ميرا الدويري
لهثت بغرفتي من وراء عقارب الساعة منذ الثانية عشرة بمنتصف الليلة السابقة للثانية عشر ظهرًا لليوم الأخير والمتمم لسنوات الجحيم و الان موعدي مع الحياة. حقيبة سفري مفتوحة ترى أغلقها على ماذا, ملابس مهترية لا يفضل رؤيتها علي, كتب و روايات لم أعد في حاجه إليهم بعدما كللني بطلة لروايته, أم وجهه الذي يحاوطني بكل مكان و لن يكون له وِجهة بعد اليوم إلا لوجهي. إلا هذه المرة لن أدفن بأحشاء غرفتي ببناء الخضوع, لأهرب رغم أنني لم أكبل بأصفاد أو صُفدت علي أبواب. لم يطلب مني أحداً يوماً المكوث إذاً لأكن هاربة من عشرون عام أحترق لأحرقهم وأذر رمادهم من أعلى ققم الآماد البعيدة.
جاء من تدعوه الأوراق الرسمية أخاً يصف سيارته أمام مدخل القصر إنما لما رءاني مقبلة صف سيارته بالخارج ليترك لي حرية الولادة من الخاصرة. أبعدت ناظريَّ عن عيونه التي خذلتها فلم أكن بالأمس اللاهثة الوحيدة من وراء ساعات السأم فقد كان من خلفي عيونه تتبعني بكل مكان إنما لم تمنعني من حياة سرقت مني بينما أنا الساكنة المستكينة لأهوائه و أهواء أبيه, ثلاثون عام أبحث عن مخرج, منفذ للهرب من كهفهم الفاسد وها أنا الان أرحل إلي من حسم النتيجة لصالحي أخيرًا.
حملت حقيبتي لأضعها بالبورشا خاصتي إنما ثقلت الحقيبة و تسمرت أرضاً رغم إنها نفس الحقيبة التي حملتها من غرفتي و نزلت بها على الدرج و الان لا أستطيع وضعها بحقيبة السيارة بعدما أثقلتني عيون أخٍ لائمة. حملها عني و وضعها بالسيارة عني ثم أسكن رأسي ص*ره عني أيضا لأخر اللحظات معه ولا غيرها فقد منحته العديد من لحظاتي و الان حانت لحظتي. يقبِّل رأسي ويملأ ص*ره من عبقي فإبتعدت عنه فلم يكن أخاً يومًا ولم أكن لأبقى لتكون عيون أمه من حوله و لست أمه حتى لو إمتلكت قسماتها.
فتحت باب السيارة فقال :
- علي فين ؟
لم ألتفت حتى إليه و قلت له مولية ظهري لوجهه:
- ما دخلك .
- ضعيف يا ميرا ما فيه يحميكي .
و حينها حان إلتفاتي لأواجهه بحقيقته و قلت :
- وانت اللي فيك تحميني ؟! انت الضعيف مانك رجال أصلاً .
تركته و ركبت سيارتي و خرجت من قصر التجمع الخامس لقصر المريوطية, وجدته كما تركته على كرسي بالردهة جالس عليه منذ ساعات يدخن سجائره المحلية الصنع. يبتسم بثقل لعودتي إنما يبتسم بأي حال و حينها عاد الأمل إلى نفسي لما تفرستُ بثنايا وجهه الحالم الذي فقد بعضًا من الأمل بعد صنيع الأب و الأخ والذي لن يردعني عن مسعاي. العاشق المخطأ فقد أخبرته أنه الوجود ودونه لا وجود وأصرّ على الصحيح فإصطحبته لصرح الدويري بالسادس من أكتوبر, لما رءاه ملئه الضيق أكثر عن ذي قبل فقد شعر بضئالة ليست له لأنه فتي المشاعر مثل سنوات عمره الصغير ولا يعلم أن الصروح تبنى على رفات الجثث و منهم جثماني. يده بيدي منذ دلفنا لبداية الصرح لنهايته و حتى أنتهى بنا المطاف أمام مكتب مدير مجلس الإدارة؛ أبي.
كان أبي بإنتظاري و برفقته شيطانه المرديد يقف بجانب مكتبه يعرض عليه صفقة جديدة لا تسقط إلا لصالحه أو لا تسقط. الشيطان الأعظم يحدق بالعاشق بغيلًا دفين كما كان يحدق بأبيه كلما إلتقيا بعدما سرق منه السعادة الوحيدة التي أمنتها له الحياة؛ مجرد إمرأة تدعى فدوى.
يبتسم أبي لحسام و يقول مرحبًا:
- يا أهلا بإبن صديقي العزيز و بلدياتي .. إتفضل يا حسام .
