"من… أنت؟"

3399 Words
كان ضوء المصابيح الكريستالية يتماوج فوق الطاولة الطويلة، فينعكس على أدوات المائدة الفضية ويمنح القاعة دفئًا هادئًا رغم فخامتها. الجدران الخشبية الداكنة كانت مزينة بلوحات زيتية لرحلات بحرية قديمة، بينما كان هدير المحرك البعيد يتسلل كهمسٍ مستمر، يذكّر الجميع بأنهم فوق سفينة تمخر عباب المحيط. جلس النبلاء حول الطاولة في هدوء منضبط، تتخلله همسات خافتة وصوت احتكاك الشوك والسكاكين. في تلك اللحظة، أشار والد أدريان — رجل ذو شعر ذهبي ووجه مهيب تتخلله مسحة حنان خفية — إلى زوجته بإيماءة سريعة لم يلحظها آرثر ولا أدريان. كانت إشارة دقيقة، لكنها مفهومة تمامًا بالنسبة للأم، فابتسمت بهدوء. "أدريان، فلتأتِ معي لتلقي التحية على الدوقة فالتيس." قالتها بصوت دافئ وابتسامة حنونة. "ولكن..." حاول الاعتراض، مترددًا. "ناثينيال، استمع لكلام والدتك." جاء تدخل الأب حاسمًا، بنبرة هادئة لكنها لا تحتمل النقاش. لم يعترض أدريان بعدها، بل نهض بهدوء واتجه مع والدته مبتعدًا عن الطاولة. ما إن ابتعدا، حتى ساد صمت قصير. كان آرثر يشعر بثقل النظرات، قبل أن يتحدث الرجل ذو الشعر الذهبي وهو يواصل تناول طعامه بهدوء: "إذًا... أنت الفتى الذي يتسلل إلى منزلي." ارتبك آرثر للحظة. "عفوًا... ما الذي تتحدث عنه، سيدي؟" حاول التهرب، لكن الرد جاء مفاجئًا. "أخشى أنني متأكد أنك ذلك الفتى. ولكن لا تقلق... فقد كسبت احترامي بعد أن رفضت التخلي عن ناثينيال وأتيت معه. لكن هل لي بسؤالك سؤال؟" لم يكن لدى آرثر أي فكرة عما يحدث. تم كشف هويته... ومع ذلك تم تقبلها. الأمر بدا غريبًا. "بالطبع، سيد لورانس." أجاب باحترام. "أعتذر على وقاحتي سلفًا... من أين لك المال للسفر على هذه السفينة؟" كان السؤال مؤلمًا. سؤال يكشف فقره بشكل مباشر. خفض آرثر نظره قليلًا. "لقد بعت المنزل الذي ورثته عن والديّ." قالها بصوت هادئ، بينما امتلأت عيناه بحزنٍ صامت عند تذكر ذلك الحدث. "أوه... أشعر بالأسف لأنك اضطررت لفعل ذلك. ولكن... لماذا لم تتخلَّ عن ناثينيال وحسب؟" كان الأب يحاول الاطمئنان أن ابنه في أيدٍ أمينة. رفع آرثر عينيه بثبات. "لم أستطع فعل ذلك... فابنك يمثل نصفي الثاني، ولا أستطيع العيش بدونه." كانت إجابته صادقة تمامًا. وقبل أن يرد الرجل، قُطع الحديث بصوت مألوف، يحمل نبرة استياء واضحة: "أبي... من هذا؟" تصلّب آرثر فورًا. لقد كان الصوت الذي يبغضه... فيكتور. "إنه أحد أصدقاء ناثينيال." قال الأب بهدوء، وقد شعر بالتوتر المتصاعد. اقترب فيكتور، وألقى نظرة حادة على آرثر. كان يقف خلفه، لكن التعرف عليه كان سريعًا. اتجه بنظره إلى والده مصدومًا. "أتعرِف من هذا الشخص؟" قال بغضب. "قلت لك إنه صديق ناثينيال." رد الأب وهو يرتشف من كوب الشاي. "أتذكر حادث الطلاء منذ سنتين؟ أنا متأكد أنه هو من قام بها!" ارتفع صوته تدريجيًا، حتى بدأ يجذب انتباه الجالسين. وضع الأب الكوب بهدوء، ونظر إليه نظرة باردة. "تعلم... ستكون هذه مشكلة كبيرة، لأنني أظن أن هذا الشخص صادق. وإذا كان هو من كتبها... فهذا يعني أن كتاباته صحيحة. هل أنت متأكد أنه هو من كتبها؟" تجمد فيكتور. "ولكن..." قاطعه الأب ببرود قاتل: "هذا الشخص يهتم بأخيك أكثر من اهتمامك به... وهو يملك اللباقة، على عكسك. أتعلم يا... ليتَه كان ابني." كانت الكلمات كصفعة قاسية. لم يبدُ على الأب أي تردد. كان يدرك أن كلماته ستؤذي ابنه، ولم يكن لديه مشكلة مع ذلك. بالنسبة له، كان ابنه الأول أعظم فشل في حياته. تجمعت الدموع في عيني فيكتور، لكنه رفض أن يسمح لها بالسقوط. قال بصوت غاضب: "ها هو أمامك... فلتحتفظ به كما تشاء." ثم استدار وغادر مسرعًا. راقب آرثر انسحابه بقلق. "تعلم أن هذا سيسبب كراهية بيننا إلى الأبد." تنهد الأب بهدوء. "دعني أخبرك بقصة صغيرة... عند زواجنا أنا ومارين، كنا مجرد مراهقين متحمسين للعالم. لكننا أخفقنا تمامًا في تربية ابننا الأول، لذلك نشأ بهذه الصورة. قد تكون تكرهه... لكنه عاش طفولة صعبة. أرجو أن تسامح ولدي على ما ارتكبه." كانت الكلمات صادقة، وأثرت في قلب آرثر. وفي تلك اللحظة، عاد أدريان مع والدته. كان القلق واضحًا في عينيه، وكأنه شعر بالتوتر من بعيد. توقفا أمام الطاولة لإلقاء التحية. ابتسمت الأم بلطف، محاولة إعادة الأجواء الهادئة. "أظنكما منشغلين باستكشاف السفينة... ولكن يجب أن تذهبا للنوم الآن" كان صوتها ناعمًا، بينما كانت أضواء القاعة تخفت تدريجيًا، معلنة نهاية مساءٍ ثقيل بالأسرار والمشاعر المتضاربة. --- "سأذهب إلى المرحاض... انتظرني يا آرثر." قالها أدريان وهو ينهض من على الطاولة بسرعة خفيفة، ثم اتجه نحو الممر دون أن يمنح آرثر فرصة للرد. تحرك شعره الذهبي مع خطواته، واختفى خلف باب المطعم تاركًا خلفه فراغًا غريبًا. تتبّع آرثر خروجه بنظره للحظة، قبل أن يقطعه صوت هادئ. "إذًا... ماذا تخطط أن تفعل بمجرد وصولك إلى لندن يا آرثر؟" كان فرانك يتحدث بنبرة رزينة، وعيناه لا تنظران مباشرة إليه، بل إلى نقطة بعيدة، وكأنه يفكر في شيء أعمق من السؤال نفسه. رفع آرثر رأسه قليلًا، ثم قال بعد تردد خفيف: "سأفكر في ذلك عندما نصل." تبادل فرانك وزوجته نظرة قصيرة، قبل أن يقول بجدية واضحة: "إذا أردت... يمكنني توظيفك. مساعدًا شخصيًا لناثينيال." تجمد آرثر للحظة. لم يكن العرض بسيطًا. كان أشبه بطريق يُفتح أمامه فجأة بعد ظلام طويل. "سأستشير ادريان اولاً... أرجو أن تمنحني بعض الوقت للرد." قال بهدوء، لكنه كان يدرك أن هذه الإجابة قد ترسم مستقبله بالكامل. "معك حتى ننزل من السفينة." أجاب فرانك، بينما أومأت زوجته بالموافقة. ساد الصمت بعدها. كانت موسيقى المطعم هادئة، ناعمة، تتلاشى مع مغادرة الضيوف واحدًا تلو الآخر. الأطباق تُرفع، الكراسي تُعاد، والليل بدأ يفرض ثقله على المكان. مرت دقيقة. ثم ثانية. ثم ثالثة. بطء الوقت أصبح مزعجًا… وأدريان لم يعد. قطب آرثر حاجبيه، ثم نهض فجأة. "سأذهب لأتفقد أدريان." "اذهب." قال فرانك بإيماءة سريعة. "نحن سنعود إلى غرفتنا." أومأ آرثر وغادر. كان الممر المؤدي إلى دورات المياه بعيدًا قليلًا عن المطعم، ضيقًا نسبيًا، والإضاءة فيه خافتة. صوت خطواته وحده كان يتردد بين الجدران الخشبية. وفجأة— دوّت صرخة حادة. صرخة عنيفة، ممزقة، ارتطمت بجدران السفينة كلها. توقف آرثر في مكانه، واتسعت عيناه. لم يهتم معظم الركاب، ظنّوها مجرد مشاجرة أو حادث عابر… لكن آرثر وفرانك عرفا الصوت فورًا. كان صوت أدريان. اندفع فرانك في اتجاه عشوائي، يحاول تتبع الصرخة، لكن السفينة كانت واسعة، والممرات متشابهة. أما آرثر… فقد كان أقرب. ركض. ركض بأقصى ما يستطيع. قلبه يضرب صدره بعنف، أنفاسه متقطعة، وخوفه بدء يخنقه. انعطف حول زاوية حادة— ثم توقف فجأة. المشهد أمامه جمّد الدم في عروقه. جثة فتى مراهق ملقاة على الأرض. الدماء تسيل من جسده، تنتشر فوق الألواح الخشبية. وبجانبه— أدريان. ممدد بلا حراك. شعره الذهبي ملطخ بالدماء، رأسه تنزف، وعيناه مغمضتان. وقف أمامهما رجل طويل، يرتدي معطفًا داكنًا وعباءة ثقيلة. ظهره كان مواجهًا لآرثر، ولم يتمكن من رؤية وجهه. انطلق آرثر نحوه فورًا. لكن الرجل التفت وركض. صوت خطواته كان غريبًا…ليس حذاء حذاء عاديا بل بدي خشبيا ؟؟! لم يهتم آرثر. توقف. استدار. وجثا فورًا بجانب أدريان. وضع أذنه على صدره… عند قلبه مباشرة. نبضة. ثم أخرى. زفر آرثر بارتياح مرتجف. "أدريان…" لكنه لم يستيقظ. الدم كان يتدفق من رأسه، شعره الذهبي ملتصق بوجهه، وأنفاسه ضعيفة، بقايا دموع عالقة على وجهه الشاحب. بعد دقائق بدأ الناس يتجمعون. وكان فيكتور بينهم. صرخ فور رؤيته المشهد: "أمسكوا به! لا شك أنه من فعل هذا!" كان يقصد آرثر. لم يلمه آرثر… أي شخص سيرى المشهد سيظن الشيء نفسه. "لحظة… أنا لم—" لم يكمل. انقض عليه رجلان، أمسكاه بقوة، وشدّا ذراعيه خلف ظهره. لم يقاوم. كان يستطيع التحرر باعتقاده… لكنه لم يفعل. أي مقاومة ستجعله يبدو مذنبًا. وصل فرانك أخيرًا. وجهه كان شاحبًا، وعيناه تبحثان بجنون… حتى وقعتا على أدريان. "سيدي…!" صرخ آرثر. "أرجوك أخبرهم أني لم أفعل هذا!" لكن فرانك لم يرد فورًا. اندفع نحو ابنه، ركع بجانبه، وحمله بحذر شديد، وكأنه يحمل شيئًا هشًا قد يتحطم. "سآتيك بعد أن أطمئن عليه." قال بصوت متوتر، دون أن ينظر إلى آرثر. ثم غادر مسرعًا. تم سحب آرثر بعنف عبر الممرات. الباب فُتح بقوة. غرفة تخزين باردة، مظلمة، ضيقة. دُفع إلى الداخل. رُفعت يداه إلى الأعلى. قيدوه بالسلاسل إلى حلقة حديدية في السقف. ارتفعت قدماه قليلًا عن الأرض، شدّت القيود معصميه بقسوة. وبقي وحده. الظلام يحيط به. وآخر ما رآه… كان وجه أدريان الملطخ بالدماء. أُغلق الباب خلفهما بعنف اهتزت الجدران الخشبية، وارتدّ الصدى في الفراغ الضيق كضربة طبول مكتومة. ثم استقرّ الصمت. صمتٌ ثقيل، كأنه يضغط على الصدر، حتى أصبح صوت تنفّس آرثر واضحًا في المكان. كانت ذراعاه ممدودتين فوق رأسه، والسلسلة المعدنية المشدودة إلى السقف تجبر كتفيه على زاوية مؤلمة. بدأ الخدر يتسلل إلى أصابعه، بينما تركّز الألم في مفاصل كتفيه كإبرة تُدار ببطء داخل العظم. كل محاولة صغيرة لتحريك جسده كانت تقابل باحتكاك المعدن، وصوت طنين خافت يضاعف الإحساس بالعجز. مضى الوقت دون معنى. دقائق؟ ربما أكثر. ساعات؟ لم يعد يعلم ثم— خطوات. ثابتة. ثقيلة. تقترب ببطء مدروس. توقفت أمام الباب. دار المفتاح ببطء، وكان صوت الاحتكاك المعدني حادًا في الصمت. انفتح الباب، فانسكب خيط من الضوء الأصفر إلى الداخل، كاشفًا الغبار العالق في الهواء. دخل فيكتور أولًا. تبعه شخص بملابس سوداء وشارة فضية — شرطي بحرية، كما اعتقد آرثر. أُغلق الباب، فعادت الغرفة إلى عتمتها النصفية. تقدّم فيكتور دون استعجال. خطواته هادئة لكنها مشبعة بالتهديد. توقف على بُعد خطوة واحدة من آرثر، وأمال رأسه قليلًا وهو يراقبه. قال بصوت منخفض بارد: "لن أكرر أسئلتي كثيرًا. أين كنت؟" رفع آرثر رأسه بصعوبة. كان أنفاسه غير منتظمة، لكن نظرته بقيت ثابتة: "في المطعم." "ومتى غادرت؟" "بعد أن تأخر أدريان." تبادل الشرطي نظرة قصيرة مع فيكتور، لكن الأخير لم يلتفت. اقترب خطوة أخرى. "ووجدتهما… هكذا؟" "نعم." "ومن فعل هذا؟" "رجل." "من هو؟" تردّد آرثر لحظة قصيرة: "كان يهرب." "لم ترَ وجهه؟" "لا." ابتسم فيكتور ابتسامة خفيفة خالية من أي دفء. ثم فجأة — انطلقت قبضته نحو بطن آرثر. انقطع الهواء من رئتيه فورًا. انحنى جسده رغم القيود، وارتجفت السلسلة بقوة حتى صرخت حلقاتها المعدنية. قالها فيكتور بهدوء مخيف: "تكذب." لم يرد آرثر. ضربة ثانية إلى أضلاعه. اهتز جسده، واصطك المعدن فوقه. "اعترف." "لم… أفعل…" خرج الصوت مبحوحًا. ضربة ثالثة، أقوى، إلى صدره. تراجع رأسه للخلف، وتدلى جسده للحظة قبل أن يستعيد توازنه بصعوبة. تدخل الشرطي بهدوء: "سيدي… ربما—" "اصمت." قالها فيكتور دون أن ينظر إليه. أمسك بقميص آرثر ودفعه للخلف بعنف حتى شدّت السلسلة بالكامل. همس قرب وجهه: "كنت مهووسًا به… أليس كذلك؟ لم يعجبك وجود شخص آخر بقربه… فقتلته، ثم حاولت قتل ناثانيال." رفع آرثر رأسه ببطء. عيناه، رغم الإرهاق، بقيتا قاسيتين: "لم… ألمسه…" صفعة قوية. انحرف رأسه إلى الجانب، وسقطت قطرة دم على الأرض الخشبية. لكنه هذه المرة عاد رأسه ببطء ونظر مباشرة إلى فيكتور دون أن يخفض عينيه. تصلّب وجه فيكتور: "ما زلت تتظاهر بالقوة؟" ثم انهالت الضربات — إلى البطن، إلى الصدر، إلى الكتف. السلسلة ترتجف بعنف، وصوت المعدن يملأ الغرفة كجرس متكرر. بدأ تنفّس آرثر يثقل، لكن تعابير وجهه لم تنهار. كانت عيناه