ساد سكونٌ مفاجئ وثقيل، كأن الغابة كتمت أنفاسها، ثم انفجر صدى ضحكة "آرثر" الجنونية ليخترق أعماق الغابة السوداء. لم تكن ضحكة بشرية، بل كانت صرخة انتصارٍ أيقظت الأشجار العتيقة؛ فبدأت أغصانها تتراقص في حركة غريبة، وكأنها تفتح أذرعها الخشبية لتستقبل وريث العرش الموعود؛ ذاك الذي سيجعل من هذا العالم مكاناً أكثر خوفاً ورعباً مما كان عليه.
في تلك اللحظة، بدأت القابلات عملهن ببرودٍ شديد تجرد من كل رحمة، لتنطلق صرخة الملكة "لون" الممزقة وهي تتلوى فوق التراب: "آرثر.. أرجوك لا تفعل هذا بي.. أرجوك!"
كانت تتوسل وسط آلام مخاضٍ فظيع ينهش عظامها، لكن "آرثر" لم يبالِ بضعفها ولا بدموعها؛ ظل واقفاً بظهره نحوها، ينظر نحو الأفق حيث يظهر قصره العظيم بشموخٍ طاغٍ. كانت الملكة تصرخ بوجعٍ لم تشهده أنثى من قبل، والعرق يتصبب من جبينها بغزارة، كأنها شلالات تحاول عبثاً تطهير هذه الليلة الملوثة بغدره. ومع آخر صرخة انطلقت من حنجرة الملكة "لون"، شق هدوء الغابة صوتُ صرخةٍ مختلفة.. صرخة "صقر". كانت صرخاته من القوة بحيث جعلت الأشجار العظمية تنكمش على نفسها من شدة الخوف.
التفت "آرثر" في مكانه، وقد امتزجت الدهشة والذهول بأملٍ مظلم يملأ عينيه. اقتربت منه إحدى القابلات بخطواتٍ خائفة، ومدت يديها لتعطيه الرضيع. حمله "آرثر" بين يديه وتأمله طويلاً؛ كان "صقر" يملك من الوسامة ما لا يملكه أحد في هذا العالم، جمالاً يحيطه غموضٌ قاتل، ورعباً ينساب في عروقه كما ينساب الهواء في جسد هذا العالم الملعون. ابتسم "آرثر" ابتسامة ماكرة مسمومة، وهمس وهو ينظر إلى وجه الرضيع بانتصار: "كنت انتظرك بفارغ الصبر.. لم أكن أنتظر شيئاً بلهفة كانتظاري لقدومك."
من فوق التراب البارد، وتحت وطأة شحوبٍ شديد يوحي بالموت، همست الملكة "لون" بضعف: "بني..."
التفت إليها الملك "آرثر"، وبنبرةٍ خالية من أي لين قال: "لن أسمح لكِ بإفشال مخططاتي.. ابني هذا سيكون مؤسس عالم جديد لم يسمع أحد عنه من قبل، سيجعل كل من يراه يرتجف من الرعب."
ردت الملكة "لون" بصوتٍ متقطع بالكاد يخرج من ص*رها المحطم: "لا أرجوك يا آرثر.. لا تفعل ذلك.. ما ذنبه؟"
حدق فيها "آرثر" باحتقار وأجاب ببرود: "لقد أصبحتِ تبالغين في مشاعرك البشرية هذه الأيام، أليس كذلك؟.. لننهِ الأمر هنا يا ملكتي."
تحرك "آرثر" ببطءٍ مرعب، ووقف فوق الملكة الملقاة كحطام إنسان. رفع قدمه، وبكل قسوةٍ تجردت من الإنسانية، ضغط بها على بطنها بكل قوته. ارتفعت صرخة الملكة التي كادت تتمزق من الألم، وانفجر من جسدها دمٌ غزير، دمٌ كان يؤكد أن هذه الليلة هي النهاية. رفع "آرثر" رجله عن جسدها النازف، وأمسك بشعرها بقسوة، رافعاً رأسها لترى "صقر" وهو بين يديه، وقال ببرودٍ يضاهي صقيع الموت: "أنا أتأسف لأنكِ لن تري ابنكِ ملكاً ولن تشهدي ذلك، لكنني متأكد أنه لن يشعر بفقدانكِ أصلاً."
استجمعت "لون" آخر ما تبقى لها من روح، ونطقت جملتها الأخيرة التي سكنت في هواء الغابة كلعنةٍ أبدية: "لن يكون لك نور.. ولن يمشي في خطوتك الخبيثة ولن يركع لإرادتك يوماً.. إنه خُلق من أحشاء بشرية يشع من داخلها نور.. سيكون لك دمار قادم تشهد عليه الأرض بأكملها.. وحيث يُخلق الظلام، يكمن النور."
وبصوتٍ عالٍ شهدت عليه الغابة بأسرها، التقطت الملكة "لون" آخر أنفاسها ورحلت. لم يلتفت "آرثر" لجسدها الهامد، وأمر الحرس ببرود لإكمال مهمتهم. لكن فجأة، لمعت يد "صقر" اليسرى بحدةٍ مرعبة، وهجٌ بلونٍ أحمر قانٍ ظهر من كفه. رفع "آرثر" يد الرضيع بذهول ليرى الوشم.. سيفٌ محاط برموزٍ غامضة، رموز يعلم هو يقيناً ما هي، لتبدأ كلمات سحرة "الأرض السابعة" تتردد في رأسه كالصاعقة.
مرت ثلاثون سنة على تلك الليلة المظلمة التي تلطخت فيها أرض الغابة بدماء الملكة. ومنذ ذلك الوقت، حدث شيء غريب في عالم "أركـاث"؛ كأن الطبيعة غضبت لما حدث، فتوقف نبض الفصول تماماً. لم يلمس الثلج الأبيض هذه الأرض منذ عقود، واختفى الربيع، وحل مكانهم بردٌ جاف وقاسٍ لا يغادر المكان. أصبحت المملكة تعيش في خريف دائم، وهواء بارد يلسع الوجوه ويذكر الجميع بالخيانة القديمة.
كأنَّ عالم "أركـاث" بأسره استحال قيداً عظيماً، مكاناً موحشاً لا يعرفُ الرأفة ولا يجرؤُ النورُ على طرقِ أبوابه. وسط هذا السكون الخانق، نضج "صقر" ليكون كياناً غامضاً يسبقهُ صمتٌ ثقيل يخرسُ الألسنة؛ كائنٌ يعيش في عالمٍ لا يمدُّ للبشرِ بصِلة، عالماً تضطربُ فيه قوانينُ الطبيعة عند حضوره. فإذا خطت قدماه في مكانٍ، سكنت النبضاتُ وتجمد الهواءُ في الصدورِ رهبةً من جبروته. صار بمرور الأيام هو الكابوس الذي يخشى الناسُ خلف البوابة حتى الهمسَ باسمه؛ ذلك الجسد الذي امتزجت فيه دماءٌ متصارعة وقوةٌ عاتيةٌ لا تنتمي لهذا الوجود، ليصبحَ لغزاً مهيباً تسكنه كل أساطيرِ الرعبِ المنسية.
في ساحة التدريب الواسعة، وبين الجدران الحجرية التي تحمل آثار الزمن، كان صقر يفرغ طاقته في المبارزة. كان صليل السيوف هو الصوت الوحيد الذي ي**ر هدوء المكان. وبينما كان يواجه صديقه "نديم" بكل قوته وسرعته، ظهر حارس عند مدخل الساحة. كان الحارس يرتجف بوضوح، ولم يجرؤ على التقدم أكثر:
— "سيدي.."
لم يلتفت صقر، بل ظل ممسكاً بسيفه ونظراته مثبتة على خصمه، وقال ببرود يجمّد الدماء:
— "ماذا هناك؟"
رد الحارس بصوت متقطع من الخوف:
— "سيدي.. الملك آرثر وأخوك أريان بانتظارك في مجلس الشيوخ الليلة. يقول الملك إن الأمر طارئ جداً ولا يحتمل أي تأخير."
هنا، توقف صقر عن الحركة فجأة. خرج منه صوتٌ عميق وغاضب هز أركان الساحة:
— "أخبر ذلك العجوز أنني لستُ مهتماً بتفاهاته الليلة."
ارتبك الحارس بشدة وتراجع خطوة للخلف:
— "لكن يا سيدي.. الملك يشدد على حضورك، والشيوخ كلهم مجتمعون بانتظار وصولك."
لم يرد صقر، بل اكتفى برفع يده في إشارة حادة لكي ينصرف الحارس، وهذا ما فعله الحارس بسرعة وكأنه يهرب من الموت. حينها، غ*د نديم سيفه ببطء، ونظر لصديقه وقال بنبرة هادئة:
— "واضح أنك لا تطيق الملك حتى في ذكر اسمه.. سأتركك الآن لترتاح، ونلتقي غداً كما جرت العادة."
ثم حاول نديم أن يبتسم ليخفف التوتر وقال:
— "سأنسحب الآن قبل أن تفقد أعصابك وتقرر القضاء عليّ بدلاً من الملك."
رد صقر وهو يهم بمغادرة الساحة بخطوات ثقيلة تترك أثراً في الأرض:
— "احذر يا نديم.. ففي المرة القادمة قد تجد أمامك الوحش الذي أحاول حبسه بداخلي، وعندها لن يهمني أنك صديقي."
وفي جهة أخرى من هذا العالم، بعيداً عن القصر وقسوته، كانت هناك قرية صغيرة تسمى "أستيريا". ورغم الظلام الذي يلف المملكة، بدأ الناس هناك يتهامسون بنبوءة قديمة عن فتاة قادمة ستغير كل شيء، فتاة أسموها "إستيل".
في تلك الأيام، كانت "نور" تمر بشهور حملها الأخيرة. ورغم أن العالم من حولها كان يزداد برودة وظلماً، إلا أنها كانت تشعر بدفء غريب يسري في جسدها. لم يكن حملاً عادياً؛ بل كانت تشعر براحة وصفاء لم تعرفهما نساء البشر من قبل، كأن الطفلة التي تنمو في أحشائها تمنحها القوة لمواجهة الأيام الصعبة القادمة. كانت "نور" تنظر للسماء وتعرف أن هناك شيئاً عظيماً على وشك الحدوث، فجرٌ جديد بدأ يقترب ليمزق عتمة الثلاثين عاماً التي عاشتها "أستيريا"