اقترب منها ببطء يسوق قدميه , متسائلا للمرة الألف عما يفعله هنا بالضبط !
كيف له أن يستسلم لأهوائه الغريبة بهذا الشكل الأهوج !
و في كل مرة يحصل على نفس الجواب , بداخله فضول و لهفة لرؤيتها من جديد و لن يهدأ له بال حتى يفعل عله يعرف سر هذا الانجذاب الغامض
توقف خاطر أمام موظفة الاستقبال بدار الأمر و كانت منكبة على عملها دون أن تلحظ قدومه
ف*نحنح بحرج كي تنتبه له , و بالفعل ما أن رفعت وجهها حتى ظهر الامتعاض على ملامحها و اتكأت على مرفقها سائلة دون ترحيب
أراك أصبحت تشرفنا بالزيارة يوميا ! لا تخبرني أن قلبك الطيب يزداد حجمه مؤخرا ليتسع جميع أفراد الدار نزلاء و عاملات و ضع خط تحت كلمة عاملات تلك
رفع خاطر حاجبيه مرة وهو يتوقع منها مثل هذا الاستقبال الحافل , فسارع لإخراج شيئا من جيبه قائلا
انتظري ماذا أحضرت لكِ يا ابتسام
ثم وضع أمامها على المنضدة الرخامية , مجموعة منتقاة من الشوكولاتة كلفته الكثير حسبه الله و نعم الوكيل
نظرت ابتسام بنظرة جانبيه من طرف عينيها لمجموعة الحلوى دون أن تتحرك ثم سألته بنبرة مشتدة مهددة
ما هذا بالضبط ؟
تنحنح خاطر قائلا بتملق
هذه يا سيدتي مجموعة من الحلوى لكِ فقد لاحظت أنك تكثرين منها كلما أتيت الى هنا
استقامت ابتسام هاتفة بصرامة
بأي حق تهديني حلوى ؟! أتريد أن أشكوك للإدارة فتمنع دخولك الى هنا
أسرع خاطر برفع كفيه مدافعا
لا تسيئي فهم الموقف يا ابتسام هذه الحلوى لا تمت للغزل بأي وسيلة , إنها رشوة
مالت بجانبها و هي تنظر اليه بشك قائلة ببرود
رشوة ! يا له من ثمن مغري بالفعل , و ما الذي تريد رشوتي لأجله بالضبط ؟
اقترب منها خاطر مستندا الى المنضدة الفاصلة بينهما قائلا بصوتٍ خشن مباشر
بالأمس حين كنت هنا في زيارة نعمات , أتت أتت شابة فهمت أنها تقوم بزيارتٍ تطوعية و بما أنكِ موظفة الاستقبال الكفؤة هنا فأنتِ من أرشدتها لزيارة الأستاذ عبد المهيمن صحيح ؟
عادت لتستند بمرفقها للمنضدة و هي تراقبه عن كثب بفضول جديد ثم سألته باهتمام
نعم أذكر ما هو سؤالك ؟
برقت عينا خاطر للحظة ثم سألها بجدية
عظيم . من تكون هي ؟ أقصد هل هي أول مرة لها في الدار , أم أنها معتادة على تلك الزيارات التطوعية ؟
ظلت ابتسام صامتة و هي تنظر إليه بفضول , بينما هو ينتظر عاقدا حاجبيه بنفاذ صبر الى أن تنازلت في النهاية و أجابت بسخرية مستفزة
أي معلومة عن أي زائر ممنوع تداولها منعا باتا
تراجع للخلف فاتحا كفيه وهو يقول بعدم تصديق هاتفا بحنق
بالله عليكِ !
