كان قراره ألا يخبر نعمات عما رآه من خسة ابنها و عقد العزم على أن يتعمد كل مرة بث الأمل في نفسها مع وعدٍ جديد في أن يحاول إيجاد رقم هاتفه و الوصول إليه , و يظل هكذا الى أن يحين الأجل !
على الأقل سترحل حاملة نصيبا من اسم الدار التي تأويها الأمل !
لكن اتصالا مفاجئا من الدار , جعلته يتجه اليها اليوم حيث أخبرته المديرة أن نعمات تود رؤيته لأمرٍ هام
حيث كان قد ترك لهم رقم هاتفه , تحسبا لأي طارئ أو ربما لو حان الأجل , فليكن متواجدا على الأقل
وهذه هي المرة الأولى التي تطلب منه نعمات القدوم ! ترى هل هي مريضة ؟ هل هي ؟
اتجه خاطر مباشرة الى غرفة نعمات التي كانت مفتوحة الباب لكن و قبل أن يدخل توقف فجأة رافعا حاجبيه وهو يراها تجلس مكانها في كرسيها بجوار النافذة كما اعتاد رؤيتها لكن هذه المرة كان هناك شيئا مختلفا
كانت تضحك بقوة و تسعل مع كل ضحكة و على ما يبدو أن سبب هذا الضحك و السعال هو ذاك النمس الجالس أمامها
رجل يماثلها عمراً أو أكبر. يقص عليها بعض النكات ضاحكا , فتضحك كل مرة أكثر و تسعل كل مرة أقوى !.
ارتفعت زاوية شفتي خاطر وهو يكتف ذراعيه مستندا بكتفه للباب مراقبا ما يحدث بينما قالت نعمات من بين ضحكاتها المتعثرة
أسعدك الله يا عبد المهيمن . منذ عصورٍ لم أضحك بهذا القدر !
تكلم الرجل بصوتٍ مرهق لكنه لم يفقد نبرة العبث و الضحك على مدى أجيال
و أنا لم أُضحِك أحدا هكذا منذ عصورٍ أيضا آخر نكتة قمت بإلقائها كانت في صيف عام ألف تسعمائة اثنان و ستون
عادت نعمات لتغطي وجهها بكفيها المتعرقين و هي تضحك بشدة حتى خشى خاطر أن تزهق أنفاسها و يفقدها ضحية نكتة بإصدار جديد بعد خمسين عام من إلقائها أول مرة ! .
حين يئس من أن يفطن أيا منهم لوجوده تنحنح قائلا بمكر
الله الله الله . أرى أن هناك من احتل مقعدي !
انتبهت نعمات لوجوده فالتفتت هاتفة بسعادة
خاطر أتيت يا حبيبي ؟
رفع أحد حاجبيه مجيبا بنبرةٍ ذات مغزى
كما تشائين. يمكنني ألا أكون قد أتيت بعد , لو كان وجودي يعد تطفلا في هذه اللحظة البديعة !
ضحكت نعمات و هي تلوح بكفها
كفى سخافة و تعال يا ولد لتسلم على عمك الأستاذ عبد المهيمن
مالت ابتسامة خاطر تسلية وهو لا يعرف هل عليه أن يضحك أم يغضب !
حين وصله اتصالٌ من الدار للمرة الأولى يطلبون قدومه ظن أنها الساعات الأخيرة في حياة نعمات
فما السبب الذي يجعل عجوز تطلب من إدارة الدار الاتصال بشابٍ غريب عنها تماما كي يأتي إليها !
لم يتخيل أن تأتي به على ملىء وجهه كي " يسلم على عمه الأستاذ عبد المهيمن
تحرك خاطر و دخل الغرفة بتمهل وهو ينقل عينيه بينهما مبتسما ابتسامة مقصودة حتى وصل الى نعمات فمدت كفيها تمسك بيده تشد عليها قائلة بحماس
هذا هو خاطر الذي كلمتك عنه يا عبد المهيمن سلم على عمك يا خاطر
هز خاطر رأسه ضاحكا دون صوت الا أنه انحنى يمد يده للرجل المبتسم ببشاشة كبيرة رغم تجاعيد الزمن لكن يد الرجل امتدت في اتجاهٍ مخالف منتظرا , فغمزت نعمات لخاطر مشيرة لعيني عبد المهيمن , حينها فقط انتبه خاطر أن العينين الضاحكتين لا تبصران فبهتت ابتسامة خاطر الا أنه أمسك بكف الرجل و شد عليها بيديه قائلا بصوتٍ ممازح
تشرفت بلقاء منافسي . فعلى الرجل منا الانسحاب بروحٍ رياضية حين يجد نفسه خارج السباق حول امرأة جميلة
ضحكت كلا من نعمات و عبد المهين بقوة فقال الأخير بمرح
إنه لطيف كما وصفته تماما يا سيدة نعمات أخبريني عن شكله
سارعت نعمات تقول بمحبة
ما شاء الله . شاب طويل و عريض يملأ العين و يشغل القلب أسمر بعينين خضراوين شاب كالورد يا أستاذ عبد المهيمن
وضع خاطر كفه على جانب ذقنه محاولا كتم ضحكته قدر الإمكان
شاب كالورد ! آخر مرة تم وصف أمثاله بهذا الوصف كان صيف ألف تسعمائة اثنان و ثلاثون
انحنى خاطر حتى جثى أرضا بجوار كرسي نعمات ممسكا بذراع المقعد يهمس في أذنها قائلا
ماذا يفعل رجلا غريبا في غرفتك يا نعمات ؟! ألم يكن لتلك النكات أن تلقى في حديقة الدار ؟
عادت لتضحك بشدة و يا للعجب قد احمر وجهها بشدة !
إنها من ذاك الجيل الذي يحمر خجلا من أي ملحوظة حتى و إن كانت مجرد مزحة
لو أطلق مزحة كهذه على مسامع جارته سمية مثلا لضحكت تحييه كفاً بكف دون خجل بناءًا على ما تلتقطه الأعين كل يومٍ دون خجل من نافذة غرفتها فهناك أناس ولدت بينها و بين الحياء عداء بالفطرة و هي و زوجها حبة فولٍ قسمت نصفين في انعدام الحياء
ض*بته نعمات على كفه الممسكة بذراع مقعدها قائلة بحزمٍ ضاحك تقاوم خجلها
توقف يا ولد بالطبع تتساءل عن السبب الذي جعلني أحضرك الى هنا
نظر خاطر الى عبد المهيمن نظرة جانبية و قال بهدوء
كنت أتساءل بالفعل قبل أن أدخل الى هنا لكن الآن فهمت أنني مطلوب كمزهرية ورد بينكما
ض*بته نعمات على كفه قائلة و هي تضحك
يا ولد كفى و اسمعني الأمر جاد
**تت للحظة تلتقط أنفاسها ثم قالت تشد على كفه بقوة و هي تخاطب عبد المهيمن
خاطر يا عبد المهيمن هو الذي يحاول الوصول لرقم ابني الجديد و سيأمره أن يأتي لزيارتي لذلك فهو خير من يفعل المثل مع أبناءك
كان خاطر ينظر الى عبد المهين ببلاهة , الى أن نطقت نعمات بعبارتها الأخيرة فالتفتت رأسه كالرصاصة قائلا بغباء
ماذا ؟ من يفعل ماذا مع من ؟
شددت نعمات على يده أكثر و هي تقول بدهاء
أبناء عبد المهيمن شغلتهم الحياة قليلا مثل ابني يا خاطر كان الله في عونهم , لا نلومهم لكن نحاول أن نحكم خطة نجبرهم بها على أن يعاودوا التواصل معنا من جديد
كان خاطر يستمع إليها بفمٍ مفتوح ثم قال بصوتٍ غير متفائل
آآآه و ما هي هذه الخطة بالضبط ؟
قالت نعمات بحماسٍ بالغ و كأنها تحمي سرا صغيرا بين أضلعها , تفتق تفكيرهما عنه بمكرٍ نادر
بعد أن تعارفنا عرفت أن لدى عبد المهيمن حفيدة , عرف عنها من ابنه , قبل أن ينقطع عن زيارته هي الآن شابة عروس , لكنه لم يرها من قبل فقد تربت في الخارج حيث ولدت و في آخر اتصال أخبره ابنه أنها الآن هنا في البلاد و كل مرة يعده أنه سيأتي و يحضرها معه كي يراها , الا أنه ينشغل دائما كان الله في عونه لذا فكرنا في خطة عظيمة , فكرنا أن يتعارف ابني عليها هنا بيننا , علهما يرتبطان و نكون نحن السبب حينها لن يتركانا أبدا
ساد ال**ت المهيب بعد ما سمعه للتو بفمٍ فاغر على أقصى اتساعه . منتظرا أن تضحك و تخبره أنها مجرد مزحة من مزحات الأستاذ عبد المهيمن الا أن الحماس على وجهي العجوزين كان كفيلا بالإجابة المرعبة !
