أراحت درة رأسها على نافذة سيارة الأجرة التي استقلتها و الدموع تنساب ب**ت على وجنتيها الباردتين
لماذا تتعمد الحياة فعل كل هذا بها ؟
ما الذنب الذي اقترفته حتى يتم عقابها يوميا منذ صغرها ؟
لما الراحة كتبت للبعض و لم تكتب لها حتى هذه اللحظة ؟
تاهت العينان الغائمتان بغلالتين من الدموع أحجمتا الرؤية عنهما و هي تعود بذاكرتها بعيدا منذ سنواتٍ طويلة
كانت تبكي كما تبكي الآن بدموعٍ منسابة دون صوت و هي تجلس في سريرٍ صغير تضم ركبتيها الى ص*رها مرتعشة حتى سمعت طرقا على الباب فرفعت وجهها المبلل قبل أن تمسح وجنتيها و تنادي بخوفٍ واضح
تفضل
لكن أمام عينيها الواسعتين بصدمة رأته يدخل الغرفة المتواضعة التي حددت لها في بيت الحاج رحيم
فسارعت بالقفز واقفة أمامه و كأنها مذنبة دون أن تعرف جريمتها بينما هو يقترب منها ببطء و قد امتص البساط صوت خطواته مما زاد خوفها
وقف أمامها مباشرة ينظر إليها بملامح قاسية و نظراتٍ لم ترتح لها حتى قال أخيرا بصوتٍ جاف
لماذا تبكين ؟ ظننت أنني سأجدك الآن ترقصين فرحا
ازداد اتساع عينيها و هي تردد بعدم فهم
أرقص ؟ لأي شيء ؟
ص*رت عنه ضحكة أشد قسوة بينما لم ترى أثرا للمرح في عينيه ثم قال بجفاء
لنجاح مخططكما
فغرت فمها المرتعش مما اجتذب عينيه على الفور فأظلمتا و زاد الكره بهما أضعافا بينما همست بصوتٍ أكثر ضياعا
مخططنا ؟! من تقصد و عن أي مخطط تتكلم ؟
مال بوجهه وهو يتأملها من قمة رأسها و حتى أصابع قدميها دون أن تفوت عيناه ذرة من جسدها بتعدٍ سافر جعل أعصابها تتشنج ووجهها يتلون ثم قال بصوتٍ يفيض غلا و حقدا
المهرة الصغيرة ذات الصبا و الجسد الذي لا يقاوم و الذي يساعد على بعث الشباب مجددا في كهلٍ بعمر والدها , الدرة المكنونة التي تم الحفاظ عليها و رعايتها جيدا حتى تجد من يدفع الثمن الذي يليق بها
شهقت عاليا و هي تصرخ عاليا و دون تفكير رفعت كفها لتصفعه بكل قوتها
اخرس
انتفضت درة شاهقة من ذكرياتها حين توقفت سيارة الأجرة و تكلم السائق بصوتٍ عالٍ كي تسمع
وصلنا يا آنسة
نظرت درة من نافذة السيارة لتجد أنها على مقربة من بنايتها فمسحت وجهها لتخرج الأجرة من حافظتها الصغيرة قبل أن تخرج مهزومة منحنية الكتفين
و قطعت بضعة خطوات قبل أن تشعر بقبضةٍ عنيفة على ذراعها تديرها الى عينيه مجددا
و هذه المرة لم يكن هادئا بل هتف غاضبا
متى تتعلمين الا تبتعدي و أنا أناد*كِ ؟ صبري نفذ معك يا درة
نظرت خلفه فرأت سيارته التي تعرفها جيدا فعادت بعينيها اليه و قالت بصوتٍ خافت من بين أسنانها
ابعد يدك عني أنا هنا في الحي الذي أسكن به كمطلقة و معي مطلقة أخرى و هذا يجعل الأعين تتربص بنا منتظرة لأي هفوة
نظر بعينيه حولهما ثم ترك ذراعها على مضض لكن ملامحه لم تهدأ بل ظل على نفس العنجهية بغضبٍ هي أولى به منه
كانت تريد تجاهله و الهرب الى بيتها الا أن الحقد بداخلها كان أعمق و أفظع فتكلمت هامسة بقهر
ما الذي استفدت به حين تم صرفي من العمل ؟ هل تخيلت في أحلامك المريضة أنني قد آتي اليك باكية أترجاك أن تنقذني من مستقبلٍ مجهول ؟ والله لو مت جوعا يا قاسم فلن أتذلل لك
