها على وجنتها قائلة و أخذت تتفقد حسابها جزءا جزءا ثم قالت بيأس
لم يتم نشر أي منشور آخر بواسطتي و الصفحة تبدو سليمة لكن لا أفهم !
قالت صديقتها
ربما كتبتِ التعليق فور استيقاظك مباشرة هل تتذكرين مرة حين أرسلتِ لي رسالة و أنتِ لازلتِ في الفراش تقولين فيها أن كيم تي يونج يتناول طعام الغذاء مع والدتك في غرفة جلوس بيتكم ثم تبين أنكِ كنتِ تحلمين و كتبتِ الرسالة و أنتِ في مرحلة الاستيقاظ !
هزت يارا وجهها المتعرق نفيا و هي تهتف
الأسلوب نفسه ليس اسلوبي التعليق مكتوب باللغة العربية , هل سيتغير اسلوبي خلال نومي !
سألتها صديقتها بحيرة
هل تقصدين مكتوبا بأحرفٍ عربية دون فرنجتها !
هتفت يارا يأسا
بل أدهى و أمر مكتوب بالفصحى ! كما يتكلم أستاذ عبد الحفيظ في الفصل تخيلي !
شهقت صديقتها و قالت
بالطبع لستِ انتِ اقتنعت لكن من سيكون ؟
هتفت يارا بارتياع
التعليقات الغاضبة مستمرة ما هذا ؟ يطلبون مني إبداء رأيي باحترام ما كان رأي أصلا لأبديه باحترام !
هتفت صديقتها
امسحي التعليق فورا
سارعت يارا تريد التنفيذ , الا أن صديقتها اوقفتها قائلة
انتظري لحظة عليكِ التوضيح قبلا لأنه حتى لو مسحتِ التعليق دون اعتذار قد يحذفك هو من صفحته
عقدت حاجبيها بتوتر قائلة
ماذا أكتب ؟ ماذا أكتب ؟
قالت صديقتها
لو كتبتِ أنكِ لستِ صاحبة هذا التعليق فسيظنون أنكِ كاذبة و سيتم حذفك أيضا لذا اكتبي باختصار أن ما حدث كان خطأ غير مقصود
أومأت يارا برأسها موافقة ثم كتبت بأصابع مرتجفة نفس ما أملته لها صديقتها بكلماتٍ متفرنجة
و انتظرت و هي تعض على أصابعها متأوهة بصعوبة من فعل هذه الفعلة السوداء !
هل هي درة الحية كما تنعتها أمها ؟
لكن درة خرجت اليوم صباحا قبلها و لم تعد حتى الآن . لم يكن في البيت سوى !
نظرت يارا الى باب غرفتها متصلة الحاجبين ضيقة العينين في خطين مستقيمين عابسين
أمي !هي من تركتها في الغرفة وحدها ! و هي التي تكتب بهذا الأسلوب العتيق
و هي من سألت عن عامر علام داشاي اليوم صباحا و هي تعاني من فورة غضب تجاه درة الحية
زمت يارا شفتيها فبدا وجهها كلوحة بعنوان فم البؤس
أما على الجانب الآخر من الشاشة كان هو جالسا على أحد مقاعد الصالة الرياضية يلهث بعنف مائلا يستند بمرفقيه الى ركبتيه محني الوجه و الكتفين ممسكا بهتفه في يده , يطالع اللاشيء
و كأنه كفيفا يحاول القراءة دون حروفا بارزة الى أن لمح إشعارا يصله بصورة لم يتذكرها سوى الآن
صورة فتاة مراهقة لها أثني و أنف كلب
عقد حاجبيه قليلا و ذكرى تعليقها يعود الى عقله ثم ابتسم رغما عنه .
اليوم صباحا كان مغتاظا بشدة من تعليق صاحبة الصورة أما الآن حين تذكره ابتسم
لقد كتبت تعليقا جديدا للتو ترى هل هي إهانة جديدة ؟
فتح التعليق ليقرأه ثم عقد حاجبيه وهو يحاول فك شفرة تلك اللغة المتفرنجة !
