الفصل العاشر

1778 Words
خرج من بوابة البيت القديم قدم الأزل ذو الدرجات الحجرية شديدة الضيق و القصر الى طريقٍ ترابي لم يعرف الأسفلت بعد  و لم يعبأ بحذائه الغالي الذي تشبع بالغبار من أول خطوتين  فقد كان شارد الذهن  نظراته مظلمة و ملامحه عليها جفاء جديد لكن هالة عن بعد جعلت نهايات أعصابه تتنبه فرفع وجهه و أبصرها تسير يمينا و يسارا بتمهل و كأنها تنتظره  و بالفعل و كأنها شعرت بخروجه و كأنما شعر بوقوفها فقد توقفت و التفتت اليه فابتسمت تلك الابتسامة المشرقة التي لطالما عشقها حد الجنون نسيبة العشق الأول في حياته و الأخير  لن يعشق فتاة كما يعشقها  منذ بدايات نضجها على يديه وهو يراها تتفتح كوردة ندية.تزداد بهاءًا كل عام  تلك الابتسامة مع الوجنتين اللتين تزينهما غمازتين و الشعر الطويل الملتف حول قلبه لكن ليس الشكل فقط  فالصغيرة كانت ذكية , متفوقة و ذات شخصية قوية  حتى ظنها تقترب من الكمال لا ينقصها شيء  لقد وقع في هواها منذ سنواتٍ أزلية  لم يمنعه من الحصول عليها سوى ضيق الحال لكنها ملكه و الكل يعرف حتى قبل عقد القران بل و الخطبة أيضا  ساهر لنسيبة و نسيبة لساهر هذه هي العبارة التي كبرا عليها لكن بداخله هناك تعديل قلب ساهر لنسيبة , و قلب نسيبة لساهر راقبها و هي تشبك أصابعها خلف ظهرها  تحرك قدمها الصغيرة فوق التراب راسمة دائرة تنم عن توترها و هي تعض على جانب شفتها السفلى تنتظره و تتوسله بعينيها الجميلتين لم تلن ملامحه  بل حث الخطى اليها و هي تراقبه مبتسمة بفخر  لطالما اهتم ساهر بأناقته رغم الإمكانات المحدودة  فحسن المظهر ينبع من رغبة الإنسان من الظهور بمظهر لا تشوبه شائبة  لكن الآن زادت أناقته فخامة تضفيها غلو ملابسه و عطره  و إن كانت فتيات الحي يحسدنها قديما على ساهر فهن الآن يحترقن حقدا و غلا  هي و ساهر شكلهما يعد كنغمة نشاز في هذا الحي  يليق بهما مكان أكثر رقيا و نظافة وصل ساهر إليها فتوقف دون كلام مما جعلها ترفع وجهها ناظرة اليه هامسة بنعومة بها نغمة العتاب مرتجفة  لم تتصل بي منذ يومين  و الأدهى أنك لا ترد على اتصالاتي كذلك للمرة الأولى في حياتك !  نظر ساهر إلى عينيها دون تعبيرٍ على الرغم من أن عشقه لها لم يتغير  لكن العينان المحبتان مغلقتان أبوابهما أمام عينيها مما زاد قلقها أضعافا ... حتى قال بجفاء  احتجت فترة أخلو فيها الى نفسي .لأفكر   ابتلعت نسيبة ريقها بتوتر , الا أنها كتفت ذراعيها و رفعت ذقنها سائلة بتحدٍ غاضب  و ما الذي انتهى إليه تفكيرك ؟! ضاقت عيناه وهو يسمع نبرة التعالي في صوتها واضحة  تلك هي نسيبة , ما أن تسير الأمور بما لا تهواه نفسها حتى تبدأ في إظهار مخالبها مباشرة  فقال بخشونة حين أصل لقرار سأبلغك  الآن مضطر للانصراف , لدي مصالح عديدة و الإجازة ليست طويلة  شحب وجهها و هي ترى منه معاملة جديدة لم تعتدها أبدا  بل لم تراها مطلقا , مما جعل أجهزة الإنذار بداخلها تدوي مفاجئة فخففت حدتها على الفور و قالت بنبرة أكثر خفوتا ووداعة  ساهر هل يمكننا الكلام أرجوك , المرة الأخيرة انصرفت من بيتنا دون كلمة و هذا ليس عدلا , على الأقل لي الحق في شرح وجهة نظري   انفجر فجأة و كأن صدمة اليومين الماضيين قد اجتمعت دفعة واحدة فهتف بعنف  أي وجهة نظر !  لم يدرك مدى علو صوته , الا حين لاحظا فضول و نظرات أهل الحي اليهما , مما جعل نسيبة تنظر حولها بوجهٍ محمر تعض على شفتها  فعاد و أخفض صوته هامسا من بين أسنانه أي وجهة نظر في العالم , تجعلك تتصرفين بتلك الطريقة متعمدة إخفاء الأمر عني ! أخذت نسيبة نفسا مرتجفا و رفعت كفيها تقول برجاءٍ شبه باكٍ  أرجوك امنحني الفرصة للكلام لكن ليس هنا  و ليس في بيتي و لا في بيتك  بعيدا عن أهلي و أهلك , لنجلس في أي مكان و نتفاهم  ظل واقفا مكانه ينظر اليها تلك النظرة المتباعدة الغير متساهلة , فهمست مستدعية كل أسلحتها  أرجوك هذا أبسط حقوقي ....  