لم يرجف له جفن وهو يستمع لكل كلمة حاقدة تخرج من بين شفتيها **همٍ طائش
ثم قال ببساطة ساخرا
ولو قلت لكِ أنني لست السبب في صرفك من العمل ؟
ضحكت عاليا غير مبالية بصوتها قبل أن تنظر إليه و تقطع ضحكتها فجأة كما بدأتها فجأة و همست من بين أسنانها بنبرةٍ تقطر كرها
نعم صدقتك والله منذ اللحظة التعسة التي وطئت بها قدماك بهو الفندق عرفت أن عملي به قد انتهى لما لا تبتعد عني و تجد لعبة أخرى تتسلى بها , فلعبتك بات الغبار يعلوها و استهلكها الزمن اعثر على لعبة جديدة تليق بها و تروق لك أكثر
ظل صامتا للحظات قبل أن يجيبها بصوتٍ أجش أكثر كرها من نبرتها
ليتني استطيع
أجفلت و ارتعشت ملامحها للحظة , قبل أن يعاجلها بض*بةٍ أخرى
تزوجيني أنقذك من كل ما تمرين به و أتناسى دينك القديم
أظلمت عيناها للحظة ثم قالت بصوتٍ باهت ميت
والله لو كنت الرجل الأخير يا قاسم
ابتسم ابتسامة مخلصة وهو يقول بثقة
اضطررتِ للتو للصيام ثلاث أيامٍ للتكفير عن قسمك يا درة و سأذكرك بهم ليلة زواجي بكِ
مطت شفتيها ازدراءًا له الا أنها كانت أكثر إرهاقا من أن تجابهه حاليا فاستدارت تريد الابتعاد عنه لكنها سمعت صوته يقول من خلفها ببرودٍ قاسٍ
و صرفك من الفندق كان منطقيا . ليس كل من يستدعيكِ لغرفته تلبين طلبه , عملك في الفنادق نسبة لسذاجتك يعد خطأ كبيرا
اطبقت شفتيها و هي تقول بقسوة تعمدت أن تصل اليه بكل حرف
حقير
لو كانت استدارت لرأت وجهه يتراجع و كأنها صفعته للتو للمرة الثانية في حياتها
لكن شيئا ما جعلها تضيق عينيها و هي تسمع جلبة من بعيد أمام باب البناية مباشرة حيث وقفت سيارة أجرة أخرى و نزلت منها سلوان بعصبية حاملة طفلتها روان و هي تعدل من حجابها بأصابع مرتعشة بينما سائق الأجرة يتطاول و يعلو صوته حتى خرج من السيارة بينما بدت سلوان مرتبكة على وشك البكاء و هي تحدثه بصرامة زائفة وهو يزيد من الوقاحة
أسرعت درة تعبر الطريق حتى وصلت اليهما و تناهى الى مسامعها صوته وهو يقول متبجحا
لن أغادر قبل أن تعطيني الأجرة كاملة توقفي مكانك
ردت سلوان بصوتٍ يهتز بعصبية
أعطيتك أكثر مما يستحق الطريق أكثر من هذا يعد سرقة
هدر فيها بصوتٍ أجفلها
من تنعتين بالسارق ! هاتي باقي الأجرة أو والله لن أتركك أنتِ و ابنتك
هدرت به درة بصوتٍ أعلى من صوته صارخة تجلجل حتى أسمعت الطريق بأكمله
من تتخيل نفسك تخاطبه بهذه النبرة هل فقدت عقلك ؟! اخبرتك أنها أعطتك أكثر مما تستحق فماذا تريد بعد
نظر اليها السائق بنظراتٍ مجرمة قبل أن يستدر إليها وهو يهدر مضخما صوته
و من تكونين أنتِ أيضا ؟
صرخت درة تهتف و هي تض*ب على مقدمة سيارة الأجرة بكفها بينما وضعت سلوان يدها على وجنتها برعب
أكون من أكنه لا دخل لك , استقل سيارتك و غادر المكان قبل أن أطلب لك الشرطة
سارعت سلوان تحاول فتح حقيبتها هاتفة بينما كانت طفلتها تبكي برعب خوفا من الصوت العالي
لا داعي لكل هذا يا درة سأعطِيه ما يريد و ينصرف
استدار وجه درة إليها كالرصاصة تكاد أن تزهق روحها بعينيها الناريتين صارخة