تكلم خاطر أخيرا قائلا بصوتٍ مبهور دون تعبير على وجهه
الله !. الله ! الله ! و ما المطلوب مني تحديدا ؟
ردت عليه نعمات بنفس الحماس
أن تصل الى حفيدته و تحضرها الى هنا و بالطبع تكون قد وصلت لرقم ابني و تحضره في نفس اليوم ونحن سنحاول بعدها أن يكررا الزيارة في نفس المواعيد حتى يتقاربا
نقل خاطر عينيه بين عبد المهيمن و بين نعمات ثم هتف
الله الله و لماذا لا يتصل عبد المهيمن بحفيدته بنفسه ؟
قالت نعمات بحرج
حاول لكنها مشغولة على ما يبدو لذا نريد منك أن تتواصل معهما و تحثهما على المجيء , استخدم كل أسلحتك العاطفية و لا مانع إن أخبرتهما أن صحتنا ليست على ما يرام و هذا ليس كذبا , فأنا أعاني من التهاب المفاصل و الضغط و عبد المهيمن يعاني من السكر و النقرس
نظر اليهما مجددا ثم سأل بصوتٍ أجوف
تريدان مني الاتصال بالرجل و القول " السلام عليكم أنا شاب لا تعرفه أحتاج أن آخذ ابنتك معي لرؤية جدها " و أستخدم أسلحتي العاطفية كذلك ؟
أومأ كلا من عبد المهيمن و نعمات بحماس أكبر فخورين بالخطة الجبارة مما جعل خاطر يهتف
الله الله أنا سعيد , حين استيقظت اليوم كنت أشعر أنني سعيد والله دون أن أعرف السبب , و الآن فقط عرفت
شدت نعمات على كفه هاتفة بلهفة
اذن يا خاطر هل أنت موافق يا حبيبي ؟
أغمض خاطر عينيه للحظة , ثم تن*د لابد من الحقيقة المرة مهما كانت مؤلمة , لذا رفع وجهه إليها قائلا بهدوء لطيف قدر الإمكان
اسمعي يا نعمات ابنك
الا أن نعمات قالت بلهفة شديدة
أنت أملنا الوحيد يا خاطر تملك الصحة في التنقل من هذا لتلك و محاولة إقناعهما , حنن قلبيهما علينا يا حبيبي و أنت لد*ك حضور و محبة يبعثها الله في قلب من يراك على الفور. ستنجح في اقناع اقناع اقناع
عقدت حاجبيها قليلا و هي تحاول التذكر بصعوبة , ثم لم تلبث أن ضحكت بذهول و هي تحاول مجددا
اللهم صل على سيدنا محمد اسمه كان على طرف ل**ني !
عقد خاطر حاجبيه وهو يسألها بحيرة
من هو يا نعمات ؟
حكت جبهتها و هي تغمض عينيها محاولة التذكر
ابني اسمه اسمه
ازداد انعقاد حاجبي خاطر بشدة , فرفعت وجهها تنظر إليه بذهول و هي تضحك
يا للهي الاسم على طرف ل**ني , الا أنني لست قادرة على استحضاره
تكلم عبد المهيمن قائلا
يحدث هذا لي كثيرا يا نعمات , عليكِ فقط الانتظار لبضعة دقائق و ستتذكرين
تن*دت نعمات قائلة و هي تربت على كف خاطر
المهم ستقنعهما , أليس كذلك يا خاطر ؟
فتح خاطر فمه ليرد , الا أنه لم يستطع النطق وهو يطالع وجه نعمات المتلهف بلوعة فرفع يده الأخرى ليربت على كفها الممسكة بيده مبتسما بعجزٍ دون كلمات و بعد **تٍ طويل التفت الى عبد المهيمن و سأله بصوتٍ جامد
هل لد*ك رقم الفتاة نفسها أم أتصل بوالدها و ستكون النهاية كما أتوقع بين أقسام الشرطة مع المتحرشين ؟
تكلم عبد المهيمن بلهفة وهو يتلمس ص*ره ليخرج من جيب قميصه ورقة صغيره بأصابعٍ مرتعشة
هذه الورقة عليها رقم الإثنين يمكنك المحاولة مع كليهما
التقط خاطر الورقة متن*دا بعنفٍ مكبوت قبل أن ينهض مغادرا
تاركا خلفه في الغرفة رجلا و امرأة لم يتخيل أن يكون لديهما متبقيا من الأمل في حياة جديدة بأحلامٍ جديدة طفولية !