حسام لم ينقل قدمه من أخر موضع تركته به, جمدته كلمات الشيطان الأعظم, و لكن أذبتها و سحبته ليجلس أمام مكتب أبي ليستكمل تحديقه البارد بمعشوقي.
قال أبي بحبور تمثيلي :
- تشرب إيه يا حسام ؟
أجابه معشوقي بخجل :
- ولا حاجه يا منير بيه .. أنا جاي إنهارده أطلب إيد ميرا من حضرتك .
إتسعت إبتسامة الشيطان بينما مريده أو أخي العزيز الذي يظن أنه حمايتي نظر لنا بنفاذ صبر, مستنكر حتى المحاولة لنيل ما أمنته الحياة فمن هو لينكر أو أبيه الذي قال :
- الناس بتجوز كده يا إبن الأصول فين أبوك ؟! مش المفروض يجي لحد عندي عشان يخطبلك ولا أنا نسيت الاصول وفاكرها انت و أبوك لوحدكوا ؟!
وحينها إستعذت بالحب من كيد الشيطان و ولده و صرخت به :
- انت اللي عملت كده في نفسك منير .. ياللا حسام .
ألا أن حسام عاد للجمود أو عاد لمَا تبقى من حوزته من محاولات مضنية فقد قال:
- حضرت على دراية بالمشاكل اللي بين العيلتين واللي مالناش دخل بيها لكن أكيد أدام كل حاجة هتتحل و يرجع الوئام اللي كان موجود .. جوازي بميرا هيرجع الود و نبقى عيلة واحدة .
سخر الشيطان الأصغر ضاحكاً من كلمات معشوقي الملهة ثم شاركه أبي منهياً كل محاولة لم أكن لأقدم عليها إلا من أجل العاشق الذي سحقته السخرية حتى أثقلت هامته العالية حد الأرض, و لدفن ما تبقى من أمل ببوار أراضيهم القاحلة قال أبي بجدية من بعد هزئه من معشوقي :
- تشبه أبوك في حاجات كتير يا حسام مش ناقصلك غير إنك تسرق اللي مش ليك .. طلبك مرفوض .
- الله بسماه منير راح تشوف مني إللي ما شفته العمر كله و انت معه كريم .. ياللا حسام .
ألقيتها على جمع الشياطين و سحبت ملاكي الحارس من وقر الموتى و هما من جلبا ذلك لأنفسهم المريضة, موت سوف ينزل عليهما بعدما أخرج أموالي من شركات الدويري دفعة واحدة و أبيع أسهمي لكل جبار آثم ترائى له الإنتقام من الدويري و لم يجد طريق و أنا سوف أفسح الطريق.
رخو مترهل كان حال الحسام بعد الرفض رقم ألف بيومٍ واحد, و لكن ليس اليوم أو الغد, حياتي لي وحدي فقد علمني الشيطان الأعظم أن النقود هى السبب و الدليل و الطريق و أملك الطريق الان و لن يغير مسارى أحداً أبداً.
نظرت إليه وجدته حقيقي لازال معي بعد كل ما مرر به اليوم من رفض من الجميع. فارس مغوار يفي بعهوده و يحارب الجبهات ليحصل علي, و لم يحارب من أجلي أحدًا من قبل, أنما سكنه الهم بوضوح, و يريد التزود ببعض التفائل ليكمل الطريق. إصطحبته لفيلا المريوطية التى لا يعلم إنها حتى الان تحمل ملكية زوجة أبيه و لم تطالب بها يوماً فزوجها الطيار الفقير حالم عفوف النفس مثل ولده و يرفض الماضي للحاضر, يرفض أن يتذكر أن فدوى كانت لغيره يمنح و يمسك, يلامس و يبطش, يرفض مال الدويري الملوث بشتى الآثام, حتى أنه يرفض قبول زوجته للتعويض الوحيد الذي نالته من عشرة بلطجيًا خزي.
لم يسألني حسام عن وجهتي و ظل صامت منقاد لإرادتي إلى أن دخلنا الفيلا المهجورة. تهالك على أول كرسي رءاه أمامه فجلست بجانبه على الأريكة و طالعت ناظريه المطرقين عن العالم الرافض لحبنا.
أعدت وجهه للسماء بأناملي لأرى عيونه الحزينة و أقول مطمئنة :
- ما تقلقش يا حبيبي .. أنا معايا فلوس كتير .. محدش يقدر يتحكم فينا هنسافر سوا و نجوز و نعيش سوا على طول.
أومأ بإستحسان ولم أرى إبتسامته, نال منه الو*د بأخر كلماته المسمومة فأخلاق الفارس بحبيبي تمنعه من السرقة, لا يعلم إنني ولدت من روحه بعدما أعادت إلي روحي التي هجرت أضلعي لما سرقني منير و أهداني لشريكه مقابل بضعة دولارات يملك أضعافهم.
***انتهى الفصل ****