قسما بالله العظيم لن تزيديه قرشا واحدا إضافيا و لنرى ماذا سيفعل ؟
صرخ السائق بنبرةٍ جنونية وهو يخلع سترته ليلقي بها داخل السيارة فاردا عضلاته هاتفا
على ما يبدو أنني قد وقعت بين اثنتين من المطلقات أو الأرامل المعقدات لكن أنا كفيل بكما
استدار فجأة على قبضةٍ قوية أمسكت بكتفه تديره الى شخص أضخم و أقوى و أطول و صوت جهوري أرسل الرجفة به
لما لا تكن كفيلا برجلٍ في حجمك أولا
أجفل السائق وهو يرفع رأسه ليجاري طول هذا الشخص الذي اقتحم معركته فجأة لكنه تعمد الصراخ عله يرهبه
و من أنت أيضا ؟ ابتعد قبل أن أوسعك ض*با
لم يكد ينطق بتهديده المضحك حتى أطبقت قبضتي قاسم على مقدمة قميصه ودفعه حتى سقط بظهره على مقدمة سيارته وهو يقول بعنفٍ دون أن يعلو صوته
أرنيِ هيا سأكون سعيدا أن أفرغ بك شحنات اليوم بأكمله
حاول السائق ض*به , الا أن قاسم تلقاها على ذراعه بكل سهولةٍ و يسر قبل أن يردها لكمة في منتصف وجهه
حينها بدأ البشر يلتفون من حولهم يحاولون تخليص الرجل من بين قبضتي قاسم و الرجل يصرخ شاتما بشتائم خارجة و كلما شتم عاجله قاسم بلكمة أخرى الى أن نجح المتجمهرين في تخليصه بأعجوبة و إقناعه بركوب سيارته و الابتعاد فقاسم يبدو على وجهه الشر كما أن هيئته تدل على أنه من علية القوم و ذو بطش لذا آثر السلامة لاهثا وهو يستقل سيارته يصب دعواته على من ظلمه في لقمة عيشه !
ظل قاسم واقفا مكانه يلهث بقوة و قد اتقدت ملامحه نارا و شررا
و اختارت درة اللحظة الخاطئة لتقول بحنق
لم يكن هناك داعٍ لهذا الاستعراض الذي قمت به للتو كنت قادرة على التصدي له
و كأنها أشعلت فتيل الجنون بداخله فصرخ بصوتٍ عالٍ
ادخلي الى بيتك و اغربي عن وجهي في هذه اللحظة بالذات يا درة
جن جنونها و هي تصرخ هي أيضا
هل أنت مجنون ؟ تلحق بي حتى بيتي ثم تأمرني أن أغرب عن وجهك ؟
كانت سلوان تراقب ما يحدث برعب و أوشكت على أن تهرب الى شقتهما لكن ما أن استدارت حتى عضت على شفتها غير قادرة على التخلي عن درة أمام رجلٍ غريب حتى و إن كانت حية خاربة بيوت
لذا عادت و استدارت متجهة إليهما و هي تشحذ همتها رافعة طفلتها المحيطة خصرها بساقيها الصغيرتين
ثم هتفت بصوتٍ مرتجف تحاول الظهور بمظهر القوة هاتفة
هل يتوجب علينا أن نض*ب لنا رجلين في اليوم الواحد ؟ ماذا تريد منها يا هذا ؟
نظر اليها كلا منهما درة ببلادة تعبير تنم عن اختيار سلوان للتهديد الخاطئ بينما رفع قاسم حاجبه وهو يتأملها سائلا نفسه
هل تعاني من خللٍ بصري في تحديد هوية الضارب ؟
شعرت سلوان أنها أخطأت اختيار التهديد المناسب , فعدلته هاتفة
اسمع نحن نسكن هنا بكرامتنا لم يُسمع لنا صوتا من قبل ... فمن فضلك اتركنا لحالنا و ابتعد
رفع قاسم حاجبيه وهو يلتفت ناظرا لدرة قائلا بصوتٍ قاسٍ جليدي ساخر
هذه هي اذن الزوجة الأولى ! لا تتخير عنكِ جمالا , يا له من ذكرٍ ضعيف محظوظ ذاك الذي اخترته يا سيدة
احمر وجه سلوان و أرادت الرد الا أن درة سارعت بالابتعاد عنه و هي تجذب سلوان بقسوة من ذراعها كي يصعدان الى شقتهما بينما وقف قاسم يراقبهما و قد زالت السخرية عن شفتيه و بقت القسوة فقط