يعرف أن الشيخوخة قد تؤثر على رجاحة العقل في مرحلةٍ ما من العمر لكن خطتهما تعدت كل مراحل المنطق و سافرت الى المريخ
إنهما من الجيل الذي قد يتعلق فيه قلب الفتاة بمن يحييها مبتسما بأناقة قائلا
نهارك سعيد يا آنسة
لقد توقف بهما الزمن هناك في هذا العصر من البساطة و السهولة في كل شيء ... حتى الحب و الزواج !
زفر خاطر بقوة وهو يقبض على الورق بعنفٍ حتى جعدها
لا لا لم يكن هذا هو هدفي من زيارة هذا الدار مطلقا !
كنت آتي طلبا لعلاج نفسي لا إعطاء الأمل المستحيل للغير !
ما الذي أقحمت نفسك فيه يا خاطر ؟! أين ذهب ل**نك يا أ**ق و أنت توافق على هذه التخاريف !
....
طرق خاطر باب غرفة مديرة الدار . فاستقبلته مبتسمة و هي تقول
أعتذر أننا اتصلنا بك و أحضرناك . ربما كنت مشغولا , لكن نعمات مصرة على رؤيتك و تقول أنها لا تستطيع الانتظار شهر أو شهرين كلما زرتها فهي تريدك على الفور
تكلم خاطر قائلا بخفوت
لا بأس أنا تركت رقمي لهذا الغرض. أخبروني عند دخولي أنكِ تودين مقابلتي قبل مغادرتي
تكلمت مديرة الدار و هي تشير إليه بالجلوس قائلة بتهذيب و ابتسامة لطيفة
نعم , أعرف أنك شخصا غريبا عن نعمات و أنك تأتي الى هنا متطوعا فقط لكن بما أنك الوحيد حاليا و الذي تلجأ اليه نعمات , توجب علي إخبارك عن مكانها المستقبلي لو كنت تود الاستمرار في زيارتها
عقد خاطر حاجبيه بعدم فهم متسائلا
مكانها المستقبلي ؟ هل سيتم نقل مقر الدار ؟
هزت مديرة الدار رأسها بأسفٍ قائلة
للأسف , نعمات فقط من سيتم نقلها لدارٍ أخرى أظنك تعرف أن ابنها قد انقطع عن زيارتها و الإتصال بها منذ فترة طويلة حتى أنه يرفض التواصل معنا و نحن لا نعرف مكانه تحديدا فعلى ما يبدو أنه قد ألحق والدته بالدار كي يحصل على الشقة فقام ببيعها و انتقل لمكانٍ آخر و على ما يبدو أيضا أن الهدية التي أرسلها بواسطة شركتكم كانت هدية وداع و منذ هذا الوقت امتنع عن دفع مصاريف نعمات في الدار لدينا حالتين فقط ممن يمتنع الأولاد عن زيارة والديهما ... نعمات و الأستاذ عبد المهيمن , على أن عبد المهيمن حاله أفضل قليلا فابنه لا يزال منتظما في دفع المصاريف و يتصل به على أوقات مبتعدة , الا أنه لم يأتِ للزيارة منذ وقتٍ لا بأس به
ازداد انعقاد حاجبي خاطر مع كل كلمة حتى توقفت عن قصد فسألها بصوتٍ خشن
اذن ؟
تن*دت قائلة بحرج
الدار هنا ليست جمعية خيرية يا خاطر هي دار خاصة بمصاريف , يمكنك اعتبارها دار استضافة للاستجمام لدينا العديد من الخدمات و الرعاية الكاملة و كل هذا بالتأكيد لقاء تكلفة مادية لذا و بعد أن امتنع ابن نعمات عن السداد لفترة طويلة , لن يكون أمامنا سوى نقلها الى أحدى دور الجمعيات الخيرية
هتف خاطر بقوة و انفعال
ماذا ؟ لكنك تعلمين أن المعاملة في تلك الدور ليست جيدة تماما , و لا رعاية من الأساس إن كانت المعاملة لد*كم ليست رائعة تماما فما بالك بمكانٍ مجاني !
زمت مديرة الدار شفتيها و اكفهر وجهها , فقال خاطر متراجعا بخشونة
دون إهانة شخصية
قالت مديرة الدار بحزم
اسمع أنا أعلم أن بعض الموظفات قد تنفعل أحيانا بعدم صبر كحالنا جميعا فنحن بشر و لكننا نحاول جاهدين مراقبة الأوضاع قدر الإمكان
قاطعها خاطر بصرامة
حال الدار عندكم سنناقشه فيما بعد , أما الآن فكل ما يهمني هي نعمات كيف تخرجونها بهذه القسوة لأن ابنها توقف عن الدفع ؟ أي رحمةٍ تلك التي تتحدثون عنها اذن ؟
فتحت المديرة كفيها تقول بصبر
هذه دار مدفوعة الأجر للاستضافة يا خاطر هناك العديد من الدور الخاضعة للجمعيات الخيرية و سأعمل على اختيار الأفضل منها )
هتف خاطر باستياء
لكن ماذا عن شعورها حين تعلم سبب طردها من الدار ؟ ألم يشغل هذا تفكيرك قبلا ؟
سألته المديرة بهدوء ملتزمة السيطرة حتى آخر نفس
هل أنت مستعد للتبرع بدفع أجر إقامتها هنا ؟
أجفل خاطر و فتح فمه لا يعلم ما يمكنه قوله فهز رأسه بإشارة غير مفهومة , الا أنها فهمتها و قالت مبتسمة بعطف
هذا ما ظننته . أنا آسفة يا خاطر . حقا آسفة
هز رأسه مجددا غير موافقا وهو يهتف مستاءًا
تبا لهذه القسوة و جمود القلب ! يستطيع من هم في مثل أعمارنا التحمل , لكن ماذا عمن لم يعد لهم جهد أو صحة ألهذه الدرجة الظلم يطحن الجميع دون تمييز !
تن*دت مديرة الدار و هي تقول بحزم
أنا متفهمة احساسك يا خاطر . أنت انسان طيب لكن
هتف خاطر باستياءٍ أكبر
تبا لهذا التفهم الجامد
**تت السيدة و هي تدير وجهها المتجهم و قد بدأ صبرها ينفذ ف**ت هو الآخر زافرا بقوة غير مصدقا
ثم سألها بعد فترة **ت بصوتٍ قانط
اليوم حدث شيء غريب كانت تتكلم بطريقة طبيعية جدا , لكنها فجأة نست اسم ابنها و لم تستطع تذكره مطلقا على الرغم من أنها تتذكر كل شيء عنه و تحيك الخطط كي تراه , فهل هذا طبيعي ؟
عادت مديرة الدار لتبتسم بتعاطف هامسة
لقد شخص الطبيب حالتها منذ فترة قصيرة بداية الزهايمر يا خاطر مع الأسف
سقط ظهر خاطر متراجعا للخلف بوجهٍ خالٍ من أي تعبير و كأن هذا هو الطبيعي , هذا هو المتوقع
نعم هذا أكثر من منطقي
و حين تكلم أخيرا سألها بصوتٍ باهت
هل ستنساني مع الوقت ؟
مالت ابتسامتها بتعاطف أكبر و هي تقول بلطف
آسفة يا خاطر
أطرق برأسه وهو يستند بمرفقيه الى ركبتيه متن*دا بتعب ثم سأل بجفاء
و مع ذلك تصرين على طردها !
لم ترد مديرة الدار على الفور لكنه سمعها تقول بخفوت
نحتاج الغرفة يا خاطر ونحن لسنا قساة القلوب كما تتخيل يا خاطر , لكنها دار مدفوعة ... هذا نظامها , فلو أبقينا على الجميع دون دفع فلن ت**د الدار و ستتحول الى نفس الدور التي تخشى منها , نحن لا نعتمد على التبرعات بل الأبناء هم من يدفعون لقاء إقامة أهلهم
ضحك خاطر بسخرية مستهزئا ثم عاد لينظر أرضا وهو يسألها بتبلد
متى ستغادر ؟
أجابته بهدوء
سننتظر شهرا و نحاول خلاله الاتصال بابنها باستمرار لعله يستجب و يرأف بحال أمه
نهض خاطر من مكانه مستديرا كي يغادر دون كلام فقالت مديرة الدار من خلفه
هل نخبرك بمكانها فيما بعد يا خاطر ؟
توقف ويده على مقبض الباب مظلم الملامح ثم أجاب بصوتٍ ميت
لا نهايتي هنا في هذا الدار و لن أكررها مطلقا