نعم هكذا يكون الوضع صحيحا هذا تعليقا يناسب صاحبة الصورة , و هي ليست بالتأكيد من كتبت تعليق الصباح
ضاقت عينا عامر مبتسما وهو يرى القراء يطالبونها بالاحترام حينها تدخل كرجل صالح يزيد من محبة القراء له فكتب بخبث مقصود ردا على تعليقها
لا داعي لأن يأخذ الموضوع أكبر من حجمه يا أعزاء انتهى الأمر و الصديقة العزيزة مرحب بها في أي وقت
اتسعت ابتسامته أكثر و التعليقات تبدأ في التوافد عن مدى احترامه و رقيه فضحك لا يعلم السبب و كأنه يرى انطباع صاحبة التعليق
أما يارا فقد نظرت الى شاشة حاسوبها ببؤس قبل أن تتسع عيناها بذهول قبل أن تصرخ
عامر علام داشاي رد على تعليقي كتب ردا مخصوصا على تعليقي !
هتفت صديقتها من الصدمة
تمزحين ! لا لا فعلا ! انتظري لأفتح الموقع و أرى ما يحدث بنفسي
هتفت يارا بنفس الصدمة
نعم كتب أن الموضوع انتهى و أنني مرحب بي دائما !
صرخت صديقتها بحماس
و أنتِ ماذا أجبتِ ؟
هتفت يارا و هي تض*ب الأرض بقدميها
وضعت له قلبا على رده
هتفت صديقتها مستاءة
غ*ية سيظنك مجرد غ*ية , لقد أثرتِ اهتمامه و ها أنتِ تضعين له قلبا !
عضت يارا على شفتها ثم سألتها
ماذا أفعل اذن ؟ هل أمسح التعليق الآن ؟
أجابتها صديقتها بسرعة و اندفاع
لا إياكِ التعليق قد يكون مدخلا للكلام معه
على الجانب الآخر , لا يدري كم الفضول الذي انتابه ليعرف أكثر عن صاحبة التعليق
ليست صاحبة الصورة ذات أذني كلب بل تلك التي كتبت التعليق , المختبئة خلف ألمٍ ما
هل هو فضول الكاتب الذي يستشعر وجود موضوعا شيقا عن بعد بحاسةٍ لا يملكها الأغلب من البشر !
لذا و لأول مرة بادر بإرسال رسالة ! كتب فيها
السلام عليكم آنستي هل أكون متطفلا لو سألتك سؤالا ؟
كانت يارا متحمسة و هي تعيد قراءة التعليق للمرة العاشرة الى أن سمعت الصوت المميز الذي يخبرها بوصول رسالة ثم رأت اسم المرسل
عامر علام داشاي !
سقط فكها و خرج ل**نها قبل أن تقول بصوتٍ فاتر من شدة الصدمة
عامر علام داشاي أرسل لي رسالة !
صوت صرخة صديقتها ثقب طبلة أذنها فأبعدت الهاتف عن أذنها مغمضة عينيها كي تستعيد قدرتها على السمع من جديد ثم قالت بصوتٍ يرتجف
والله أرسل رسالة يقول آنستي ! دعاني آنستي !
هذه المرة صرخت هي و صديقتها بجذل فقالت صديقتها تحثها
هيا ردي عليه بسرعة قبل أن يتراجع
ابتلعت يارا ريقها و أخذت نفسا متزنا قبل أن تكتب مجيبة
تفضل طبعا
قرأ عامر ردها ثم كتب مرسلا إليها
أولا لي رجاء عندك هلا توقفتِ عن الكتابة بواسطة الأحرف المتفرنجة , فأنا أشعر بنفسي محدود الاستيعاب أعاني من إعاقة في ل**ني و أنا أحاول قراءتها
أطبقت يارا جفنيها بشدة حتى ظهرا كهلالين مطبقين من السعادة تماما كشخصيات الكارتون الكورية ثم كتبت له بحروف عربية لكن عامية
حسنا طبعا
و كانت تقرأ كل شيء لصديقتها المرابطة على الجانب الآخر من الهاتف بأذنين منفعلتين كأذني أرنب
وصلت رسالة من عامر تقول
عظيم أخبرني إحساسي أنني ربما أكون قد آلمتك بطريقة غير مباشرة و كان هذا سبب تعليقك صباحا فهل لي أن أعرف ما الذي تدينني به ؟
عقدت يارا حاجبيها و هي تقرأ لصديقتها سؤاله ببطء ثم قالت تخاطبها
لا أفهم شيء من آلم من ؟. أليس من المفترض أن أكون أنا التي آلمته ؟لماذا يسأل إن كان قد آلمني ! ما هذه الكمية من الآلام ؟ لماذا لا ندخل في أحاديث مبهجة و نتبادل الإعجاب ؟
كانت صديقتها تفكر في لجنة تدقيق و تحليل و هي تحك ذقنها ثم قالت آمرة
لا تكوني مباشرة حتى نفهم ما يريد اكتبي شيئا حياديا
أومأت يارا برأسها ثم فردت ظهرها و رفعت ذقنها كأنثى بالغة ووضعت ساقا فوق ساق لتكتب بإباء أول ما طرأ على بالها
كان يوما عصيبا لذا كتبت التعليق تعرف ظروف النساء
قالت ما أرسلته لصديقتها فهتفت الواعية حنقا
أيتها الغ*ية ما هذا اللذي كتبتيه ؟ سيظنك تقصدين الظروف الشهرية !
شهقت يارا و ض*بت وجنتها بكفها بصوتٍ مفرقع و هي تقول مصدومة
هل تظنين أنه سيفهم هذا فعلا !
على الجانب الآخر من الشاشة قرأ عامر اجابتها فضحك من كل قلبه و شعر بحدس الكاتب يحثه للاقتراب أكثر و أكثر لكنه كتب مختصرا
كان الله في عونك يا صديقتي الصغيرة أعتبرك من الآن صديقة و كما أخبرتك أنتِ مرحب بكِ في أي وقت علني منحتك يوما نصيحة قد تفدك سلام
قرأت يارا السؤال لصديقتها بصوتٍ مبهور ثم سألتها
للأسف خرج ماذا تظنين ؟ هل فهم شيئا محرجا أم أنه يتكلم بنيةٍ صافية !
حكت صديقتها ذقنها مجددا ثم قالت
لن نستطيع الحكم الآن لكننا سنحافظ على هذه الرسالة بحياتينا و سنتكلم معه كل فترة متبعين استراتيجية تقربنا منه
عقدت يارا حاجبيها و سألتها
لماذا تتكلمين بصيغة المثنى ؟!عامر داشاي راسلني أنا فقط
عبست صديقتها و هي تهتف
هل ستبدئين في الدناءة من البداية هكذا !
فتحت يارا فمها لتجيبها , الا أن باب غرفتها فتح فجأة و دخلت أمها مبتسمة بارتباك حاملة شقيقتها روان التي تبلغ من العمر عامين و مع تلك الابتسامة فهمت يارا ما فعلته أمها ولولا أنها تريد الإبقاء على مراسلة عامر داشاي لكانت قلبت البيت رأسا على عقب بسب اختراق أمها لخصوصيتها دون اذن و تسببها في الحصول على هذا الكم من الوجوه التعبيرية الغاضبة و هي التي قضت عمرها على موقع التواصل تحصل على القلوب و الضحكات بكل تفاني و بمجهودها الشخصي
لذا اكتفت بملامح فم البؤس من حاجبين مستقيمين و عينين ضيقتين كخطين و فمٍ مطبق يماثلهما بؤسا و استقامة . فبادرت أمها تستطلع الأخبار بتوتر
يارا حبيبتي الغذاء جاهز. لماذا لم تبدلي ملابسك بعد ؟! لقد أعددت لكِ كل ما تحبين
لم تتغير ملامح البؤس و الجفاء عن وجه يارا ثم قالت أخيرا بهدوء
سأبدل ملابسي حالا و أخرج يا أمي يا حبيبتي
أومأت سلوان برأسها غير مرتاحة الا أنها خرجت مغلقة الباب خلفها و هي تضع يدها على ص*رها متنفسة الصعداء
يبدو أن الأمر قد مرَعلى خير الحمد لله