الفصل الخامس عشر

3976 Words
خاطر سعيد بهيج  ارتشف كلًا من ثلاثتهم نفساً عميقا من أرجيلته بصوتٍ بدا كعزفٍ جماعي بديع لفرقة مكونة من ثلاث أفراد جالسين على خطٍ واحد  خاطر , سعيد , بهيج  كما كان يحلو لأستاذ اللغة العربية في صغرهم أن يدعوهم دائما بنفس الترتيب قائلا طرأ لي خاطر سعيد بهيج في سؤال كلاً منكم سؤالًا مفاجئاً  قم أنت أولا يا خاطر  و كان يتنبأ لثلاثتهم بنصيبٍ من أسمائهم ! نفث الثلاث نفساً أعمق محملًا بالدخان الأبيض رافعين رؤوسهم بكل فخرٍ و إباء بإنجاز تلك الغيمة فوقهم  مرت السنوات و ها هم الثلاثة يجلسون في المقهى بمفهومها الحقيقي و ليست المقاهي المستحدثة الدخيلة من الغرب بل هو مقهى بكراسٍ خشبية معظمها م**ور  و الأرض ذات مربعاتٍ ذابت من أقدام الأجيال العاطلة المتتابعة فوقها  مقهى ذو عبق  عبق الأدخنة و الأحلام المدموغة فوق تذكرة ذهابٍ بلا عودة  تكلم سعيد قائلا بعد أن سحب نفساً آخر ملأ ص*ره فسعل كاتماً نفسه قائلًا وهو يلوح بعصا الأرجيلة  أنت محظوظ والله يا خاطر لكنك تأبى الاعتراف , ها أنا و قد تزوجت  ما الذي حصلت عليه سوى المسؤولية و النكد و التفكير في مصاريف مدارس الأولاد اللذين لم يلتحقوا بالروضة بعد ! احمد ربك كي لا تزول النعمة  سحب خاطر نفسا عميقا دون أن يرد و دون حتى أن يلتفت إليه هكذا هو سعيد دائما  يهوى إنكار أي نعمة يحصل عليها و يظل يشكو الحظ التعيس لن يبالغ و يقول أن سعيد قد حظى بمستقبل رائع لكنه على الأقل أفضل منه و من بهيج  فقد ساعده والده في الزواج و البقاء معه في بيته بعد أن تزوجت شقيقته الوحيدة و خروجها لبيت زوجها  و فتح له مشروعاً عظيماً يهدف لخدمة البشرية  متجر لبطاقات شحن الهواتف المحمولة , يجلس داخله طوال اليوم متكئاً و كأنه يملك إقطاعية ابن من على رأسه ريشة  دون إغفال وضع ذات الشهادة الجامعية في نفس الإطار المتفق عليه بالجملة  لكن  و مع وضع ألف خط تحت كلمة لكن  أنه يأخذ كرامته معه كل يوم صباحاً وهو خارج من باب البيت  لا يتركها تحت الوسادة  و هذا في حد ذاته يتوجب الشكر امتنانا عليه كل ساعة و كل لحظة  طفليه نعمة تزين الواقع القاتم على الرغم من سماجتهما و بكائهما المستمر  فحين يقرر سعيد احضارهما معه , تتحول الجلسة الى بؤس و كآبة و بكاء  و قسرا يتم التناوب بينه و بين بهيج على أرجحتهما في الأراجيح القريبة حتى يرتشف الإثنين المتبقيين الأرجيلة  لكنهما على الرغم من كل ذلك نعمة , تشعر الإنسان أن امتداده في الحياة ساريا  تكلم بهيج بنبراتٍ متباعدة وهو يلوح بعصا أرجيلته أيضا و كأنها صولجان الحكم في الحياة لا حل لك سوى الهرب يا خاطر  اسمع مني و اهرب كما فعل شقيقك اهرب على متن أي مركب مسافرة كما يفعل المئات و لا تنظر خلفك  بهيج يعد النذل الأكبر في هذه الثلاثية  عاطل مع سبق الإصرار انتظر العمل بشهادته طويلا و حين لم يوفق طبعا لم يتنازل و فضل البطالة  مقنعاً أسرته أن هذا هو نصيبه و عليهم أن ييأسوا من توقع أي مساعدةٍ من جانبه بمنتهى الصراحة ليس هذا فحسب  بل بدأ مؤخراً في التعاطي خفيفاً فبدأت لحيته في الظهور دون اهتمام و عينيه في الاحمرار و التبلد في الشعور  لم يحاول يوما الاستماع لنصيحة من بهيج ...