أومأت ابتسام بوجهها ببطء تستمتع بنفاذ صبره قائلة
نعم لدينا أوامر مشددة حول الزائرين تحديدا , نظرا لحساسية وضع الآباء هنا
أغمض خاطر عينيه وهو يضغط فكه قابضا كفيه محاولا السيطرة على أعصابه , ثم نظر إليها متكلفا ابتسامة من تحت الضرس قائلا بنعومة زائفة
ابتسام انظري لما جلبته لكِ من حلوى ! ألم تحنن قلبك ولو قليلا ؟ أولا هي مجرد زائرة متطوعة , تهوى عمل الخير و الأعمال المجتمعية اللطيفة أي أنه لا حرج تماما بالنسبة لها , ثانيا وهو الأهم أنا لا أريد معرفة أي معلومات خاصة إطلاقا كل ما أريد معرفته هو من تكون ؟ اسمها و هل تأتي الى هنا باستمرار أم أنها المرة الأولى ؟
هتفت ابتسام بمزيد من السخرية و الدهشة البريئة
فقط ! يا لك من متواضع الطلبات
عض خاطر على جانب شفته مغتاظا , ثم لجأ الى أسلوبٍ آخر فقال بدهاءٍ نادر المثال
أنا فقط كنت أريد مكالمتها بشأنِ عبد المهيمن هي كانت مهتمة و ستكون ممتنة حين تعرف أنكِ كنتِ السبب في إيصالي إليها
رفعت ابتسام حاجب مستفزا و هي تبتسم ببرود بينما تؤرجح ساقها كي تزيد من عصبيته , ثم قالت بنبرة ممطوطة
لا تقلق حين تأتِ مجددا , سأبلغها بما تريد
عقد خاطر حاجبيه بشدة وهو يطرق بأصابعه فوق المنضدة الرخامية و أعصابه على وشك الانفلات لتلتف حول عنقها و تزهق روحها المستفزة الا أنه تمكن من القول بفظاظة
أنا أيضا لدي معاييري الخاصة فيما يختص بالحفاظ على خصوصية من أقوم بزيارتهم لا يمكنني اخبارك بما أريده منها أقصد بخصوص الأستاذ عبد المهيمن
أفترت شفتاها عن ابتسامةٍ أكثر سخرية و قالت ببرود
لا بأس يا سيدي مسجل لدينا رقمك , ما أن تأتِ مجددا , سأعطيه لها و أبلغك أنك تريد منها الاتصال بك لأجل الأستاذ عبد المهيمن بالطبع
زفر نفسا ساخنا طويلا أوشك على أن يحرق ملامحها المستفزة الا أم معلومة مهمة أفلتت للتو من بين شفتيها اخترقت عقله ببطء , فتوقف ناظرا إليها سائلا ببطء حذر
هل قلت للتو ما أن تأتِ ؟ هل تعنين أنها تأتي الى هنا باستمرار
أومأت برأسها ببطء و على شفتيها ابتسامةٍ خبيثة و نظرات عينيها تتعمد إحراق أعصابه فكتم أنفاسه بقوة
بذلك الشعور المدغدغ من جديد ! و بداخله نفس التهور الذي فقده منذ سنواتٍ طويلة من امتهان روتين الشقاء
لذا حاول استعادة هدوءه لبضعة لحظات قبل أن يحاول مجددا سائلا بعفوية كاذبة
متى تأتِ مثلا ؟ كي أتمكن من رؤيتها أقصد لأخبرها بما أريد فيما يخص الأستاذ عبد المهيمن
لم تفعل سوى أن هزت رأسها نفيا ببطء و على شفتيها نفس الابتسامة المستفزة فهتف و قد فقد السيطرة على نفسه بحنق بالغ
تبا لكِ
استقامت على الفور و بدأ صوتها يعلو و هي تهتف بذهولٍ محتدة
هل تشتمني ؟ هل أطلب لك حارس الأمن ليطردك خارجا و أبلغ المديرة كي تمنع دخولك مجددا ؟
أسرع خاطر يدعوها كي تخفض صوتها قائلا بتملق
أنا آسف حقا آسف , هل تهون عليكِ نعمات حين تتسببين في منع الزائر الوحيد الذي يأتي لزيارتها ؟
هتفت بغضب ممتعض
ألا تخجل من نفسك و أنت تستغل اسم سيدة عجوز مسكينة في مثل هذا الابتزاز العاطفي رخيص الإداء !