نصف مغلقتين، لكنه ظلّ يحدق في فيكتور بثبات. اقترب فيكتور وأمسك بذقنه بقسوة: "اعترف… وسينتهي هذا." صمت. ثم قال آرثر بصوت خافت لكن واضح: "لن… أعترف… بشيء… لم أفعله." اشتعل الغضب في وجه فيكتور. رفع يده ليضربه مجددًا — لكن في اللحظة نفسها، شدّ آرثر جسده بقوة مفاجئة. رغم الألم الذي مزّق كتفيه، رفع ساقه بكل ما تبقى لديه من طاقة. ضربة مباشرة. ارتطمت قدمه بوجه فيكتور بقوة. تراجع فيكتور للخلف متعثرًا خطوة ثم أخرى. وضع يده على وجهه، وقد فاجأته الضربة تمامًا. ساد صمت مشدود. حتى الشرطي اتسعت عيناه. كان آرثر يتنفس بصعوبة، صدره يعلو ويهبط ببطء، لكنه تمكّن من رفع رأسه قليلًا. قالها بصوت مبحوح: "انتهيت؟" تصلّب وجه فيكتور، وعيناه تشتعلان غضبًا. تقدّم خطوة وكأنه سيهاجم، لكن الشرطي تحرك سريعًا ووضع يده أمامه: "سيدي… كفى. إذا مات فلن نحصل على اعتراف." بقي فيكتور يحدق في آرثر للحظات طويلة. أنفاسه حادة، وفكه مشدود. ثم بصق على الأرض قربه: "سنرى كم ستصمد." استدار بعنف وفتح الباب. خرج. أغلقه بقوة. عاد الظلام. بقي آرثر معلقًا في السكون. أنفاسه ثقيلة، وجسده يرتجف من الألم. لكن رغم ذلك — كانت نظرته لا تزال حادة. ثابتة. لم ينكسر. ولكن كل ما شغل باله هو: كيف حال ملاكه الصغير؟ --- في الوقت نفسه… كانت العيادة الصغيرة داخل السفينة تعج بالحركة. وُضع أدريان على السرير الأبيض، بينما انحنى الطبيب فوقه بسرعة. "أحضروا ماءً نظيفًا!" "شاش!" "ارفعوا المصباح!" وقف فرانك بجانب السرير. وجهه شاحب، ويداه ترتجفان رغم محاولته إخفاء ذلك. أمسكت والدته بيده بقوة. عيناها لا تفارقان وجه ابنها. كان شعره الذهبي ملتصقًا بجبينه بسبب الدماء. بدأ الطبيب بتنظيف الجرح بحذر شديد. تسرّبت خيوط الدم إلى الشاش الأبيض. "الجرح في الرأس…" قال الطبيب بتركيز. "لكنه ليس عميقًا جدًا… أعتقد أنه فقد الوعي بسبب الصدمة." "سيستيقظ… أليس كذلك؟" سأل فرانك بصوت منخفض. لم يُجب الطبيب فورًا. واصل تضميد الجرح بعناية، ثم لف رأس أدريان برباط نظيف. "علينا الانتظار." قال أخيرًا. كلمة واحدة… لكنها كانت كفيلة بزيادة القلق. وضعت والدته يدها على خد أدريان. "أدريان…" همست. لم يتحرك. لم يفتح عينيه. فقط تنفس — هادئ، ضعيف. نظر فرانك إلى ابنه. عيناه ممتلئتان بالخوف. "لا تجرؤ على تركي…" قال بصوت خافت، بالكاد يُسمع. --- --- خرج الطبيب أخيرًا من فوق السرير، وتبادل نظرة قصيرة مع فرانك، ثم قال بصوت منخفض: “يمكنكم البقاء معه، لكن لا تجهدوه إذا استيقظ.” أومأ فرانك دون رد. ظل واقفًا لحظات طويلة، يحدّق في صدر ابنه وهو يرتفع وينخفض ببطء. ثم أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يحاول تثبيت نفسه، واستدار نحو زوجته. “سأعود بعد قليل.” رفعت عينيها إليه بقلق: “إلى أين؟” “هناك أمر عليّ تسويته.” ضغط على يدها برفق، ثم خرج من الغرفة بخطوات ثقيلة. --- كان الممر هادئًا. صوت المحرك العميق يتردد عبر الجدران، والليل صار أكثر كثافة. سار فرانك بسرعة ثابتة، حتى وصل إلى باب غرفة التخزين. توقف لحظة، وكأنه يجمع أفكاره، ثم فتح الباب. انسكب الضوء إلى الداخل. رفع آرثر رأسه فورًا، وقد بدت آثار الضرب واضحة على وجهه — شفة متورمة، خد مخدوش، وقطرات دم جافة قرب جبينه. لكن أول ما قاله لم يكن دفاعًا عن نفسه: “كيف حال أدريان؟” توقف فرانك للحظة. بدا السؤال وكأنه أصابه مباشرة. قال بهدوء: “ما زال فاقدًا للوعي… لكن الطبيب يقول إن الجرح ليس خطيرًا.” زفر آرثر ببطء، وارتخت كتفاه قليلًا رغم القيود. اقترب فرانك خطوة، ونظر إلى آثار الضرب: “من فعل هذا؟” أجاب آرثر دون تردد: “ابنك.” لم يتغير تعبير فرانك كثيرًا، لكنه خفض نظره للحظة: “سامحه… لقد قُتل أحد أصدقائه، وأُصيب أخوه. من الطبيعي أن يبحث عن شخص يفرغ غضبه فيه.” رفع آرثر عينيه بثبات رغم الإرهاق: “لقد أفرغ غضبه… على الشخص الخطأ.” ساد صمت قصير. ثم قال فرانك بهدوء صادق: “أعلم.” تنهد ببطء، ثم أضاف: “سأصلح الأمور. سأخرجك من هنا… لكن عليك أن تمنحني بعض الوقت. عائلة الفتى المقتول… لن تقبل بسهولة. يجب أن أقنعهم أنك لست الفاعل.” أومأ آرثر: “أفهم.” “تحمّل قليلًا.” قالها فرانك، ثم استدار وغادر. أُغلق الباب. عاد الظلام. --- مرّت ساعة. ثم أخرى. ثم ثالثة. لم يأتِ أحد. بدأ الخدر يزداد في ذراعي آرثر. الألم في كتفيه صار نابضًا. لكن ما كان يؤلمه أكثر… هو الصمت. “لماذا لم يستيقظ بعد…؟” تمتم بصوت خافت. تذكّر وجه أدريان الملطخ بالدم. أنفاسه الضعيفة. سكونه. ارتجف قلبه. مرّت ساعة أخرى. لم يصل أي خبر. الخوف بدأ يتسلل إلى صدره ببطء، كالماء البارد. ثم — تذكّر شيئًا. كتاب. كان قد قرأه مع أدريان منذ أشهر… قصة عن رجل أُسر، وتمكن من الهروب بعد أن خلع إبهامه وسحب يده من القيود. اتسعت عيناه قليلًا. “هل… يمكن…؟” نظر إلى القيود. المعدن مشدود بإحكام، والمسامير مثبتة في جدار خرساني. معصماه منتفخان، والجلد متقشر من الاحتكاك. حاول أن يدير إبهامه — فشل. القيد كان أضيق من أن يمر منه أي عظم. لكنه تذكر تفصيلًا صغيرًا من تلك القصة: لم يخلع الرجل إبهامه كاملاً، بل أدار كفه بزاوية قائمة، وأجبر المفصل على الانثناء إلى الخلف حتى خرج من الحلقة. “المفصل يتحمل أكثر مما نعتقد… لكن الألم سيكون جهنميًا.” ابتلع ريقه. لا خيار. لفّ يده ببطء إلى الداخل، مائلاً كفه نحو الساعد. بدأ يضغط الإبهام نحو الرسغ، عكس اتجاهه الطبيعي. الألم كان فوريًا — حادًا، كأن عظمًا يُطحن داخل كيس من لهب. سمع طقطقة جافة، وشعر بتمزق دقيق في الأربطة. كاد يصرخ، لكنه عض على شفته حتى سال دم. توقف للحظة، يتنفس بهيستيريا. صورة أدريان الدامية دفعته للاستمرار. ضغط أكثر. صدر صوت خافت — أشبه بفرقعة رطبة. انخلع المفصل جزئيًا. انقبض جسده بالكامل، وكتم صرخة بين أسنانه. العرق غطى جبينه، ورأسه يكاد ينفجر من الألم. بدأ يسحب يده ببطء… المعصم احتك بالمعدن، الجلد تمزق على طول الظفر، والدم جعل السطح زلقًا. الألم تضاعف، لكنه استمر. ثم — انزلقت اليد. سقط جسده للأمام بقوة، وهو يلهث. اليد الحرة تدلت كقطعة قماش، والأصابع ترتجف. نظر إليها — الإبهام متورم، واللون أزرق. “لا وقت.” اليد الأخرى كانت أصعب. القيد نفسه، لكن الألم الآن مضاعف والتركيز منهك. احتاج أكثر من دقيقة ليضغط المفصل مرة أخرى. الفرقعة الثانية كانت أعمق، وشعر بشيء ينزلق في مكانه الخطأ. لكنه حرّرها. سقط على الأرض، يتنفس بصعوبة، يداه مرتجفتان ومشوهتان. استغرق لحظة ليستعيد توازنه، ثم نظر إلى الباب. اقترب. دفعه ببطء. انفتح. توقف. “غير… مقفل؟” نظر في الممر. لا يوجد حارس. لا أصوات. لا شيء. الهدوء غريب. خرج بحذر. --- بدأ يسير ببطء، يسند نفسه على الجدار بكتفيه، لأن كفيه لا تحتملان اللمس. كل خطوة كانت تؤلم، لكن القلق كان أقوى. “أين… العيادة…؟” تذكر الطريق… الممر الطويل، ثم زاوية ضيقة، ثم باب خشبي بزجاج معتم. تحرك. وصل أخيرًا. وقف أمام الباب يلهث. سمع همهمات خافتة من الداخل. دفع الباب ببطء، متوقعًا أي شيء. كانت والدة أدريان جالسة بجانب السرير، تمسك يد ابنها. رفعت رأسها — وتجمّدت. الدهشة. ثم الحذر. ثم الخوف. “آرثر…؟!” نهضت فجأة، متخذة وضعًا دفاعيًا. نظرت إلى يديه المشوهتين، الدم على أكمامه، وجهه المصاب، عينيه الهائجتين. “كيف دخلت إلى هنا؟! من أطلق سراحك؟ ماذا تريد؟” كان صوتها مرتفعًا لكنه مكتوم، كمن يخاف أن يستغيث فلا يجده. اقترب آرثر بخطوات متعبة، رافعًا كفيه المدمّيتين للأعلى ببطء، كدليل على الاستسلام. “من فضلك… لا تخافي… أنا… هربت. لا أحد أطلقني.” زاد خوفها: “هربت؟! إذا هربت، فأنت مذنب! لماذا تهرب إن كنت بريئًا؟!” توقف آرثر على بعد خطوتين. تنفس بصعوبة، وابتلع ريقه: “لأنني… لم أعد أحتمل الانتظار. أردت فقط… أن أطمئن عليه.” نظرت إلى عينيه. كانتا منهكتين، لكنهما صادقتان. ثم نظرت إلى يديه — إبهامه الأزرق، الجلد الممزق، الأصابع المتورمة. فهمت فجأة. “أنت… حرّرت نفسك بهذا الشكل؟ بإصبعك؟” أطرق آرثر قليلاً، ثم رفع عينيه: “اريد ان اطمئن عليه فقط.” تغير وجهها. الخوف تلاشى قليلاً، وحلّ محله تعاطف حذر. نظرت إلى السرير، ثم إليه. “تعال.” تنحت جانبًا. اقترب آرثر من السرير. كان أدريان ممددًا بهدوء، رأسه ملفوف بالضمادات، أنفاسه خفيفة، ووجهه شاحب. وقف آرثر بجانبه، ومد يده المرتجفة المؤلمة، ولمس أطراف أصابعه بحذر — كأنه يلامس زجاجًا قديمًا. “أدريان…” ـــــــــــــ كان آرثر لا يزال ممسكًا بيد أدريان بقوة، كأن قبضته وحدها هي ما يمنع العالم من الانهيار من حوله. بإبهام مرتجف، كان يمرر أصابعه على وجه الصبي الصغير في محاولة يائسة لإيقاظه، بينما ثقله العاطفي يزداد شيئًا فشيئًا، حتى صار الحزن أشبه بجدار يطبق على صدره. لم يكن يدري إن كانت اللحظات قد امتدت لثوانٍ أم دقائق أم حتى ساعات… الزمن في تلك الغرفة كان قد فقد معناه تمامًا. لكن شيئًا ما كسر هذا السكون. رائحة حادة… غريبة… تتسلل ببطء، ثم تتكاثف حتى غدت ثقيلة في الهواء، تلسع الحلق وتضغط على الصدر. انتفض آرثر فجأة، وكأن صاعقًا قد ضرب أعصابه. "سيدتي… علينا الخروج من هنا فورًا!" قال وهو ينهض بسرعة، وصوته هذه المرة لم يحمل ترددًا بل إنذارًا حادًا. رفعت المرأة رأسها نحوه بارتباك واضح، وعيناها تتابعانه بعدم فهم. "ما الذي تتكلم عنه؟ لا يمكننا تركه هكذا!" قالت بصوت متوتر، وقد اختلط فيه الخوف بالإنكار. أسرع آرثر نحو أدريان دون أن يتوقف. "لن نتركه… سنأخذه معنا." قالها بسرعة، وكأنه لا يسمح لأي جدال أن يتسلل بين كلماته. خطت المرأة خطوة للأمام، ملامحها بدأت تتغير إلى قلق وغضب مكبوت. "رويدك! ما الذي تفكر فيه؟" توقف آرثر لحظة، ثم قال بنبرة أكثر حدة، وعيناه تفتشان الهواء حولهما: "هناك رائحة غاز… خفيفة لكني أعرفها جيدًا. أنا عملت سابقًا كمفتش لأنظمة الإضاءة بالغاز على السفن البخارية… أعرف رائحة التسرب حتى لو كانت بالكاد تُشم." تجمدت نظرتها للحظة. أكمل وهو يرفع جسده محاولًا التقاط أي علامة أخرى في الجو: "هذا تسرب غاز. إذا لم نغادر فورًا، قد نُحاصر داخل انفجار كامل." ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم بدا على المرأة أنها بدأت تستوعب خطورة الأمر، فتقدمت خطوة، تستنشق الهواء بعمق… ثم اتسعت عيناها فجأة. "…أعتقد أنك محق. فلنخرج حالًا." لم تنتظر كلمات أخرى. انحنى آرثر بسرعة، ورفع أدريان بين ذراعيه بحذر شديد، وكأنه يحمل حياةً بأكملها لا جسدًا فقط. ثم اندفعوا جميعًا نحو الباب. كان الممر شبه خالٍ، كأن السفينة نفسها قد حبست أنفاسها. ومع كل خطوة، كانت الرائحة تبتعد. "إلى غرفتي." قال آرثر بعد لحظة من التفكير السريع، وقد أدرك أن أقرب ملاذ آمن هو مسكنه. "أرشدنا." جاء صوت المرأة حاسمًا، رغم ارتجافه الخفي. تحركوا بسرعة عبر الممرات، حتى وصلوا إلى الباب بعد دقيقة بدت أطول بكثير من حقيقتها. دفعه آرثر ودخل، بينما بقيت المرأة عند المدخل تراقب الخلفية بقلق. وضع أدريان على السرير برفق، ثم انحنى عليه فورًا، ووجهه يحمل مزيجًا من القلق والأمل. كانت عينا الصبي تتحركان بصعوبة، كمن يحاول العودة من مكان بعيد جدًا. "أدريان… هل أنت بخير؟" قال آرثر بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا. لكن الصمت الذي تلا السؤال لم يكن عاديًا. تحركت شفاه أدريان ببطء، ثم فتح عينيه أخيرًا… نظرة فارغة، ضائعة، لا تعرف من أمامها. "…عفواً." قال بصوت خافت متقطع. توقف آرثر للحظة، كأن الهواء انقطع عنه. ثم جاءت الكلمات التالية كطعنة باردة: "من… أنت؟"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD