#نبض_حياتى
#الفصل_الخامس
نبض حياتى..
"ما من شيء أولى بطول سجن من لسان.
ويل للرأس من اللسان.
إننا نتحدث دائماً أحاديث سوء حين لا يكون لنا شيئا نقوله"
كلماتها كالنيىران تتأجج من داخلها، هى ليست مخطئه هى بلا أهل، بلا أب وعائله… تتذكر هوامش من الماضى حنان شخص غريب عنها ولكن تلاشت تدريجياً من البعد، تلاقت عينيها بأعين مؤنس الذى لم ينطق بل فضّل الصمت لكى لا يثير وينهش جوارح ماضى، عنفتها والدتها بقهرة أم لم تستطيع أن تفعل شىء لحماية بناتها ألم تعلم أنها هى الهدف ويجب ان تنزوى بين جداران قصر الكافـى لكى تضمن حياتها…
مازالت صامته ترفض أن تطاوع مقلتيها وتبكى، أردفت بحسرة الى والدتها:
_ ما دى الحقيقة يـ ماما أنا مش عاوزه اروح في اي حته احنا كويسين كدا والله و ولو عايزانى أشتغل تانى هشتغل شغلتين مع بعض بس بلاش مكان جديد ووجوه جديده ووجع أكبـر.!!
قوس مؤنس مابين حاجبيه مندهشاً من حديثها الغامض والخوف الذى يجعلها ترتعش، أليست تلك نفسها نبض القوية التى تستحمل اي شىء مقابل عدم الإذلال لأحد؟!!
شدتها وفاء إلى حضنها بحمايه فـ إبنتها تعانى من الأجتماع بأُناس جديدة والتعلق بالغير، علاقتها مع أصدقائها سطحيه جداا، تعانى منذ أن كانت طفله صغيره لا تفقه شىء سوى الإرهاب والخوف من أكثر الأشخاص أماناً لها، هدأتها وفاء بكلامها المعسول قائله:
_ أهدى.. اهدي خالص دول أهلنا يـ نبض مش كان نفسك فى العيله واللمه والسند والأمان وهما أهم مش هتلاقى أحن منهم عليكى والله، هو انا عمرى كدبت عليكي في حاجه يانبض؟!!!
مسحت دموعها العالقه بأهدابها بطاعة وإستسلام فمن الواضح أن المناقشه مرفوضه، دلفت إلى حجرتها وخلفها رنا الصامته والتى عيونها تحكى مئات الاسئلة
بعد وقت خرجت نبض بحقيبتها وأيضا رنا، نصب مؤنس عوده مقترباً منهن بثبات ثم أمسك بالحقائب وقال:
_ كده تمام يلا بينا الوقت أتأخر!
تحركوا خلفه وإستقلوا السيارة فى حين إندمجت رنا بالحديث مع مؤنس وتعودت عليه فهى بطبعها إجتماعيه عكس نبض تماما، على عكس نبض الشاردة والألم يكسى ملامحها ترانيم الماضى تتغنى فوق أذنيها بلا رحمه.. شردت فى ماضيها التعيس منذ كانت طفله البرائه تشق قلبها
Flash Back
كانت تقف فى غرفه المديره تخقض رأسها بخوف من نظرات والدها الناريه، تخاف أن يجرحها ويكسرها أمام زملائها وبالفعل حدث ما كانت تخشاة وقف والدها يرمقها بغضب وكأن التى أمامة فتاه تفقه كل شىء وليس طفله تخطأ وتتعلم الصواب من الخطأ بتفاهم ولكن عكس كل ذلك
لطمها على وجهها بقوة جعلتها تنتفض من مكانها، وقعت أثر تلك اللطمة… جذبها من ذراعها بقوة مشيراً إلى زميلتها:
_ إعتذريلها حالا…هتعملى بلطجية على زمايلك مانتِ تربيتها
كانت أول بدايه إنكسار طفله جعلها والدها بسبب أفعاله وضربه المبرح لها مسخ أمام زملائها…بدأ الجميع يعايرها وينفر منها ولو حدثت مشكله وكانت لها الحق بمجرد أن يعلم أنها فعلت مشكلة ينفر من حديثها ويبدأ بمعاقبتها أمام زملائها… باتت مكسورة لم تستطيع والدتها أن تتحدث فكان لها أيضا جزء من الحديث والأهانة والضرب… وأيضا جملة صديقتها ترن بأذنيها " انتي مش هنلعبك معانا علشان انتي وحشه وباباكِ بيضربك علشان مش كويسه ولو أتكلمتى هقوله يضربك ويزعق لمامتك كمان أمشى بقاا"
Back
إنتفضت على أثر تلك الجمله بل الجُمل المعلقه بأذنيها ومهما مر عليها الدهر يظل الماضى الأسود والموجع بأوجاعه لم يغيرة شىء
نظرت إليها وفاء بحزن عليها ولم هى فيه…كان هناك من يراقب إيماءاتها بفضول وأيضا حزن وفاء الظاهر قرر في نفسه ان يعلم مابها فمنظرها مريب ويثير الشفقه…
وقفت العربيه أمام القصر نزل منه مؤنس وعاون الجميع على النزول….دخل مؤنس برفقتهم ليجد أخاه يجلس وينتظرة.. نادى مؤنس على مدبرة القصر "أحلام" لتأتى إليه فى الحال تقف أمامه بطاعه قائله:
_ ودى الهوانم الصغيرين على أوضتهم وابعتى حد غيرك يطلع الشنط
المدبرة بإيماءة:
_ أمرك يـ بيه
أصطحبتهم أحلام إلى الداخل فى حين أمر أخيه يزيد أن يذهب إلى غرفته وتبقى هو ووفاء…أقترب منها مؤنس بثبات قائلا:
_ ممكن نتكلم شويه؟!!
هزت رأسها بمعنى ( نعم) ، جلست على الاريكه وهو يجلس مقابله عيونه تخترقها بأسئلته ولكن أهم سؤال هى نبض!!!
تنحنح بخشونه قبل أن يردف بفضول داخلى:
_ طنط انا مش حابب أدخل فى تفاصيلكم الشخصيه بس نبض بنت عمى لو مش بالدم فبـ الوصيه وتربيتها فى وسطينها ممكن تعرفينى هى مالها وليه الرهبه اللى بشوفها فى عيونها لما قولنا تيجوا هنا؟!!!!
أغمضت عينيها بتعب وكأنه تحاول أن تمسح ذلك الماضى التعيس من ذاكرتها ولكن أبى أن يطيعها ونهش مؤنس الماضى بفضولة لم يريد ان يفسرة سوى بذلك… بدأت وفاء بالتحدث لعل أن تجد العلاج عنده:
_ الحاله دى عندها ومن وهى طفله، كانت بتتضرب من ابوها عمرة ما نصفها، كسرها وكسر ضهرها قصاد مدرستها، عمرة مابيشوفها غير أنها بنت وفاء اللى وافقت عليه وهى بتحب غيرة، شايفها عار لحد ما بدأ زمايلها ينفروها ويقولوها كلام وحش بقت تخاف تتكلم مع حد غريب لتتحرج منه أو يحرجها بقت شايفه نفسها أقل الناس، بتحبس نفسها باى حجه وتكتم فى نفسها مبقتش عارفه اعمل ايه يابنى بتضحك وتهزر بس جواها حمل مايشلهوش جبل ولا راجل
إنصدم مؤنس من مجرد نخيلة بشاعة الموقف ولطفلة أن تتحمل تلك الصدمات والخذلان من الأقرب لها..تنهد بأسف موجها حديثه لـ وفاء:
_ أنا هدورلها على حل وهتتعالج من الفوبيا دى متقلقيش هنا أمان خالص وهتتعود بسرعة
_ يارب يابنى يارب
وقف مؤنس مرة اخرى:
_ طبعاً حضرتك منستيش القصر وعلى فكرة لسه أوضتك زى ماهيا زى ما سبتيها
وكأن حديثه سكين تغرز بداخلها عن خوفها وخذلانها وعدم الثقه بأحد والهروب بإطفالها تاركة كل شيء خلفها، مسحت القصر بعينيها ترى فيه كل ذكرى تجمعها معه إشتاقت له وبشدة بداخلها خوف كبير من المواجهه ولكن لا مفر سيتواجهان يوماً….نظرت إلى السلالم خطت عليهم إلى واجهتها، إلى كوخ شهد به ذكريات لم يستطيع مُر الأيام أن تذوبها….
فتحت وفاء باب غرفتها بتوتر ثم أنارتها، تطلعت إلى الجدران.. صورته التى تتزين قلبها قبل الحائط… الي صورتهم سويا وايضا صورة تجمعة بنبض وأخرى ورنا وهى مولوده.. جدران تنطق بالكثير ولم تخلو من العتاب على مهاجرتها، جلست على طرف السرير ثم مسكت بالصورة التى تجمعهم بمفردهم مردفه بألم وحسرة:
_ وحشتني اوى يـ يحيى وحشنى دفىء حضنك ونظرتك ونبرة صوتك.. حقك عليا والله انا متأكدة انك هتعذرنى وترجعنى لحضنك زى زمان مش ههون عليك!!
أحتضنت الصورة بين زراعيها ممددة جسدها على الفراش، ثم أطبقت على جفنيها بتعب، لأول مره تشعر بالراحه وسُكن جسدها، ولكن ينقصها شىء هو الدفىء الذى افتقدته وبشدة….
************************
جلست فوق فراشها الجديد لم تشعر بالحياة تجاه أي شىء، حياه إفتقدتها منذ الطفوله.. لأول مرة تشعر أنها تريد البكاء بعد محاربات كثيرة لكى تمنع عينيها من الخضوع ولكن لا مفر، بكت بمرارة على تعاستها التى تلاحقها دون تعب إجهاد، إستسلمت لعالم آخر تهرب منه من ظلمة الحياة القاسيه والمؤلمة غطت فى ثبات عميق تاركة كل شيء خلفها فيكفى..
**********************
أعلنت الشمس تمردها لتقترش السماء معلنه عن حياه جديدة بشكل مختلف وتحول جذرى فى حياة الجميع
فتحت عينيها بصعوبة لتستقبل أشعة الشمس المتمردة، نهضت بثقل وأخذت حمامها وصلت فرضها لتشعر ببعض من الراحة تغمرها، نزلت للأسفل لتلقى التحية على الجميع وجلست بجانب أختها بصمت.. أقتحم مؤنس عالمها قائلاً:
_ لو انتى حابة تشتغلى فستناكى تيجى معايا الشركة ورنا السواق هيستناها يوديها جامعتها
نبض بلهفه:
_ ياريت انا اتعودت على الشغل، بس انا هشتغل إيه؟
مؤنس بإبتسامة جعلته وسيما:
_ لما تشرفي شركتى المتواضعة هتعرفى كل حاجه
نهضت نبض سريعاً:
_ حالا هكون وراك
ذهبت لتأتى بأغراضها فى حين نظرت وفاء بخوف لمؤنس ليطمنها بعينيه بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام….
***********************
رياح عائدة من جديد لتقذف كل من يقف أمامها بشراسة وعدوانية، هبطت الطائرة الخاصة بـ حمزة الكافـى إلى أرض الوطن معلنة عن رجوع وحرب ستهتز لها الجدران وتهدم قلوب مفعمة بالحقد والكراهية..
نظر يحيى لوالدة بإستغراب لعدم ركوبة معه، قطع حمزة خلوة أسئلته قائلاً بأمر:
_ روح أنت علشان ورايا مشوار مهم
زم يحيى شفتيه بإيماء ثم أمر السائق بالذهاب إلى القصر ولم يعلم ما ينتظره هناك… فى حين وقف حمزة يترقب إختفاء إبنها يحيد ببصرة إلى الشخص المنظر ثم أعطاه إشارة كى يتقدم إليه
لم يكن ذلك الشخص سوى "ريان" وقف ريان قبالته بثبات عجيب قائلاً بإقتضاب:
_ كده نقدر نتكلم برحتنا وبهدوء
استقل ريان السيارة وبجواره حمزة الكافى الذى مازال يتحلى بالصمت والسكون…وقف ريان بسيارته على المقطم ثم إستدار برأسه قائلاً بجدية:
_ فين ماما واختي؟!!
حمزة بتهكم:
_ واي اللى مخليك متأكد أنى اعرف مكانهم؟!!
_ "دى مش محتاجة إجابة لانها معروفه اصلا، انا مش عاوز غير امى واختى وارجعهم"
حمزة بغيظ من عدم رؤية ريان الأمور من جميع الجوانب:
_ عاوز ترجعهم لابوك علشان يكمل على اختك وامك، فكر فى الموضوع يابنى من كل الجوانب هما معايا بأمان لا ابوك ولا مراته هيسبوهم فى حالهم وأنت لوحدك مش هتقدر عليهم ولا هتقدر على قُدرهم!
ريان بغضب:
_ والمطلوب منى أي انا اتحرمت منهم وكل ماجى اوصلهم بتبعدهم عنى…انا متفهم حضرتك جدا ومتفهم خوفك بس انا بردة مش من حقى اخد اختي بحضني واطمنها وأشوف أمى؟!!!
ضغط حمزة على كفة بإبتسامة وقورة:
_ صدقنى يا ريان انا مقدر لهفتك علشان اللهفه دى شوفتها بعيون كل القريبين منى بس اللى اقدر اقولهولك يا بني هتشوفهم وفى أسرع وقت كمان بس أبوك ميعرفش عن "نبض" حاجه والا هياخدها عِند فى الكل ووقتها تصرفي مش هيرضى الكل!
نظر إليه ريان بعفوية وقلبه يتمزق من الداخل لأجلهم ولكن يؤمن بجملة "إنّ بَعد العُسر يُسرَ"....
********************
وقف يحيى بسيارته أمام القصر الذى طال الغياب عنه لأعوام تاركا كل شيء خلفة..ترجل منها بثبات ثم مسح خارج القصر بعينيه قبل أن يقع عينيه على تلك الجالسة.. أثار فضولة معرفة هويتها وقلبه أعلن تمردة ليدق معلنا عن الحرب التي ستنشد الأن…ضيق عينيه وكانه يكذب حَسّه.. أردف بتوتر داخلى قائلاً:
_ انتى مين؟!!!
صوته كالنغمة دخلت أذنيها وتجحظ عينيها بصدمة.. هذا صوته هو خلفها، رائحته التي تعرفها ظهرا جيدا، وقف بخوف من تلك المواجهة المحتومة ثم استدارت ببطء لتكون تلك الصدمة الأكبر من نصيب يحيى الذى لجم لسانه وخلاياه عن العمل، نطق بصعوبة محاولا استخراج الكلمات من جوفه:
_ وفاء..!!!!