مقهى بسيط  شهد أياما و أياما من حبهما حول قهوته المتواضعة  أحاطت كوب القهوة الساخن بكفيها و كأنها تستمد منه الشجاعة قبل أن تبدأ في الخطبة التي أمضت ليلة أمس تعد كل كلمة بها و تحفظها عن ظهر قلب بينما ظل هو صامتا تماما وهو يراقبها بملامح غير مقروءة ينتظر منها التبرير الواهي الذي ستتخذه  يقال أن مرآة الحب عمياء . لكن هذه المقولة غير حقيقية إطلاقا الحقيقة أن عين الحبيب تتعمد إغفال رؤية عيوب من يحبه عن سبق إصرار و ترصد  وهو على دراية بكل عيوب نسيبة , الا أنه كان يتعمد دائما التغافل عنها لأن عشق بمقدار عشقه لابد و أن يكون له ثمن  و نسيبة المقتربة من الكمال ... جمالا و تفوقا و ذكاءًا و قوة شخصية  لديها نزعة سيطرة , و طموحا في حالتها هي يعد عيبا لأنه لن يعرف الرحمة لو اقتضى الأمر  حين تأكد أن ال**ت سيطول , تبرع قائلا بلا تعبير  كنت أظنك تريدين الفرصة لشرح  وجهة نظرك  راقب ا****ن الوردي وهو يلعق الشفتين اللتين عشقهما و سبق اقتحمهما بعمق أشواقه مرارا. و لم ترفع عينيها إليه و هي تتكلم دون صوت و كأنها تعد ما ستقوله أولا حتى استجمعت شجاعتها أخيرا قبل أن ترفع عينيها الى عينيه مباشرة قائلة بهدوء كم سنة مرت على خطبتنا يا ساهر ؟ تراجع في مقعدها وهو يبادلها النظر دون أن يحيد بعينيه عن عينيها  ثم قال بصوتٍ جاف ست سنوات ابتسمت بسخرية و هي تعاود النظر الى وجه قهوتها الداكن لتقول بخفوت  نعم ست سنوات  و قبلها عددا فقدت القدرة على عده من سنوات ارتباطنا  كم من الوقت تظنني قادرة على الانتظار أكثر ! بعد أن يشيب شعر رأسي ! لم تتهاون ملامح ساهر على الرغم من أنها تنطق بالحقيقة المجردة , الا أنه قال بجفاء  عرضت عليكِ الزواج في بيت أسرتي الى أن يتحسن الحال فرفضتِ عادت لتبتسم مجددا , ثم قالت بصوتٍ مشتد به نبرة القسوة ممتزجة بالألم  تعلم أنني أحب أسرتك و تعد أسرتي أيضا منذ مولدي  لكنك تعرف أيضا مدى ضيق البيت , حاله كحال بيت أبي  الهم واحد  أخفض ساهر عينيه ملامسا حافة كوب قهوته قائلا بخشونة  و أنا أعطيتك كل الحق  و كان هذا سبب تنازلي عن وظيفة التدريس في الجامعة و أقبل بعقد سفرٍ مناسب كي أوفر لكِ البيت الذي يليق بكِ   رفعت وجهها اليه و قالت بحرارة  بل كان أكثر من مناسب  كان فرصة يتمناها الجميع و يحسدونك عليها  أجابها ساهر بقسوةٍ بدأت في الظهور الى صوته  لكن الثمن غالي جدا , الابتعاد عن أهلي و عنكِ و البقاء في موقع عمل بمنتصف جزيرة جليدية لا حياة عليها شهورا طويلة , حتى بدأنا نصاب جميعا بالمرض النفسي جراء هذا النفي المضني  تن*دت نسيبة و هي تجيبه بألم باهت سأكرر نفس عبارتك . لكن الثمن غالي و يستحق بعض التضحية رفع حاجبيه قائلا ببساطة مهينة  و قد ضحيت  حينها غاب الضعف عن ملامحها تماما و ترك القسوة تحدد تلك الملامح الجميلة و هي تقول بقوة و أنا ضحيت لسنواتٍ طويلة , لا يمكنك إنكار ذلك  و آن الأوان كي تقدر تضحيتي ضحك ساهر ضحكة خشنة وهو ينظر حوله غير مصدقا , ثم مال على الطاولة بينهما وهو يهمس من بين أسنانه فقررتِ نيل التقدير الذي تستحقين بنفسك و سحبتِ كل ما جمعته ووضعته في حساب مشترك بيننا جعلتك أنتِ الوحيدة التي لها حق التصرف فيه و دفعتهِ مقدم شقة سجلتها باسمك ! فتحت نسيبة كفيها متعجبة و هي تسأله بعنف  لا أفهم سبب تعجبك ! لطالما وعدتني بأنك ستجهز لي بيتا باسمي لأنني أستحق بعد طول انتظاري , أم كان مجرد كلاما لا معنى له !  