وضع خاطر كفه على عينيه وهو يهمس من بين أسنانه
لن أنفعل لن أنفعل
ثم لم يلبث أن نظر إليها طويلا مفكرا في طريقة تجعلها تبوح بسرٍ من تلك الأسرار الحربية التي يحتاجها و بشدة ثم لم يلبث أن رمق الدفتر الكبير الموضوع أمامها فوق المنضدة بنظرةٍ ذات معنى قبل أن يرفع عينيه إليها يسألها ببطء
حين آتي الى هنا تقومون بتسجيل إسمي بالكامل و رقم هاتفي و ساعة دخولي في هذا الدفتر و ينقص أن تقومون بتفتيشي جسديا أيضا فهل يعني هذا أنكِ قمتِ بالمثل معها ؟
دفعت شعرها للخلف بحركةٍ أنثوية و هي تبتسم بمكرٍ قائلة بكل تمهل و دلال
بالطبع
نظر خاطر الى الدفتر مجددا وهو يسأل بصوتٍ واهٍ
أي أن اسمها و رقم هاتفها مسجلان هنا ؟
عادت لتومئ برأسها قبل أن تختطف الدفتر لتضمه الى ص*رها بين ذراعيها قائلة بنبرةٍ جليدية ظافرة
لكن عليكِ أن تتجاوزني أولا كي تصل إليه
أوشك أن يرديها قتيلة بنظراته النارية بينما هي تقا**ه بنفس الابتسامة ثم زفر بعمق وهو يشيح بوجهه عنها فرمقته مراقبة باهتمام سائلة بنبرة فضولية
ألهذه الدرجة سيطرت عليك ؟
نظر اليها مجفلا وهو يسألها بعدم فهم
ماذا تقصدين ؟
أجابته بنبرة باردة
تلك الشابة التي تسأل عنها رأيتها مرة و تسأل عنها كالمجنون المتسول !! هل سيطرت عليك من مرةٍ واحدة !
عقد حاجبيه بشدة ليقول بصوتٍ أجش غاضب
لم تخلق المرأة التي تسيطر علي بعد
أفلتت من بين شفتيها ضحكة باردة و هي تقول ممتعضة
واضح جدا
ازداد عبوس خاطر وهو يرمقها بنظرةٍ جانبية متضايقة ثم أخفض نظراته للدفتر بين ذراعيها بحسرة , مما جعلها تقطب استياءًا
فعلى ما يبدو أن الأنثى تكره بعض سخافات الشاب تجاهها , الى أن تراه متلهفا خلف أخرى غيرها حينها تبدأ في ملاحظة عينيه الخضراوين !
وجدت نفسها تقول فجأة بنبرةٍ أكثر قسوة
بالمناسبة أبلغتني المديرة اليوم أن أرسلك إليها حين تأتِ مجددا , فهي تريدك لأمرٍ هام لم تكن تعرف أنك ستأتي في نفس اليوم !
لم يشعر بالاهتمام أو الحماس مطلقا مؤكد ستبلغه بخبرٍ كئيب كالتعجيل من طرد نعمات من الدار
وهو حاليا غير قادر على سماع المزيد من الأخبار الكئيبة فقال بجفاء
سأمر على نعمات أولا ثم أذهب إليها شكرا لأجل لا شيء
و أمام عينيها جمع الحلوى من على المنضدة الرخامية فهتفت مستاءة بذهول
هل ستأخذ حلواك ؟ ألهذه الدرجة أنت جلف عديم التمييز !
ظل واقفا مكانه يرمقها بنظراتٍ قاسية متجهمة قبل أن يلقي بالحلوى على المنضدة مجددا وهو يقول بخشونة
خذيها لا لشيء سوى لأن عينيكِ اخترقتها و أخشى التسمم بها
ارتفع حاجباها و هي تراقب انصرافه مصدومة من جفاءه بعد أن كان يتودد إليها كلما رآها فيما سبق
و بشرود أخفضت عينيها لتفتح الدفتر على صفحة الأمس , و في ساعة محددة , حيث تم تسجيل اسم مميز
من ثلاث أحرف !