الفصل الخامس والثلاثين

1495 Words
((الثقة هبةٌ مبجلة ، تريث عندما تقرر منحها لأحدهم ، لربما رأيتَ صورته بعينٍ واحدة ، افتح عينك الثانية لترى الصورة كاملة ، قبل أن تسقط في وحل الخذلان))) .................... أنا شخصياً أؤمن بأنّ الإنسان يولد مرتين ، مرة من رحم أمه ، ومرة من رحم الأيام والكوارث التي تقلب حياته رأساً على عقب ،فيولد إنساناً جديداً بكيان جديد . نحن لا نملك سلطة لتغيير جلودنا ، إنما تتغير القلوب والسلوك وحتى المبادئ. بعض الأزمات التي تمرّ فينا تكن قاسية جداً، لكنا على الأغلب نخرج منها أقوى وأشدّ ،وأكثر نضوجاً ، ومعظم النوائب التي تلمّ بنا تجعلنا أمام خيارين ، إما أن تهزمك ف*ندثر ، وإما أن تبني منك شخصاً جديداً على أنقاض نفسك القديمة ، وأحياناً بعض الظروف المتعبة تترك أثراً في النفس عميقاً ، تُخرج منك شخصيةً متوغلة داخلك حتى لو أنكرتها . ..................................... هذا الإعصار غير الطبيعي الذي مرت فيه مياس لن يمرّ مرور الكرام، بل ستخرج منه بشخصية جديدة كلياً ، هذا مافكرت فيه أروى وهي تطالع ظهر مياس، حيث وقفت تكتف ذراعيها أمام نافذتها بعد أن ارتدت سترتها، قطرات المطر تطرق القلوب قبل الزجاج ، مقلتيها السود ثبتتها على القطرات الصغيرة ورائحة المطر تحمل إليها رائحة حنين غريب، تناظر الليل الذي زحف ببطء على حي الورد ، ، أيقنت أروى أن مامرت به مياس دمّر داخلها مشاعراً وليدة ومعانٍ جميلة لن تعوض أبداً ، سيخلق فيها وحشاً عتيّاً لن يرحم ، غرورها المتأصل فيها زادت حدّته وقد يمحي كل مايعترض طريقها دون أدنى شفقة، كبرياؤها لم يتحطم وعنفوانها لم ين**ر ، بل باتا أقوى وأمتن ، تراها الآن كمحاربة أسطورية، أبيةً قوية الشكيمة . أما مياس، فآلاف الأفكار والنوايا غير البريئة تزدحم داخل عقلها، وهي تجاهد بكل قوتها لإعادة ترتيبها حسب الأولوية القصوى، ربما أفضل ما قامت به هو أن شاركت أروى بجراحها فخفف ذاك من مرارها ، وسدّ نزيفها الدامي ، لكن يظل طعمها كالحنظل، يُجترع بألف غصة . تعبت أروى من ال**ت هكذا فتساءلت بهدوء : مالذي تنتوين فعله الآن مياس؟؟ تنبهت الأخيرة إلى سؤالها فالتفتت نصف التفاتة لتناظرها من فوق كتفيها متسائلة بحيرة : علامَ أنتوي؟؟ وقفت أروى من مكانها لتخطو ناحيتها بتهادٍ حتى باتت خلفها، كتفت يديها أمامها وهي تتمتم بهمس متسائل : أقصد ماذا ستفعلين الآن ؟؟ استدارت مياس لتقا**ها وقد تجعد جبينها بعدم فهم فتابعت أروى بتوضيح : هل ستقدمين استقالتك من القضية لتبتعدي عن أويس ؟؟ في الثواني الأولى لم تجب ،بدت كما لو أنها تفكر ، مرّت لحظة ظنت أروى أنها خمنت إجابتها إلا أن مياس فاجأتها عندما قالت بنبرة ماكرة ، وابتسامة خبيثة شقت ثغرها : ومن قال أنني سأقدم استقالتي ؟؟ فتحت أروى عينيها بصدمة ثم أردفت بريبة : إذاً ، ستطلبين من اللواء تنحيته هو ، صحيح ؟؟ كل معاني الخبث والقسوة ارتسمت على محيا مياس أثناء استماعها لسؤال أروى فكانت تقاسيمها أبلغ إجابة قد تحصل عليها الأخرى، سقطت ملامحها بدهشة وهي تطالع وجه ابنة عمتها وتقاسيمه الغريبة، حركت رأسها بنفي ضعيف لتعاود سؤالها بشُبهة مُشككة : إذاً مالذي ستفعلينه مياس ؟؟؟ ارتفع ص*رها بكبرياء مغرور وهي تستدير لتعود إلى وضعها الأول ، قائلة بنبرة حوَت بين طياتها الشر : سأفعل كل خير يا أروى، كل خير ..... خير؟؟ بنبرتها تلك والخبث الذي طفى على تقاسيمها تشكك أروى بحصول خير من أساسه !!! المشكلة أنّ مياس لم تدرك بعد _ رغم كل ماحدث _ بأنها مهما فعلت مع أويس أو والدها ،فهي ستؤذي نفسها قبل الجميع ..... ................................. اصطفّت سيارة مازن أمام المبنى الذي يقطن فيه أويس ، رمق الاخير بنظرات جانبية فيما أويس لم يلحظ بعد أنهما قد توقفا أصلا ، كان شارداً تماماً ووجهه صفحة بيضاء لا تُقرأ ، صحيح أن أويس لم يتحدث رغم كل محاولات مازن ،إلا أن الأخير راضٍ بطريقة ما عن مرافقته له طيلة اليوم ، إنها المرة الوحيدة التي يبقى أويس برفقته كل هذا الوقت . كان الليل قد ارتدى حلّته المعتمة فقمر السماء قد اختفى خلف غيوم غرة الشتاء ، ورشات خفيفة من المطر تتقاطر على زجاج السيارة الأمامي ، لبث مازن بضع لحظات فتفطن إلى أمر مفاتيح شقة أويس، فمدّ يده ليخرجها من صندوق السيارة أمام أويس ومدها أمامه ثم همس له بصوت مسموع : لقد وصلنا .. تنبه الأخير إلى همسه فتطلع حوله ليدرك توقف السيارة أمام مبناه ثم لاحظ المفاتيح بيد ش*يقه ، رمقها بنظرة غريبة فأخذها منه وأشار بضعف ثم همّ بفتح الباب ، لكن يد مازن منعته حين أمسكه الأخير من ذراعه هاتفاً باسمه ، عاد لينظر إليه بحاجبين منعقدين فقال مازن : أويس ، فكّر فيما حدث بتعقل يا أخي ، لا تجلدْ ذاتك كثيراً فقط فكر كيف ستصلح ما أفسدته ،و تذكر إن احتجتَ لتتكلم فأنا موجود . زفر أويس نفساً عميقاً وقد لامست كلمات مازن في داخله جرحاً ينزف ، حرك رأسه بإيجاب ضعيف ثم ترجل من السيارة بثوبه الأبيض وسار إلى داخل ال*قار بتعب دون الالتفات للخلف ، لم يعبأ بنظرات حارس ال*قار الذي طالعه بدهشةٍ عظيمة من نافذة المحرس، في حين ظلّ مازن يراقب خطواته المنهكة بمزيج من المشاعر المختلطة ، لم يندم للحظة لأنه لم يلحّ عليه في البقاء في منزل العائلة هذه الليلة ، ربما بقاء أويس وحده سيساعده على تصفية عقله والتفكير بشكل أنقى وأسلم ... وصل أويس إلى شقته وهو يشعر بالتعب يتسلل إليه ، لاحظ أمام باب شقته باقة من الورد تشابه تلك التي وصلت إليه قبلاً، كان عقله منهكٌ لدرجة لم يكلف نفسه التفكير فيمن جلبها ، مرّ فوقها ليفتح باب الشقة ، تجعدت ملامحه بق*ف حين دلف وإحساس غير مريح سيطر عليه حين بات في الصالة ، عصير الغدر الذي تجرعته مياس مايزال مكانه ، تحركت عينيه إلى الغرفة المغلقة بالخطيئة ، شعر بمعدته قد انقلبت كأنه سيفرغ مافي بطنه ، لفحه هواء النذالة وهو يطالع منزله الغارق بالوحدة ، أغمض عينيه بقوة وسار حتى ألقى بجسده فوق المقعد العريض ، كمن تنبه للتوّ إلى مايرتديه تعلقت نظراته على ثوب مازن الذي مايزال يلبسه ، عادت كلمات مازن لترنّ في أذنيه محدثةً داخله أعاصير غامضة أنهكت قلبه المثقل بالخطايا ، ربما لم يكن سكيّراً ولا فاجراً ، لكنه أمام روحه الع***ة أب*ع من هذا وأنذل من ذاك ، دفن وجهه بين يديه يفركه بقوة ومئات الأفكار والتحليلات لمعت في رأسه تباعاً ،غداً يوم عمل وسيضطر للقاء اللواء جلال ورائد وسواهما، وللحق هؤلاءجميعهم لا يهمونه بقدرها هي ، من المؤكد أنّ مياس لن تعود للعمل قريباً ، وربما ستترك القضية برمتها ، إما هذا أو أنها ستطلب تنحيته هو، ومن المحتمل كذلك ستخبر اللواء جلال وتطلب معاقبته على مافعل ، كل هذه الاحتمالات طرأت على عقل أويس ولا يعرف أيها أقرب ، مايعرفه أنه سيرضى بأي ماتطلب فقط لتسمعه مرة ، مرة واحدة فقط !!!! ظلّ أويس يتخبط في بحر التيه حتى سقط نائماً مكانه ، في الواقع عيناه فقط من غفلت ، إنّما فؤاده المتعب ظلّ واعياً يتخبط كجبان هرب من واقعه المر إلى أحلامه الوردية المستحيلة ، ربما حسناً فعل ، فعندما يصبح واقعك موجعاً اهرب إلى أحلامك ، علّها تكون أرحم وأقلّ ألماً ..... ................................. لم تكن يوماً جبانة، لم تهرب ولم تمثل ، لن تكون الذئب إن فعلت على أية حال . استفاقت مياس هذا الصباح وقد عزمت أمرها ، ارتدت ثيابها العملية وتركت شعرها الليليّ منسدلاً على غير عادتها ، حرصت على تناول دواءها تحسباً لأي موجة ضعف غير محسوبة ، وقفت أمام المرآة لتقيّم مظهرها الجديد، وتتأكد من ارتدائها قناعاً قاسياً أخفت تحته ندوباً وتش*هات تأصلت في أعماق روحها المتألمة . رفعت ذقنها بعناد ثم حثت خطاها لتهبط الدرج بخطوات سريعة ، لم تأبه بعائلتها التي اجتمعت على طاولة الإفطار ، نادتها جدتها باستغراب : مياس ؟؟ إلى أين تذهبين يا ابنتي ؟؟ تعالي شاركينا الطعام ؟؟ توقفت لثانية ترمق المتواجدين بنظرات خاوية لا مشاعر فيها ، استقامت والدتها ببطء وهي تطالعها بمقلٍ تلألأ فيها الدمع إلا أن مياس لم تعرها أي اهتمام ، أجابت جدتها ببرود : لا شهية لي جدتي . تابعت مسيرها دون اهتمام فهبت أروى لتتبعها ، فيما اغرورقت مقلتي عليا بالدموع تلقائياً حين تجاهلتها مياس كأنها شفافة لا تُرى ، غصة مريرة خنقتها خاصة عندما تطلعت إليها رائدة بتساؤل فاعتذرت بضعف لتصعد إلى غرفتها، نقلت رائدة نظرها إلى كمال الواجم يتناول طعامه ب**ت دون أن يعير ماحدث أدنى اعتبار . نادت أروى عليها فتوقفت مياس مجبرة وهي تقلب عينيها بملل ،وقفت قبالتها لتطالعها باستغراب متسائلة بحيرة: مياس ؟؟ إلى أين؟؟ زفرت بضيق محاولةً التحلي بالصبر أثناء إجابتها الغامضة : إلى عملي . فتحت عينيها على وسعهما غير مصدقةٍ لما سمعت فأردفت باستهجان : إلى عملك ؟؟ وأنتِ بهذه الحال ؟؟ فردت كتفيها لتسأل بتهكم : مابها حالتي أروى؟؟ هل ترينني مضمدة من أعلى إلى أسفل ؟؟ تلجلجت أروى أثناء إجابتها المتقطعة : لا أبدا أنتِ بأفضل حال ولكن .. قاطعتها حين ربتت على كتفها بخفة قائلة بلا اكتراث : ما الذي يمنع ذهابي إذاً؟؟ طالعتها أروى بدهشة حقيقية وقد سقط فكها حرفياً وهي ترى ابتسامة باردة تشكلت على محيا مياس، ثم تحركت الأخيرة لتخرج تحت أنظار أروى التي تكاد تخرج من مكانها ، أجفلت بخفة مع إغلاقها الباب ثم حركت رأسها بنفي مستغرب ، إذاً مياس لاتنتوي على أي خير بحالتها هذه . تأوهت أروى بتعب أثناء مسحهاا على وجهها بهدوء، لا تعرف حقاً هم من تحمل ، والدتها التي ستجري عملية اليوم ؟ أم والدها ذو الحالة الغريبة ؟ أم عليا المظلومة في كل ماحدث ؟ أم مياس التي تنوي على حرب دمار شامل، هذا تماماً ما استشفته من منظرها .... ................... يتبع
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD