تحركت في غرفتها الصغيرة الكئيبة و هي تزفر بعمق ناظرة الى الأثاث القديم المتهالك نظرة اشمئزاز و كأنها لم تعد تطيق أن يحط جسدها الجميل على هذه القمامة أكثر
كفى ستة و عشرون عاما و هي تقطن نفس الخراب و نفس الحي العفن .. مع نفس الأناس الهمج مهلهلي الثياب بينما هي درست و نجحت و تفوقت و أصبحت أستاذة بالجامعة بخلاف جمال الخلقة و الجسد مما يجعل الكثيرات من بنات القصور يتمنين ما لديها من مقومات لا يستطيع المال شراءها .
هي تستحق حياة أفضل , و على الرغم من صحة هذا الا أنها لم تتذمر مطلقا بل ظلت دائما تضع الهدف أمام عينيها و تسعى كي يتحقق و تخرج من هذا المكان بغير رجعة
لم تكن مادية مطلقا لكن حين يصل الأمر الى حقها بعد الصبر الذي أجادته فستكون حمقاء إن تركت حقها يضيع لغيرها هكذا بمنتهى البساطة !
يجب أن يكون لها وقفة و هذا هو ما فعلته , مجرد وقفة كي تحفظ حقها .
و ليس لأحد مطلق حق في اتهامها أو حتى مجرد إبداء أي عتاب
لكن عليها الآن أن تكون أكثر حرصا كي تعالج الصدمة التي شعر بها ما أن عرف عليها أن تجتذبه الى صفها مجددا كما كان دائما منذ أن أبصرت نور هذه الحياة .
ارتمت على السرير المتهالك فأص*ر صريرا جعل غضبها يزداد أكثر فأمسكت بخصلة من شعرها ناظرة الى السقف بشرود .و هي ترى عينيه مرتسمتين على الدهان المتقشر
تلك الصدمة و عدم التصديق بهما , لما تراهما في هاتين العينين من قبل كان دائما العشق هو انعكاس صورتها في مقلتيه لا تعلم منذ متى منذ أن تعلمت حروف اسمها و تعلمت معها
أن ساهر لنسيبة و نسيبة لساهر
على تلك العبارة نشأت و تربت و الصدفة تدخلت و لم تجعل الأمر صعبا , لأنه مع كل عامٍ يمر بينهما كان العشق المتولد بينهما يزداد أكثر و كان عشقه أكبر من عشقها
كانت ترى نفسها آخر نساء العالم في عينيه و هي كانت تعشقه كذلك , لكنها كانت أكثر منه واقعية
أو ربما المعنى الصحيح أنها كانت أكثر منه قسوة حين تتطلب الحياة بعضا منها
كان عليها التفكير بروية لكن التوتر يشوش عقلها و يمنعها من التفكير بوضوح
النظرة في عينيه أخافتها لكنها سرعان ما تلقي الخوف بعيدا
لن يغير شيء من عشق ساهر لها , مستحيل !
رفعت هاتفها الحديث و الذي اشتراه لها و الذي لا يتناسب مطلقا مع شكل الغرفة و البيت الذي تقطن به بل لا يتناسب الهاتف مع الحي بأكمله
و على الرغم من ذلك أصر على شراءه لها كهدية أهداها لها حين عاد في إجازته السنوية العام الماضي
نظرت الى الشاشة و حين أبصرت اسمها أرسلت لها رسالة و هي تعلم أنها العقل الذي تحتاج اليه بشدة كي يفكر بالنيابة عنها في مثل حالة التشوش تلك
شغف هل أنت متواجدة ؟!
مضت لحظة قبل أن يصلها الرد باختصار
عرفت أنكِ سترسلين الي رسالة الآن ما أن رأيت اسمك .يبدو أنه لم يتجاوز الصدمة بعد
زفرت نسيبة نفسا طويلا من بين شفتيها قبل أن تجيبها بقنوط
لم يهاتفني منذ يومين و الأفظع أنه لا يرد على اتصالاتي أيضا , إنها المرة الأولى التي يتصرف بها على هذا النحو
ابتسمت الشفتان على الجانب الآخر من الشاشة و الرأس تهتز تعجبا من وقاحة هذا الفتاة فأجابتها كاتبة
و هل تلومينه أو حتى تتعجبين رد فعله ؟! لقد خنتِ الأمانة التي أمنكِ عليها !
عقدت نسيبة حاجبيها بشدة و برقت عيناها بشدة بنزعة عنف حدت من جمال ملامحها ... فكتبت بقوةٍ حتى كادت أن تض*ب الشاشة و ت**رها بين أصابعها
خيانة أمانة ! ما الذي تقولينه ؟ لا أقبل هذه العبارة حتى و إن كانت مزاحا !
عادت الشفتان لتبتسمان ابتسامة متراخية أكثر حتى أن ضحكة هازئة أفلتت من بينهما ثم أرسلت لها الرد بمنتهى البساطة
لم يكن مزاحا . بل أنتِ التي لا تريدين الاعتراف أنكِ خنتِ الأمانة
زمت نسيبة شفتيها بقوة و هي تشعر بذاك الغضب الذي تنجح شغف في إشعارها به دائما و كأن هذا أصبح مهمتها الوحيدة في الحياة مؤخرا لكنها لن تسمح لها , فكتبت بقوة ترد عليها
توقفي عن هذا و الا سأضطر للرد عليكِ ردا سيؤلمك
وصلها الرد من شغف ببساطةٍ مجددا
بات إيلامي يتطلب أكثر بكثير من مجرد كلام .لكن عامة , لماذا تطلبين رأيي طالما ترفضين سماعه ؟! إن كنتِ واثقة في صحة ما أقدمتِ عليه , فلماذا تفتحين الموضوع مجددا ؟!
زفرت نسبية بنفاذ صبر و هي تشتمها همسا الا أنها أجابتها كاتبة
لم أطلب رأيك فيما فعلت بل أحتاج رأيك في كيفية جعله يتناسى ما حدث و يتقبله
الآن ضحكت الشفتان الجميلتان على الجانب الآخر من الشاشة ضحكة عالية و تثاقل الجفنان ازدراءًا , ثم كتبت تجيبها
أمرك عجيب يا نسيبة تريدين كل شيء , تريدين أخذ ما هو ليس بحقك , و تطلبين أيضا أن يتقبل ساهر الأمر الا ترين نفسك ربما كنتِ أنانية حد النرجسية !
أظلمت ملامح نسيبة الجميلة و هي ترى قذائف اللهب التي تلقي بها شغف دون رحمة كعادتها
فكتبت تحاول إقناعها و كأن اقناع شغف سيحسن من صورتها أمام نفسها
حقي , حقي , حقي أنسيتِ أنني زوجته و ما له هو لي أيضا ؟!
استلقت على الفراش الوثير الناعم بدلال و في يدها الهاتف , ترى به إنكار الواقع بكل وقاحة فكتبت مبتسمة
أولا لستِ زوجته بعد مجرد عقد قران يربطكما و هناك فارق ضخم , ثانيا حتى لو كنتِ زوجته فعليا , فما له لا يعني أن يكون لكِ
ارتجفت شفتا نسيبه غيظا و هي تشعر بحريقٍ داخل ص*رها حريق تشعر به كلما حاول أحدهم سلبها ما اقتربت من امتلاكه فكتبت تجيبها
السبب الحقيقي في عقد القران هو أن أتصرف في ماله . و كان هذا بناءًا على رغبته
وصلها الرد بسيطا دون رحمة
نعم هذا ما يطلق عليه اسم الأمانة بالمناسبة فماذا فعلتِ أنتِ ؟! لم تتصرفين بها وفق ما طلبه , بل استوليتِ عليها لنفسك إن كنت تريدين حقا جعله يتقبل ما فعلتِ , عليك التوقف عن ادعاء أنه الحق حينها سنبدأ في التفكير عن كيفيه تجعله يتقبل خطأك و يسامحك عليه
ظلت الكلمات تتلاعب بعقل نسيبة طويلا قبل أن تخفض الهاتف الغالي بجوارها فوق السرير المتهالك و هي تنظر الى السقف محاولة التفكير ربما لو انتهجت طريقة شغف !
عبست بشدة و هي تهزر رأسها ببطء
لا هي ليست مخطئة كي يتنازل و يسامح و ربما حينها يطلب منها تصحيح الخطأ اذن , فماذا ستفعل بعد أن تعترف بالندم ! ما الحجة التي ستتخذها ؟!
هزت رأسها نفيا بسرعة و هي ترفع ذقنها بت**يم و عيناها تبرق بقسوة
غدا ستواجهه و ستقنعه ولو بالقوة أو بالإغراء لو تطلب الأمر . ساهر لم يكن منيعا أمام عشقها أبدا و لن يكون الآن