وهو لا يبقي على صداقته الا بدافع العشرة متوقعاً أن ينقذه من مصيبةٍ ما في أي يوم  تكلم سعيد مستنكراً لا تسمع نصيحة من هذا المعتوه يا خاطر  فقد ضيعت المكيفات التي يتعاطاها المتبقي من عقله , أتريد الغرق كمن يذهب بلا ثمن ! احمد الله على ما أنت فيه, لا أرى مشكلة تواجهك  فلما تهرب ؟  نفث خاطر نفسا قويا في السماء الداكنة فوق رؤوسهم  ثم قال بهدوء مخاطبا النجوم ليت الوضع يستمر الأعباء تزداد و لم أعد قادرا على الإيفاء بها  لوح سعيد بعصا أرجيلته قائلا  اسمع . لنفكر تفكيراً منطقياً عملياً ماذا ستجني أختك من متابعة الدراسة الجامعية و تلك الدروس التي تق** الظهر حاليا ! ثم هل تعرف ثمن الكتب في كلية الطب تلك التي تود أختك الالتحاق بها ! فلتزوجها زيجة بسيطة و هذه تعد وحدها ثلث الأعباء  لتتزوج من تنتقل الى بيت أهله مباشرة و تنتهي من مسؤوليتها  لم يرد خاطر وهو يسحب نفساً عميقاً دون أن يلتفت إليه , فض*ب بهيج الطاولة بكفه المفرودة قائلا بثقة  و أنا مستعد لي الشرف بالزواج من أختك  نفث خاطر سحابة بيضاء عاليا  ثم أخفض عصا الأرجيلة ليلتفت لبهيج ممسكاً بمؤخرة عنقه يقرب رأسه منه بقوة ثم قال ببساطة يخاطبه بصوتٍ هادئ يحمل بين طياته نبرة فولاذية  هل تعرف ما نلقبها به في البيت ؟  الدكتورة مروة !  لذا حفاظاً على العشرة بيننا , أخرج الدكتورة مروة من أي موضوع يدار في هذه القمة المنعقدة كل ليلة  رفع بهيج كفيه مستسلماً دون رد  فترك خاطر مؤخرة عنقه ملتفتاً لسعيد سائلًا بنبرة أكثر بأساً  مفهوم ؟ رفع سعيد كفاً متفهماً يومئ برأسه قبل أن يتم الإمساك بمؤخرة عنقه هو أيضاً  فهو أب مسؤولٌ الآن و لن يكون لائقاً في حقه أمام رجال المقهى  عاد ثلاثتهم لعزف نفس المقطوعة من سحب نفسٍ مليءٍ بنغم فقاقيع الماء في الأرجيلة و نفثه في الهواء الى أن قال سعيدا متأففا بعنف  ما الذي أتى بهذا الشخص الآن !  رفع خاطر رأسه ليرى لؤي مقبلا من البعيد يحي هذا و يلوح لذاك  مما جعل خاطر يغمض عينيه هامسا من بين شفتيه المطبقتين  لا ليس الآن أيضا  وصل لؤي اليهم قبل أن يسحب كرسياً ليجالسهم دون اذن هاتفاً بمزاح ثقيل  مجموعة العجائز . ألم تملوا بعد من هذه الجلسة ؟! أراكم بها منذ كان عمري خمس عشر  لوح لصبي المقهى كي يجلب له أرجيلة هو أيضا , بينما نفث ثلاثتهم نفسا طويلا بملامح متبلدة دون الابتسامة على الدعابة  حتى قال سعيد بفظاظة  ألم تتزوج ؟  