ض*ب ساهر بقبضته على الطاولة فاهتز الكوبين و توتر سطحي القهوتين و تعكرا  لم أقل كلمة يوما لم أعنيها يا نسيبة  لكنك تصرفتِ دون علمي و تعمدتِ ذلك و دفعتِ كل ما جمعته في مقدم شقة أعلى بكثير حتى من مقدرة العمل الذي تغربت فيه  و الآن سيتعين علي الارتباط بأقساطٍ تقيد عنقي **ت للحظةٍ يلهث من شدة الانفعال و الغضب , ثم تابع هاتفا بصوتٍ خفيض  كان عليكِ إدراك أنني لم أتغرب من أجلك وحدك بل لأهلي حق أيضا و كنت مطالبا بالمساعدة في زواج أختي هذه العطلة ما العمل الآن ! تحولت ملامحها الى جليد مؤلم من مجرد النظر اليه ثم سألته بصوتٍ قاسي  هل أختك أفضل مني كي تتزوج هي قبلي بعد كل الانتظار الذي انتظرته !! خٌطِبت عاما واحدا بينما أنا خُطِبت لست سنوات !ست سنوات يا ساهر !  أنا أيضا ابنة ناس بالمناسبة و لي حقوق  رفع ساهر كفيه غير مستوعبا ثم قال بعنف  لقد حجزتِ شقة أعلى من مستوانا بمسافة كبعد الأرض عن السماء ! كان بإمكاننا السكن في منطقة قريبة من حينا   كانت هي من ض*بت الطاولة هذه المرة هاتفة  و أنا سبق و أخبرتك أنني أرفض هذا رفضا مطلقا أنا انتظرت كل هذا الوقت كي أهرب من هذا الحي و أحيا كالنظاف من البشر أخيرا كفى فقرا و تعبا و عفنا !  بهتت ملامح ساهر وهو ينظر اليها و قد تحولت الى انسانٍ شرس لا يستوعب الا ما يفيد مصلحته الشخصية فقط  فهز رأسه ببطىء وهو يمسك بكوب القهوة ثم قال بصوتٍ ميت ينذر بالكثير  لستِ وحدك المسؤولة مني ! كان عليكِ إدراك ذلك قبل أن تتصرفي من تلقاء نفسك ! **ت للحظة وهو يتحقق من عينيها عله يستطع الوصول الى قرارة نفسها و البحث بها , الا أنها كانت كمن وضعت حاجزا على نظراتها تمنعه من الاقتحام فقال بنفس النبرة و ببطء شديد  حين أمنتك أنتِ كان ذلك لشدة بساطة أهلي  و كانت ثقتي بكِ عمياء في أن يصلهم ما يحتاجون ! أمالت وجهها و هي ترد عليه دون أن تجفل أو حتى أن ترمش بعينيها  و كان يصلهم ما يحتاجون شهريا و بمنتهى الانتظام  لقد التزمت بكل ما طلبت و لم أخن ثقتك , لكن حين يصل الأمر الى أساس مبلغ الادخار فاعذرني  أنا أولى   فغر ساهر فمه غير مصدقا فردد بصوتٍ لا يكاد يسمع  أنتِ أولى ! لاحظت نسيبة أنها زادت من عيار الوقاحة كثيرا على الرغم من اقتناعها بكل كلمة , لكن ربما عليها اختيار الأسلوب فخففت من نبرتها و هي تقول بتوسل حار  أنا يجب أن أتزوج  و أحتاج الى بيت مستقل بعد ست سنوات من الانتظار , و أنت تمنعك الشهامة و الإحساس بالمسؤولية الزائدة من اتخاذ القرار المناسب  فتح فمه ليجيب الا أنها عرفت ما سيقول فتابعت رافعة كفها تمنعه من الكلام بتسلط  و لن أقبل السكن في منطقة مماثلة لتلك التي نحيا بها . أبدا , لذا عليك أن تختار يا ساهر انعقد حاجبيه بشدة ترقبا ... فقالت و هي تمسك بحقيبة يدها تستعد للنهوض  إما أن تضحي أنت من أجلي لمرة واحدة كما انتظرتك أنا طويلا و إما أن تعتبر خطبتنا لاغية و لتطلقني  بهتت ملامح ساهر وهو ينظر اليها غير مصدقا و هي تنهض واقفة لتقول بقسوة أستطيع العودة بمفردي  و سأنتظر منك ردا , حين تستطيع اتخاذ القرار  راقبها تنصرف بعنفوان و للمرة الأولى لم يندفع للحاق بها و إيصالها و رفض المغادرة وحدها و كأن ساقيه قد تيبستا مكانهما فازداد انعقاد حاجبيه وهو يراقب الطريق من نافذة المقهى شاعرا أن منفى العمل الذي كان يحياه و يشعره ببوادر الاكتئاب من شدة الوحدة تبين أنه كان أفضل بكثير من هذه اللحظة  حين لم يكن يمتلك شيئا  كان لديه كل شيء  و الآن حين بدأ يمتلك , بدأت الاختيارات  كي يبدأ في التخلي 
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD