استلقت درة في سريرها ناظرة الى سقف غرفتها و رأسها فوق ذراعيها المتشابكتين بملامح باهتة و نظراتٍ فارغة
ترى صورا مرتسمة من الماضي منذ بداية اقتحام قاسم لحياتها أو ربما اقتحامها هي لحياته !
الى أين نحن ذاهبان يا أمي ؟
همست بهذا السؤال بصوتٍ خفيض في اذن زوجة والدها الأولى و هي تستقل معها سيارة أجرة ذات العشرة ركاب , الا أن نظرة زوجة والدها لها كانت غريبة و غامضة فلم ترد عليها و أدارت وجهها للجهة الأخرى
فزاد القلق بنفسها وهي تنظر من نافذة السيارة المفتوحة فتطير خصلات شعرها المنفلتة من ذ*ل حصانها الناعم فتبتسم برقة للنسيم الذي يداعب وجهها .
لا تزال تتذكر قبضة زوجة والدها و هي تمسك بكفها و كأنها طفلة صغيرة تخشى أن تضيع منها على الرغم من أنها في ذاك اليوم كانت في السابعة عشر من عمرها حتى وقفتا أمام باب بيت الحاج رحيم
و كانت تعرف البيت الكبير فهو أحد كبار بلدتهم الصغيرة و كانوا يأتون لساحة بيته في الأعياد كي يلعبون صغارا لكنها في هذا اليوم تشعر بالقلق لسببٍ غامض و كلا منهما ترتدي السواد فعادت لتسأل بخفوت بعد أن ضغطت زوجة والدها جرس الباب و انتظرت من يفتح لها
ماذا نفعل في بيت الحاج رحيم يا أمي ؟
مجددا نفس النظرة الغير مقروءة في عيني زوجة أبيها لكنها لم تجد الفرصة حيث فتحت الخادمة البيت فشدت على قبضتها و قالت مبتسمة
الحاج رحيم ينتظرنا
أشارت لها الخادمة كي يدخلا الى بهو البيت و منه الى غرفة استقبال الضيوف فجلست زوجة أبيها و هي تقول بهدوء لطيف
تعالي و اجلسي بجواري يا درة
جلست درة بجوارها بملامح شديدة القلق و همست بصوتٍ شديد الخفوت
أخبريني فقط ماذا نفعل هنا منذ بداية الصباح ؟
استدارت إليها زوجة أبيها في مقعدها و نظرت الى وجهها طويلا قبل أن ترفع كفها لتحيط به وجنة درة ثم ابتسمت قائلة بهدوء
تعترفين يا درة أنني ربيتك كواحدة من بناتي بعد موت والدتك و لم أفرق بينك و بين أي منهن مطلقا ؟! فعلى الرغم من زواج أبيكِ و **ره لقلبي الا أنني لم أحملك الذنب مطلقا و تقبلتك بين أطفالي ما أن أحضرك بعد وفاة والدتك
أومأت درة ببطء و الخوف يداهم أمعائها بعنف ف*نهدت زوجة أبيها ثم تركت وجنتها لتنظر أرضا متابعة بصوتٍ حازم
اذن لعل هذا يشفع لي عندك
فغرت درة شفتيها و هي تقول بوجهٍ ممتقع
يشفع لأي شيء ؟
لم تجد زوجة أبيها الفرصة كي تجيب فقد دخل الحاج رحيم مرحبا ببشاشة فالتفتت كلا منهما اليه وهو يدخل برفقة ابنه قاسم .
كان قاسم هو ابنه و ذراعه الأيمن في العمل و القائم بكل أعماله مؤخرا بعد أن بدأ يشب عن الطوق و كانا يتحدثان في العمل قبل دخولهما مباشرة ف**ت قاسم و عيناه تقع على درة جالسة بساقين متقاطعتين ترتدي الأ**د و تجمع شعرها في ذ*ل حصان مرتاح فوق كتفها بينما أصابعها متشابكة بتوتر فوق ركبتيها ترمقهما بقلق وملامح شاحبة .
بينما تكلم الحاج رحيم مبتسما وهو رجل لا يزال يتمتع بجاذبية الشكل وقوة البنيان رغم الشعر الأبيض , بخلاف الهيبة و الوقار
مرحبا مرحبا بابنة الأصول أهلا بكِ يا سيدة نجوى
نهضت نجوى من مكانها و هي تمسك بذراع درة تحثها أن تنهض مثلها فقامت درة ببطء و هي تشعر أن ساقيها رخوتين و غير قادرتين على حملها
تكلمت زوجة أبيها قائلة بأدب
مرحبا بكِ يا حاج يا صاحب العز و الأصل أكرمك الله
كانت درة تستمع الى الترحيب بقلبٍ يرجف دون سبب بينما تشعر بعينين قويتين تتربصان بها و هي تعلم صاحبهما دون أن تنظر إليه لطالما ضايقها في صغرهما بكل الوسائل و الطرق حتى باتت كلما رأته بأحد الشوارع ... تستدير و تعود من حيث أتت
لكنها الآن تجاهلته تماما و كل اهتمامها منصب حول ما يحدث و لا تفهمه و لا تطمئن له
بدت زوجة والدها مترددة للحظة , ثم استدارت إليها قائلة بخفوت
انتظريني في الخارج قليلا يا درة لدي كلام مع الحاج رحيم
تسمرت مكانها للحظة و زاد قلقها أضعافا الا أنها تحركت ببطء و هي لا تزال ملتفة إليهما حتى ارتطمت بقاسم مما جعلها تنتفض مستديرة اليه هامسة بتوتر
آسفة
الا أن عيناه كانتا **همين نافذين اخترقا عينيها ببريقٍ خاطف مما جعلها تبتلع أسفها فسمعت صوته الأجش يقول بخفوت دون مشاعر واضحة
البقاء لله يا درة
رفعت وجهها اليه مجددا , ثم ردت باختصار
البقاء لله أشكرك
ثم تجاوزته و خرجت بقدمين متعثرتين ووقفت على بعدٍ من باب غرفة الجلوس تحاول معرفة ما يحدث بالضبط
تكلم رحيم قائلا بلطف
آمريني يا سيدة نجوى أعرف أنني مقصر بحقك منذ وفاة زوجك رحمه الله , لكن كل طلباتك مجابة بإذن الله
ردت عليه نجوى بخفوت
الأمر لله صاحب واجب و بيتك بيت الكرم كله يا حاج رحيم
بدت مترددة قليلا و هي تخفض وجهها فاقتربت درة أكثر مختبئة خلف زاوية اطار الباب ترهف السمع .
فتكلمت نجوى قائلة بارتباك
الأمر يخص . كنت قد طلبت مني بشكل شخصي البحث عن شابة للزواج يا حاج لكن موت والد الأولاد و ما تلا
رد عليها رحيم قائلا
بالتأكيد , انسي الأمر الآن و اطلبي ما تريدين
رفعت عينيها الى قاسم بنظرةٍ ذات مغزى و هي تقول
حين سبق و طلبت يا حاج كان قاسم موجودا فهل أتابع كلامي أمامه الآن ؟
أحاط رحيم كتفي ابنه بذراعه وهو يربت على ظهره بكفٍ قوية قائلا بحزم
تكلمي أمامه فأنا لا أخفي شيئا عن ولدي مطلقا . و قد كبر و أصبح رجلا , يعرف أن لوالده الحق في الزواج مجددا فلم يعد في العمر قدر ما ولى
أومأت نجوى برأسها شاردة قليلا ثم قالت بصوتٍ مقتضب خالٍ من الشعور دون أن ترفع عينيها
طلبت شابة قوية لا امرأة في منتصف العمر
تنحنح رحيم بحرج وهو يقول مرتبكا
تعرفين أنه قد مر وقت طويل بعد وفاة الحاجة . و
ردت نجوى قائلة بسرعة
مفهوم مفهوم و طلبك عندي يا حاج , لهذا جئتك بدرة
شهقت درة بذعر و هي تضع كفها على فمها متراجعة للخلف بعينين متسعتين جنونا بينما انتفض رأس قاسم وهو يستدير تجاهها لينظر اليها بعينين كقاذفتي لهب و ملامح الذهول و الصدمة على وجهه كانت أكثر عنفا من صدمتها
بينما كان الحاج رحيم هو أول من تكلم فقال بدهشة و عدم تقبل
لكن درة صغيرة للغاية حين طلبت شابة كنت أتوقعها في الثلاثين من عمرها لا السابعة عشر !
قالت نجوى باقتضاب
الظروف حكمت يا حاج لم يعد لدي شيء هنا , و قد أرسل لي ابني كي أسافر و أستقر معه ... و درة لن يكون لها مكان أو عائل بعد وفاة والدها و إن لم ترغب في الزواج بها سأتركها أمانة عندك يا حاج أنت كبيرنا و لم تغلق باب بيتك بوجه محتاجٍ قط خاصة فتاة من بنات بلدتك أنا لا أستطيع اصطحابها لتبقى مع ابني و زوجته يكفيه أن يستقبلني أنا
ساد ال**ت بينهم جميعا بينما كانت درة تهز رأسها بعدم تصديق و يدها لا تزال على فمها تكتم صرخة تود شق جدران البيت الكبير
أما نظرات قاسم لها فلم تنساها حتى يومها هذا كانت تقارب الخطر !
تكلم رحيم أخيرا قائلا بحزم
توكلي على الله و سافري لابنك يا سيدة نجوى و الأمانة في الحفظ و الصون
أومأت نجوى برأسها قائلة بخفوت
كنت أعلم أنني سأتركها مع من يصونها سأتركها الآن و أرسل حقيبتها , فلست قادرة على تحمل اللوم و العتاب
ثم خرجت دون كلمة أخرى حتى وجدت درة في وجهها تهز رأسها بعدم فهم . تفتح كفيها تسألها إن كان ما سمعته في الداخل حقيقة أم ض*با من الجنون !!
أمي !
فأمسكت نجوى بذراعيها تقول بصوتٍ خفيض
اعذريني يا درة . لقد أديت واجبي بالكامل حتى آخر لحظة , مع كل يومٍ كنت أرعاكِ فيه و أتجاهل الألم بقلبي محكمة ضميري و أراعي ربي فيكِ كنت أنتظر اللحظة التي يخف فيها الحمل عني. لم يترك والدك شيئا و أنا سأسافر لابني فلمن أتركك ؟.حتى البيت هو بيت والدي في الأساس و تركته لابنتي تسكنه مع زوجها
هتفت درة و قد بدأت دموعها المحتجزة في الانسياب على وجنتيها بهلع
آتي معك أو أسكن مع واحدة أخواتي
تن*دت نجوى و هي تملس ذراعي درة ثم قالت بخفوت
هناك حد أقصى للعطاء يا درة عليكِ أن تكوني واقعية منذ اليوم , سامحيني يا ابنتي أنا آسفة
لم تدر درة أن دمعة قد انسابت على وجنتها الباردة و هي مستلقية في فراشها حتى استفاقت من سيل ذكرياتها على صوت جلبة و صراخ بدأ يتعالى فنهضت بسرعة تخرج من غرفتها نحو صوت الشجار
حتى وقفت عند باب غرفة يارا و هالها الصراخ الدائر بين يارا و سلوان لدرجة التشابك بالأيدي و كلا منهما تحاول خ*ف الحاسوب و كان منظر يارا مريعا و هي تبكي بعنف و تشهق غير قادرة على التقاط أنفاسها
حتى صرخت في النهاية بجنون
هذا الحاسوب اشتراه لي أبي ليس من حقك أن تأخذيه مني , أنتِ تنتقمين مني بسبب ما فعله بكِ
تسمرت سلوان مكانها تنظر لابنتها بصدمةٍ ووجهٍ شاحب بينما بدت يراها غير قادرة على التقاط أنفاسها أكثر و أكثر فاندفعت درة للداخل هاتفة و هي تفتح أحد الأدراج
أين البخاخة الخاصة بها ؟. إنها تعاني من ضيقٍ في النفس
للحظاتٍ ظلت سلوان ساكنة مكانها قبل أن تنتفض لتتجه لدرج المكتب و تخرج منه البخاخة الخاصة بيارا و هتفت قائلة بحزم
افتحي فمك هيا
فتحت يارا فمها و أخذت ثلاث دفعات من البخاخة قبل أن تمسك بها درة و تأمرها قائلة بهدوء
تعالي و استلقي في سريرك .
استلقت يارا في فراشها و درة ترتب لها الوسائد رافعة رأسها قليلا , بينما يارا تهمس من بين شهقات بكائها التي أصبحت خافتة مجهدة الآن
أريد حاسوبي أرجوكِ يا درة خذيه منها
ربتت درة على كتفها قائلة
انسي الحاسوب الآن ولتتناقشا غدا فقد هدئي من روعك قليلا
ثم أغلقت الضوء و نظرت الى سلوان التي كانت ولا تزال واقفة مكانها في الظلام و الحاسوب بين ذراعيها
فقالت تنبهها
تعالي يا سلوان و اتركيها تنام قليلا هيا
خرجت سلوان ببطء و هي تنظر الى ابنتها التي انقبلت مديرة ظهرها لها , فراقبتها قليلا و هي ممسكة بمقبض الباب في الضوء المنبعث من الخارج الى الغرفة المظلمة قبل أن تغلقه بهدوء ثم استندت إليه و هي تطرق بوجهها قبل أن تغمض عينيها و تبكي دون صوت
كتفت درة ذراعيها و هي تنظر إليها ب**ت متجهم ثم قالت بحذر
عليك أن تكوني مرنة قليلا معها لم تعد طفلة
و كأنها قد أطلقت العنان لسلوان التي رفعت رأسها و فتحت عينيها بنظرةٍ غريبة عليها من الشراسة و هي ترفع إصبعها هامسة بقسوة
( إياكِ إياك و محاولة ابداء أي نصيحة تخص تربيتي لابنتي , حين تصبحين أما ذات يومٍ لأطفال شاء حظهم التعس أن تكون أمهم خاربة للبيوت أفعى و لصة حينها قومي بتربيتهم بالطريقة التعيسة التي تنفعك
رفعت درة كفيها و قالت ببرود
كما تشائين
ثم انصرفت دون إبداء أي كلمة أخرى فنظرت سلوان حولها و هي ترى نفسها في هذه الساعة من الليل وحيدة و مكروهة من ابنتها فأرجعت رأسها للخلف تستند الى الباب و الدموع تنساب من عينيها دون شهقاتٍ أو نحيب