اذن اطمئن , ستنضم إلينا كل ليلة قريباً , و هذا من حسن حظنا طبعاً   ضحك لؤي قائلا وهو يحرك يده على معدته قائلا بسماجة  لم أنزل الليلة الا رغبة في هضم أكلة الأسماك و البحريات التي تناولتها بشراهة   ثم ضحك مقهقها وهو يض*ب ساق خاطر بكفه ممازحاً هاتفاً  تعرفون الرجل منا يحتاج الى المزيد من الفسفور  ثم أخذ يضحك على مزحته بينما وضع خاطر كفه على عينيه هامساً  لا , هذا كثير   كتم سعيد ضحكه بصعوبة وهو يمد يده ليمسك بمع** خاطر فوق الطاولة يحثه على أن يتماسك و لا يفقد سيطرته  أما بهيج فقال مخرجاً من جيبه ظرفا صغيرا وهو يقول بصوتٍ ضائع  لدي لك شيئا أفضل من الفسفور لكن هات ثمنه أولا   نهض خاطر من مكانه ساحباً سعيد من كتفه قائلا  انهض من هنا يا سعيد , الجلوس معهما بات شبهة  تبعه سعيد ضاحكا بينما نادهما بهيج من خلفهما بحيرة  الى أين ستذهبان ؟  لكن لم يلتفت إليه كلاهما بينما ينحني سعيد ضاحكا مقهقها , و ظل خاطر متجهما قليلا , قبل أن يبتسم أخيرا وهو يهز رأسه يائسا  ثم لم يلبث أن ضحك قائلا  من كان يتوقع أن يصيب أستاذ محروس في تنبؤاته  و أن بهيج سيصبح له نصيب من اسمه بهذا الشكل المبالغ فيه !  استمر سعيد في قهقهته عاليا وهو يسعل حتى وضع يده على ص*ره متن*دا بقوة بينما وقف خاطر واضعا كفيه في جيبي بنطاله ينظر الى الطريق أمامهما مبتسما  فربت سعيد على كتفه قائلا بهدوء  ستف*ج يا خاطر  اطمئن  مستحيل أن يستمر الوضع على هذا الحال للأبد  تكلم خاطر قائلا ببساطة وهو يراقب الطريق و السيارات المسرعة مرت سنوات على تخرجنا يا سعيد  هل تظن الأمل لا يزال موجوداً ؟  وضع سعيد كفيه بنطاله هو الآخر ناظرا لنفس الطريق ب**ت دون رد  و لم يحت خاطر لرد , بل اكتفى بوقفة حداد لمدة ثلاث دقائق بجوار صديقه احتراما لكآبة اللحظة  قبل أن تفلت ضحكة من بين شفتي سعيد تحولت الى هيستيريا ضحك , وهو يقول من بين ضحكاته  منظر بهيج وهو يخرج ظرف البهجة من جيبه يأبى أن يبارح ذهني !  ابتسم خاطر لا يود الضحك , الا أن المنظر عاد و داهمه فضحك مغمضًا عينيه  و استمر الاثنان في الضحك عاليا فوق الرصيف و المارة ينظرون إليهما بتعجب  الى أن سمع خاطر رنين هاتفه فأخرجه من جيبه وهو لا يزال يضحك ناظرا الى الرقم الذي يطلبه  فتوقف عن الضحك فجأة بعينين متسعتين , قبل أن يرفع يده الى سعيد كي يتوقف عن الضحك  لقد كان هذا رقم ابن الحاجة نعمات فقد وصل إليه بعد عناء طويل وهو يعلم أن الرقم يتم تسجيله في الشركة لكن الحصول عليه كان مضنيا  و سبق و اتصل به خلال اليومين الماضيين كثيرا الا أنه لم يحصل على أي رد  حتى هذه اللحظة !  و ها هو يتصل به الآن  شعر خاطر بسعادة كبيرة وهو يرد مسرعا , فوصله صوت رجل يقول بلا تعبير  هذا الرقم اتصل بي عدة مرات  من صاحبه ؟  قال خاطر بسرعة  اسمي خاطر علي عبد السميع  موظف بشركة شحن  جاءه الرد باردا دون حماس  لا أعرفك  أومأ خاطر قائلا  نعم نعم الموضوع طويل بدأ منذ بضعة أشهر , لكن اختصاراً كي لا أضيع المزيد من وقتك أنا الموظف في شركة الشحن و الذي قام بإيصال هدية منك الى والدتك في دار الأمل و منذ هذا الوقت أتردد عليها كي أطمئن عليها و هي بخير تماما , لكنها تسأل عنك باستمرار و تتمنى رؤيتك و قد وعدتها أن أحاول الوصول اليك لأبلغك شوقها لرؤيتك   قاطعه صوت الرجل بخشونة مفاجئة قائلا  لا يحق لك التدخل في أمورٍ شخصية  بأي حق تتصل بي ؟ **ت خاطر فجأة مجفلا , ثم تكلم قائلا بصوتٍ متردد  الأمر ليس شخصيا كما تظن , أنا وعدتها فقط أن  قاطعه الرجل قائلا بصوتٍ بدا عنيف الآن  لا تتدخل و لا تقحم نفسك فيما لا يعنيك و الا تواصلت مع الشركة التي وظفتك و قدمت شكوى مباشرة ضدك   عقد خاطر حاجبيه بشدة ثم هتف بغضب انفجر بداخله في لحظة  اسمع يا هذا  كنت متوقعاً أن أرى منك بعض البرود حيث أنني أتواصل مع شخص يرفض الاطمئنان على أمه منذ اشهر  لكنني لم أتخيل أن أواجه مثل تلك الدناءة  إنها أمك و قد تفاجأ بخبر رحيلها في أي يوم , أي خللٍ تعانيه يا رجل ! صرخ الرجل بهياج حيوانٍ أفلت من حظيرته , و تناهى الى مسامع خاطر أقذع الألفاظ فصرخ فيه بصوتٍ أوقف المارة و أرعب سعيد الذي يراقبه بصدمة  أنت شخص غير محترم . باختصار أغلق الخط يا حيوان  ثم أغلق الخط بعنف قبل أن يسمع المزيد من القذارة ... ثم وقف يلهث من الدهشة الممتزجة بالجنون و الغضب , فاقترب منه سعيد بحذر قائلا  هدئ من أعصابك ما الأمر ! نظر إليه خاطر مكفهر الملامح دون رد  ثم هز رأسه وهو لا يزال منفعلا  يضايقه الحقراء يضايقونه جدا حد الجنون  ..... هل تتخيل مرور نصف ساعة كاملة و أنت لازلت تتكلم عن ابن الحاجة نعمات ؟ قرأ خاطر رسالتها بوجهٍ متجهم لا يزال الغضب يتحكم بملامحه  فزفر كاتبا  لقد أصبتك بالملل أليس كذلك ؟  وصله الرد منها ببساطة  لو شعرت بالملل لخرجت من المحادثة ببساطة  و دون استئذان مط خاطر شفتيه وهو يهز رأسه حنقا  لا ينقصه صراحتها الفجة الآن فكتب لها مختصرا  لماذا لم توقفيني اذن ؟! أعترف أنني حين أنفعل أتحول لقطارٍ مندفع بلا قائد  وصلته رسالة منها  وجه يضع نظارة سوداء  . أنا فقط متعجبة من شدة انفعالك لهذه الدرجة ! ماذا توقعت غير ذلك ؟  عبس خاطر وهو يكتب لها مندفعا  نعم توقعت بعض الدناءة لكنني تخيلت حين أخاطبه , لربما شعر بالخجل من نفسه و استيقظ ضميره  انتظر منها الرد  لكنها أطالت و حين وصله الرد كان وجوها ضاحكة جعلته يتجهم أكثر ثم تبعتها  أحيانا أشعر إما أن بداخلك طفل بريء للغاية  أو أنك بارع في التمثيل لدرجة خطيرة !  عقد خاطر حاجبيه بشدة  ثم كتب يرد عليها  لا تخبريني عما يدعوني للتمثيل  لأبهرك بالطبع أليس كذلك ؟!  مرت لحظات من ال**ت دون أن يصله أي رد فازداد انعقاد حاجبيه الى أن رآها تكتب ثم وصلته الرسالة  لا . هذه المرة لا تريد إبهاري , فاطمئن   مط شفتيه وهو يهز رأسه بسخرية ثم كتب لها  أنت امرأة معقدة  أتعلمين هذا ؟ وصلته رسالة ضاحكة  لم تحوي وجوها ضاحكة , بل حروفا من الهاء متشابكة في سطر واحد فقط دون كلمات ترى هل كانت تضحك فعلا !  فكتب لها قائلا  كفى كلاما عني  لماذا لا تتكلمين عن نفسك مطلقا ؟ ساد ال**ت مجددا دون رد فعل  ثم وصلته رسالة شعر فيها بالحذر الشديد يتكلم من يحتاج الى من يسمعه  و أنا لا أريد الكلام بل أجيد السماع . فهو يسليني  يسليها ! تلك الكلمة قد تحتمل معاني عديدة ! عقد حاجبيه قليلا ثم كتب لها مبتسما باستياء سعيد أنني قمت بتسليتك. لما لا تمنحيني بعضا من نفس المتعة ؟!  