رد خاطر شبه منفعلا
لست سيدا . أنا جلف يعمل لأجل لقمة العيش , و مهنية عملي تأمرني بالصعود أربعة عشر طابقا كي أوصل الطرد لكِ هل من أوامر أخرى !)
ارتبكت السيدة التي تخاطبه ثم قالت بتردد
هل تريد **ب المزيد من المال ؟
عقد حاجبيه سائلا بجفاء
لما السؤال ؟
أجابته السيدة بتردد أكبر
دون انفعال ستجد أمامك أنبوب غاز في مدخل البناية وهو يخصني , طالما أنك ستصعد في كل الأحوال لما لا تحمله معك و أنا سأعطيك مبلغا يرضيك
التفت خاطر برأسه ناظرا الى الانبوب المقصود ثم تكلم بسخرية سائلا
أنتِ تمزحين أليس كذلك ؟ هل هذه مؤامرة لاستفزازي كي أفقد عملي ؟
ردت السيدة بحرج
حسنا ليس عليك سوى الرفض بتهذيب أنا فقط لا أجد من يحملها لي و أخشى أن ي**قها أحدهم
أجابها خاطر زافرا بقوة
رجاءًا سيدتي أنا متأخر بما فيه الكفاية , سأصعد إليكِ على الفور ملتزما بعملي لا بأعمال حارس بنايتكم سلام
ثم أغلق الخط بفظاظة دون انتظار ردا منها و استدار ينوي صعود السلم لكنه حين فعل وجد رجلا متقدما في العمر يرتدي جلبابا يجلس بجوار الأنبوب بأريحية مفاجئة و كأن الأرض قد انشقت و أظهرته فجأة وهو يرتشف من كوب شاي زجاجي
رمقه خاطر بعصبية عاقدا حاجبيه ثم سأله
هل أنت حارس البناية ؟
أومأ الرجل بوجهه قائلا ببشاشة
نعم . تفضل شاي
هز خاطر رأسه وهو يضغط أسنانه بغيظ ثم سأله بخشونة
شكرا يا حاج لدي طرد للسيدة مشيرة في الطابق الرابع عشر , هل أصعد ؟
أجابه الرجل ملوحا بكفه و كأنه يدعوه لزيارة اجتماعية ودية
نعم حرم المرحوم مختار اصعد يا أستاذ
ظل خاطر عاقدا حاجبيه , ثم سأل بجفاء
هل هي أرملة ؟
ضحك الرجل مجيبا ببساطة
أقول لك حرم المرحوم فهل أخذ عطلة للعالم الآخر و سيعود مثلا ؟
زم خاطر شفتيه وهو يرى المؤامرة الكونية الواضحة التي تستفزه هذا النهار كي تنهار البقية الباقية من سيطرته على نفسه فيفقد عمله الا أنه تمالك أعصابه و سأل بنفاذ صبر
اذن لماذا لا تحمل لها الأنبوب ؟
أجابه الرجل قائلا بنفس البساطة المستفزة
السيدة مشيرة منعتني من حمل شيء ثقيل و الصعود اليها نظرا لعمري لذا ننتظر حتى تعود الكهرباء , الا أنها أحيانا تتأخر
سأله خاطر بصوتٍ أجش
هل تحرسها جيدا اذن كي لا يأخذها أحد ؟.لم تكن موجودا حين دخلت البناية !
لوح الرجل قائلا ببشاشته التي تجعل كل شيء سهلا
لا تقلق لا أبارح المكان الا حين احضر لنفسي كوبا من الشاي أو ادخل بيت الراحة حتى و إن أخذت قيلولة يكون هنا في هذا الكرسي لا أغادره
تن*د خاطر بقنوط وهو يميل برأسه مجددا ناظرا الى الطوابق التي بدت و كأنها واصلة للفضاء !
بعد خمسة عشر دقيقة
مد يده يضغط جرس الباب لاهثا بعنف , الا أنه تذكر أن الكهرباء منقطعة فشتم بصوتٍ خفيض قبل أن يض*ب على الباب شاعرا بأنفاسه تكاد أن تنفذ عن آخرها
مرت بضعة لحظات قبل أن تفتح الباب سيدة تبدو في الأربعينات من عمرها تتكئ على عكازٍ يساعد ساقا ضعيفة , فنظرت اليه بدهشة وهو يلهث بعنف متجهم الوجه و الانبوب بجواره فهمست غير مصدقة
حملته بالفعل ! لا أعلم كيف أشكرك , لقد نفذ الغاز في منتصف اعدادي لطعام الغذاء و أوشك على أن يفسد و الأولاد كانوا !
رفع خاطر كفه وهو مستمر في لهاثه هامسا بصوتٍ غير مسموع
عذرا للمقاطعة لكن خذي الطرد الخاص بكِ و الانبوب و هاتِ النقود من فضلك كي لا أتهور
قالت السيدة برجاءٍ مستعطف
لما لا آتيك بشيء تشربه كي تلتقط أنفاسك
أغمض خاطر عينيه وهو ينوي الرد بعنف , الا أن ضعف أنفاسه كان أقوى من حنقه في تلك اللحظة , لذا اكتفى أن همس دون أن يفتح عينيه
المال رجاءًا
أومأت السيدة برأسها قبل أن تسرع بإحضار النقود له قدر ما عاونتها ساقها العرجاء بينما سقط خاطر بظهره مستندا للجدار من خلفه وهو يتنفس ببطء محاولا استعادة هدوء ض*بات قلبه
الى أن جاءته مشيرة تعد بعض الأوراق المالية قائلة بحرج
لا أعرف كيف لي أن أشكرك . تفضل
التفت اليها و كان قد هدأ قليلا قبل أن يتناول الأوراق المالية منها و يعطيها الطرد الخاص بها فنظرت إليه مبتسمة ثم مدت يدها بالمزيد من النقود قائلة بحرج
و هذا لقاء تعبك في الصعود بالأنبوب
نظر خاطر الى يدها الممتدة بالنقود , ثم قال بهدوء وهو يعدل من وضع حقيبته فوق كتفه قائلا
لم أحملها كي آخذ شيئا لكن شكرا لكِ على أية حال
اتسعت عينا السيدة للحظة قبل أن تهتف مستنكرة
والله لن أقبل أرجوك , لا تجعلني أشعر بالسوء
ظهر شبح ابتسامة على وجهه المتجهم على الرغم من كونه بعيدا كل البعد عن الشعور بأي نوع من أنواع المرح , ثم اجابها بصوتٍ أجش
ليس كل عملٍ يقا**ه مال هذا يشعرني بالسوء , لأنه كان يفترض بي أن أكون في مكانةٍ أخرى و حينها سيعد القبول بالمال لقاء كل مساعدة أقوم بها يعد إهانة كبرى
أخفضت السيدة يدها ببطء و هي تستوعب حرجه فلم تشأ أن تزيد من وجعه لذا قالت بصوتٍ خفيض
أعانك الله و رزقك من حيث لا تحتسب المال و المكانة معا
أومأ برأسه دون رد , ثم رفع يده ملوحا , الا أنه توقف للحظة , ثم التفت اليها قائلا بعفوية
ربما عليك التفكير في تركيب بابٍ حديدي لمزيدٍ من الأمان
كانت هي من ابتسمت هذه المرة تومئ برأسها موافقة دون رد ثم نادته قائلة
انتظر
توقف خاطر ملتفتا إليها بتساؤل فوجدها تستدير لتحضر ورقة وقلما بجوار الباب و انشغلت بتدوين شيئا قبل أن تناوله الورقة قائلة بجدية
هذا رقم يمكنك الاتصال به ليس هاتفي الخاص , الا أنني أنا من أقوم بالرد عليه , إن احتجت شيئا يمكنني تقديم المساعدة قدر استطاعتي كان لزوجي رحمه الله العديد من العلاقات و ربما استطعت توفير عملا أفضل لك
تناول خاطر الورقة دون حماسٍ حقيقي , الا أنه ابتسم مجاملا وهو يقول بإيجاز
شكرا
ثم استدار و انصرف هذه المرة و قد عاد فكره سريعا الى الاتصال الهاتفي من تلك المجهولة التي قا**ها لمرة واحدة فقلبت كيانه قبل أن يسمع صوتها مجددا كي تخبره بتعالٍ و عنجهية أن يبتعد لأنه نكرة
نعم هذا هو المعنى الوحيد للاتصال
دس خاطر كفيه في جيبي بنطاله وهو يخرج الى الطريق بملامح باردة جافية
أما لو كان شابا ذو سيارة فارهة و ملابس تحمل بعض الأسماء الشهيرة مما يعد كبطاقة تعريف عن مستوى اجتماعي و مادي لا يقبل الجدل و كانت تلك الشابة قد قابلته بالصدفة في الدار , لكانت تجاوبت مع اهتمامه في تلك الحالة ! و ربما انتهزت الفرصة كي يقومان بتلك الزيارات سويا كحجة مناسبة و هي تستشعر اهتمام شابا من علية القوم بها , مثله مثلها ! بالطبع كانت ستسعد بهذا الاهتمام
عقد حاجبيه قليلا واقفا على الرصيف ينظر الى الطريق ثم همس بصوتٍ أجش معترضا
ما بك يا خاطر ؟و ما أدراك أنها ليست مرتبطة من الأساس ! ربما كان السبب في الرفض أنها مرتبطة , حينها لن يفرق الأمير من الغفير بالنسبة لها !
**ت قليلا وهو يحلل الاحتمال الجديد , و مع ذاك الشعور الخبيث من الغيرة الممتزجة بخيبة الأمل وهو يتطرق للمرة الأولى لاحتمالية ارتباطها تابع بصوتٍ أكثر جفاءًا
الو*د المحظوظ المجهول ! لو كنت مكانه لاحتجزتها في البيت و أغلقت من حولها ألف بابٍ و باب كي لا يعجب بها المزيد من الأوغاد مثلي من إن رأوها انقلب كيانهم رأسا على عقب و باتت تداهم أحلامهم ليلا بقبلاتٍ تنتهي قبل حتى أن تبدأ تبا
كانت هناك سيدة متقدمة في العمر تمر به في تلك اللحظة فالتقطت أذنها كلماته الأخيرة بصوته الأجش الخشن فانتفضت و ابتعدت خطوة ناظرة اليه مدققة عله يتكلم في الهاتف مثلا الا أنها تأكدت من وقوفه في هذا المكان يكلم نفسه عن القبلات التي يضن عليه الزمان ببعض منها
فارتسم التعاطف على ملامحها و هي تهز رأسها قائلة بأسف
لا حول ولا قوة الا بالله ثالث شاب طولا و عرضا أراه يكلم نفسه في الطريق , ف*ج الله عنهم شفاك الله شفاك الله
عقد خاطر حاجبيه وهو يجفل منتبها الى تلك السيدة التي تجاوزته و هي تدعو الله له كمختلٍ يكلم نفسه في الطريق !.
أغمض عينيه وهو يزفر بعصبية من الحال الذي وصل إليه بسبب تلك المكالمة المختصرة , فما كان منه الا أن جذب جانبي السترة من الجينز التي يرتديها بعنف ليتابع يومه الروتيني و قد بدا أكثر قتامة من كل يوم !