سليني قليلا   وصله ردا من عدة وجوه ضاحكة  ثم سؤال  أتفكر في شيء غير محترم ؟ هز رأسه وهو يضحك ضحكة ساخرة خافتة  ثم لم يلبث أن كتب يرد عليها آمرا كلميني عن نفسك يا شغف  ساد ال**ت و الترقب بينهما  أو ربما كان الترقب من جهته هو فقط الى أن وصله الرد لما لا أمنحك متعة تخيل تلك الشخصية المجهولة التي تخاطبها على مدى عامٍ كامل ؟!  تكلم عني  كما تراني   أدرك أنها تحاول الهرب من طلبه الا أن بعضا من اللهفة جعلته يود الكلام عنها كما يراها !  فرفع اصبعه يمر به على ذقنه ببطءٍ و عيناه تبرقان قليلا  ثم بدأ يكتب ببطء  أنتِ امرأة مفعمة بالألم   أرسل لها تلك العبارة و انتظر . فلم يجد منها أي رد أو استجابة , فهل ابتعدت عن الشاشة ؟!  لا يظن ذلك . يظنها رأت الجملة وهي تنظر إليها صامتة تماما  يظنه أصاب الهدف ! فتشجع و مد أصابعه يكتب مجددا  جبانة كتب الكلمة و ض*ب زر الإرسال بقوة مبتسما بانتصار ساد ال**ت للحظات قبل أن ترسل إليه نفس الكلمة  جبانة ؟ أومأ خاطر برأسه و كأنها تراه  ثم كتب إليها يقول نعم  تظنين أن تلك الشاشة بيننا هي الحاجز الذي يحميكِ من هذا العالم الب*ع المحيط بكِ  لا تقدرين على المواجهة و تفضلين الاختباء و الكلام من خلف قناع.شككت كثيرا أنكِ ربما تعانين تش*ها جسديا أو إعاقة مثلا  شيء ما يوجعك و يجعلك تتعاملين خلف حاجز   مرت بضع لحظات بينهما  فعقد حاجبيه بتوجس , ترى هل أغضبها ؟ رائع يا خاطر  الأنثى أعطتك الفرصة الأولى للكلام عنها , فأفسدت الأمر تماما  عوضا عن إخبارها ببعض الأكاذيب التي قد ترضي أنوثتها و غرورها . تخبرها أنها معقدة , مفعمة بالألم , جبانة , مش*هة وتختبئ خلف قناع ! لما لا تدس لها بضعا من أقراص حبوب بهجة بهيج و تبلغ عنها الشرطة !  غ*ي ! حين طال ال**ت سألها بحذر  هل أغضبتك يا شغف ؟ ابتسم ساخرا وهو يتجرأ على وضع علامة التعجب ببراءة  سيكون معها كل الحق لو أرسلت له رمز الحذاء و حذفته للأبد  حاول أن يكتب لها شيء يطيب خاطرها لكن صوت باب غرفته فتح فجأة دون مقدمات و دون طرقٍ أو استئذان  فسارع بإغلاق الحاسوب قبل أن يلتفت ليرى مروة تدخل الغرفة رافعة حاجب و عاقدة الآخر كأمين شرطة و هي تنظر الى الحاسوب المغلق للتو ! ثم أجالت عينيها في الغرفة المظلمة حتى استقرتا على شقيقها مكرم النائم في سلام  ثم أعادت عينيها الى خاطر الجالس ينتظر منها أن تنهي دورية التفتيش تلك قبل أن يسألها بدهشة  عذرا أهو اسطبل هذا الذي اقتحمتِه للتو دون استئذان ؟ ازداد ارتفاع حاجب أمين الشرطة في وجهها و هي تنظر نظرة ذات مغزى الى الحاسوب المغلق  ثم قالت بحزم بطيء لما التذمر ؟ ماذا كنت تفعل  كان دوره ليرتفع كلا حاجبيه فسألها دون تردد  شيء لا يخصك أرجعت مروة رأسها للخلف و هي تراقبه من تحت جفنيها بنظراتٍ متفحصة فسألها بحيرة  ماذا تريدين ؟ و لماذا لازلتِ مستيقظة حتى هذه الساعة ؟ ظلت تنظر حولها , حتى أنها نظرت خلف الباب الممسكة بمقبضه مما جعل حاجبي خاطر يرتفعان أكثر فانتظرها الى أن نظرت اليه مجددا ثم قالت  أريد أجر حصة اللغة الإنجليزية   تن*د خاطر و مط شفتيه قائلا  هل هذا ما جعلك مستيقظة حتى هذه الساعة ؟! . ستجدين الحافظة في جيب بنطالي المعلق خلف الباب , خذي المال منها   تركت الباب لتفتش البنطال حتى وجدت الحافظة فأخرجتها ممسكة بالبنطال تحت ذراعها و ذقنها و هي تعد المال الموجود بها  فضحك خاطر بخفوت وهو يهز رأسه قائلا  سيكون لكِ مستقبل رائع كزوجة مفتشة لملابس زوجها و مصادرة كل ما يقبضه أولا بأول علقت مروة البنطال خلف الباب مجددا بانتظام ثم استدارت اليه مبتسمة و قد أخذت ما أرادت  لكنها ظلت واقفة مكانها و خاطر يراقبها رافعا حاجبه حتى فتح كفيه سائلا  أهناك شيء آخر ؟ أتريدين ملابسي ؟ خذيها  خذي ملابسي و أحذيتي أيضا يا مروة  هل أخبرك شيئا  خذي نصيبي في الدجاجة بطعام غذاء الغد أيضا يا مروة  تكلمت مروة قائلة  لا شكرا هذا كل ما أحتاجه اليوم لكن  لكن **تت ما أن سمعت مكرم يتكلم قائلا بنعاس  توقفا عن هذه الضجة  ألا يمكنني النوم قليلا دون إزعاج  نظر خاطر الى مروة مشيرا الى شقيقه قائلا الولد لديه حق  هيا اخرجي من هنا تن*دت مروة و هي تتشجع قائلة  أريد الكلام معك في موضوعٍ هام يا خاطر   فتح ذراعيه وهو يهتف بنفاذ صبر  ماذا ؟ نظرت الى مكرم الذي تأفف عن قصد ثم قالت بتردد  ليس هنا  على انفراد لو سمحت   رفع خاطر حاجبا مرتابا وهو يردد بعدم راحة  على انفراد لو سمحت ؟ أومأت مروة مصرة فتأفف وهو ينظر الى الحاسوب نظرة جانبية بضيق  تبا لهذا  كان يود متابعة هذا الحوار و بشدة  لكنه لم يلبث أن قام من مكانه مشيرا إليها كي تخرج باستياء واضح فسبقته مروة وهو يتبعها متأففا مع كل خطوة حتى وقفت مكانها و هي تراه ينوي الدخول الى الغرفة التي تتشاركها مع شيماء , فهمست بحزم  لا . بل على انفراد  نظر خاطر إليها بتوجس أكبر , فتبعها حيث اتجهت الى المطبخ ثم استدارت إليه ووقفت تفرك أصابعها بتردد واضح  مما جعله يعقد حاجبيه وهو يراقبها بتفحص , ثم قال بقلق  لا تخبريني أن في الأمر طلبا للمزيد من المال أرجوكِ !  رفعت مروة وجهها اليه ثم هزت رأسها نفيا و قالت  لا. إطلاقا , اطمئن   زفر براحة , الا أن ملامحه بدت أكثر شكا فاقترب منها هامسا بعدم راحة  اذن ما الأمر ؟  لماذا تبدين مرتبكة بهذا الشكل ؟!  هل يضايقك أحدهم و تخشين الكلام ؟   عندما سأل سؤاله الأخير , خرج من بين شفتيه و قد برقت عيناه عنفا تلقائيا و استعدادا للخروج في منتصف الليالي طلبا للحرب  الا أن مروة سارعت بالقول  لا أبدا  الموضوع لا يخصني , بل في الواقع  يخصك أنت  ثم **تت مخفضة وجهها , فاتسعت عيناه قليلا , ثم سألها  يخصني أنا ؟ هل أنت متأكدة أن لا دخل للمال في الأمر ؟ تن*دت مروة قائلة بنفاذ صبر  لا دخل للمال في الأمر أخبرتك  أنا كنت أريد محادثتك في شيء ما ألاحظه عليك منذ فترة , لكن  الأمر صعب نظرا لفارق العمر بيننا و حساسية الموقف  أرجع خاطر رأسه للخلف قائلا ببطء  حساسية الموقف ؟ أهي أحاديث تخص الفتيات يا مروة ؟ رفعت وجهها تنظر إليه مجفلة , فسارع للقول متنصلا من الأمر بسرعة متخذا أقصر الطرق للهرب بمنتهى النذالة  لأنه لو موضوع يخص المراهقات و ما شبه  فأنا لست الشخص المناسب . يمكننا الاستعانة بشادية فهي أخت عزيزة و من المؤكد ستود رد الكثير من خدماتي لها  مطت مروة شفتيها و هي تردد ممتعضة ( مراهقات ! أنا سألتحق بكلية الطب مع بداية العام المقبل إن شاء الله .) فتح خاطر كفيه متسائلا بغباء ( اذن ! ) أخذت مروة نفسا عميقا قبل أن تقترب منه ثم أمسكت بكلتا كفيه فجأة مما ضاعف من قلقه و توجسه لكنها همست بصوتٍ شديد الخفوت كي لا يسمعه غيرهما ( خاطر  منذ فترة طويلة ألاحظ أنك تجلس أمام الحاسوب ليلا في الظلام بعد نومنا جميعا  و تسارع بغلقه كلما دخل عليك أحد .) حاجبه المرتاب ارتفع أكثر  الا أنه سألها ببطء ( و ؟!! ) تكلمت هامسة بخجل أكثر ( كما أنني كلما استخدمت الحاسوب بعدك ألاحظ أنك حرصت على تسجيل خروجك من كافة الحسابات ) ارتفع الحاجب المرتاب أكثر وهو يكرر ( و ؟!! ) زمت شفتيها للحظة قبل أن ترفع وجهها اليه و همست بحزم ( اسمع يا خاطر أنا أختك  ربما لست الكبرى لكنني أكبر البنات , يمكنك أن تعتبرني أحل محل أمي رحمها الله , لذا لا تخجل مني و لا تغضب و لا تأخذك الكرامة فتصرخ في وجهي كما أتوقع أن تفعل  أنا والله أتكلم لمصلحتك , لا أتمنى أن تغضب ربك بهذا القدر ... هذا الأمر حرام حرام حرام  و من واجبي أن أنصحك  ) اشتمت أنفه على الفور رائحة كريهة تسود الجو مما جعله يقول بنبرة حذرة  ( ما الذي تقصدينه بالضبط ؟! ) همست من بين أسنانها منفعلة على الرغم من أن نبرة صوتها لم تتعدى الهمس الغير مسموع تقريبا ( أقصد الذي فهمته بالضبط . تلك المواقع التي يدخلها الشباب فيشاهدون أشياء لا يجب أن يروها  ) اتسعت عينا خاطر بذهول قبل أن ينقلب الذهول جنونا وهو يدفع يدها ليقبض على مؤخرة ياقة منامتها يهزها هامسا بصدمة ( من أين لكِ بمعرفة المواقع التي يدخلها الشباب يا فتاة ؟! من أين لكِ بمعرفة ما لا يجب أن يروه ؟! انطقي فورا ) على الرغم من قبضته الممسكة بمؤخرة عنقها الا أنها تكلمت ممتعضة بكل إباء ( بالله عليك سألتحق بكلية الطب خلال أشهر معدودة . لم أعد طفلة ! ) هزها خاطر بقوة وهو يهمس هتافا مرتاعا ( حين تلتحقين بكلية الطب ان شاء الله سيكون لنا كلاماً آخر  أما الآن فكيف لكِ بمعرفة هذه الأشياء ؟!! ) همست مروة بعنف عاقدة حاجبيها و قد عادت لشخصية أمين الشرطة على الرغم من أنه هو من يقبض على مؤخرة عنقها ( سياسة الهجوم خير وسيلة للدفاع لن تفدك هذه المرة يا خاطر  ) اتسعت عيناه أكثر وهو يهتف يهزها مع كل كلمة ( و هل تظنين أنني أحتاج الى الدفاع عن نفسي أمامك ؟! أنسيت أنني كنت حتى وقت قريب كنت أترك لعب الكرة مع أصدقائي في الطريق و أوصلك البيت كي تدخلين الحمام ثم أعود إليهم !) مطت مروة شفتيها و هي تقول ببرود ( هذا الوقت القريب يعد أكثر من إثني عشر عاما ... ما بال السنوات تمر بالنسبة لك أياما ! ) زم خاطر شفتيه وهو يحاول السيطرة على ذهوله و غضبه , بينما تابعت مروة تقول بنبرة أكثر لطفا ( لا يأخذك الكبر يا خاطر .أنا أختك و أهتم لأمرك  هذه الأمور مضرة نفسيا و حرام والله و ستزيد البيت فقرا  ونحن لا ينقصنا المزيد من ضيق الحال  ) فغر فمه وهو ينظر اليها مخفضا رأسه نظرا لفارق الطول و الحجم بينهما و قد عجزت الكلمات عن الخروج وهو يرغب في الضحك عاليا ثم ض*بها على مؤخرة عنقها آمرا إياها الا تكرر هذا الكلام مجددا أخيرا حين نظر الى عينيها ورأى النظرة الصارمة فيهما و حاجبيها المنعقدين كذراعيها فوق ص*رها بينما ياقة المنامة لا تزال في قبضته أفلتت منه ضحكة غاضبة رغما عنه وهو يهز رأسه مستنكرا ثم لم يلبث أن تركها فعدلت سترة منامتها بعنف بينما قال مشددا على كل كلمة ( لا يا مروة أنا لا أفعل هذا  اطمئني أولا , ثم قومي عمل مسح لهذا الجزء من ذاكرتك لأنني لا أشعر بالراحة في الحوار معك حول ما  يخصني  فلنكتفي بهذا القدر ) ضيقت مروة عينيها و سألته بشك ( هل تقول الصدق يا خاطر ؟!  ) برقت عيناه بتهديد جعلها تبتلع المتبقي من شكها و قالت بخفوت ( حسنا  حسنا . لكن , ماذا تفعل بالحاسوب ليلا اذن ؟! هل لد*ك صديقة ؟! ) أجفل خاطر للحظة  الا أنه تمالك نفسه بسرعة و قال آمرا بصرامة ( اذهبي للنوم فورا يا مروة ) زفرت بقوة و هي تستدير لتخرج من المطبخ بخطواتٍ غاضبة  الا أنه ناداها فجأة فالتفتت إليه متسائلة و لا تزال عابسة .... لكن ملامحه كانت أكثر هدوءًا وهو يقول ببطء و على شفتيه شبه ابتسامة قد لا تكون ظاهرة ( ابقِ كما أنتِ يا مروة , بنفس البراءة و الالتزام و خوفك على أهلك فقد زاد اطمئناني عليكِ و عليهم للتو  ) ابتسمت فجأة ابتسامة جميلة و هي تشعر بالزهو من كلماته البسيطة , الا أنها أبت الا و أن تفسد اللحظة فقالت بهدوء أمٍ حكيمة ( اذن يا خاطر ما لا تقبله على أختك لن نقبله على بنات الناس  لو كانت لك صديقة فتقدم لها رسمياً و إن كانت تحبك ستقبل ب*روفك  ) أشار بسبابته الى باب المطبخ آمرا بقوة أعلى ( للنوم يا مروة  حالا ) خرجت من المطبخ و هي تتمتم بكلماتٍ متذمرة مستاءة , بينما ظل خاطر واقفا مكانه غير مصدقا بعد للحوار الذي دار بينهما للتو قبل أن تفلت منه ضحكة جديدة ذاهلة  لكن كلمات مروة ذكرته بآخر ما أرسله لشغف قبل أن يغلق الحاسوب ! مما جعله يعقد حاجبيه هامسا تباً! ثم عاد مسرعا لغرفته لحاسوبه , يفتحه بسرعة علها تكون متواجدة , لكنها كانت قد رحلت خرجت دون ردٍ على رسالته الأخيرة الفظة  فزفر بقنوط وهو يعيد قراءة كلماته البائسة شاتما نفسه , لاعنا غباءه  مد أخيرا يده ليكتب ببطء ( آسف  لم أقصد أن أزيد من آلامك التي لم أعرف عنها شيئا حتى الآن , لكن أريد فقط اخبارك أنه أياً كان شكلك أو ما تعانين منه جسدا أو روحا  فأنتِ بالفعل تجيدين الاستماع  لذا أتخيل كم أنتِ مهمة لمن حولك  ) أرسل تلك الرسالة ليغلق الحاسوب متن*دا بضيقٍ شديد ما الذي دهاه كي يماثلها فظاظة في الكلام ؟!  
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD